لم يكن ميناء المخا مجرد رصيفٍ على البحر، ولا محطةً عابرة في جغرافيا اليمن. كان ذات يوم بوابةً خرج منها اسم اليمن إلى العالم، وحمل معه حكاية البن اليمني الذي ارتبط باسم «موكا» في أسواق القهوة العالمية.
في القرن السابع عشر، أصبحت المخا مركزاً تجارياً بارزاً في اليمن والجزيرة العربية والخليج والقرن الأفريقي، واشتهرت بتصدير البن اليمني، إلى جانب البخور والسلع الأخرى. حتى إن اسم «موكا» أصبح مرتبطاً بالقهوة اليمنية في الذاكرة التجارية العالمية.
لكن التاريخ لا يمضي دائماً في خط مستقيم. فقد تراجعت مكانة الميناء تدريجياً مع صعود موانئ أخرى، وتبدل طرق التجارة والصراعات التي شهدتها المنطقة، حتى دخل الميناء في مراحل طويلة من التعطّل والتراجع.
واليوم، تبدو الصور القادمة من المخا وكأنها تستدعي ذلك الماضي البعيد لتسأل: كيف وصل هذا المكان الذي حمل ذات يوم تجارة البن إلى هذا الخراب؟
أكثر من 25 ضربة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بحسب مدير عام الميناء، طالت منشآت الميناء ومعداته ومحيطه، وأدت إلى توقف النشاط التجاري والملاحي بشكل كامل. وأسفرت الهجمات، وفق الإفادات الرسمية التي نقلتها وسائل إعلام، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة عشرة آخرين، فيما قُدّرت الخسائر المباشرة بنحو 16 مليون دولار، مع أضرار طالت منشآت ومعدات وسفناً تجارية.
لكن الخسارة الحقيقية لا تُقاس بالدولار وحده.
فوراء كل رصيف مدمّر فرصة اقتصادية ضائعة، وخلف كل سفينة توقفت أسرة فقدت مصدر دخلها. وقد أشارت تقارير إلى أن توقف النشاط قطع مصدر دخل نحو 1300 عامل مرتبطين بالميناء.
وهنا تتجاوز قصة المخا حدود ميناءٍ تعرض للقصف؛ إنها قصة مدينة كاملة تبحث عن مكانها في المستقبل.
كنتُ أحتفظ بجزء من أرشيف هذا الميناء منذ سنوات، حين حمل مشروع تخرجي من كلية الإعلام بجامعة صنعاء عنوان «الميناء الحلم». يومها كان الحلم أن يعود ميناء المخا إلى دوره، وأن تستعيد المدينة شيئاً من مكانتها التاريخية، وأن يصبح البحر طريقاً للتنمية لا ساحةً للصراع.
واليوم، وأنا أرى صور الخراب، تبدو المفارقة مؤلمة: الميناء الذي كان حلماً في مشروع تخرج، صار اليوم بحاجة إلى من ينقذ الحلم نفسه من تحت الركام.
ومع ذلك، فإن الموانئ لا تموت بسهولة. فالمخا ليست مجرد منشآت إسمنتية ومعدات يمكن إصلاحها؛ إنها موقع استراتيجي، وذاكرة تجارية، وإرث اقتصادي وثقافي يمتد لقرون. وتؤكد البيانات الرسمية أن موقعها على البحر الأحمر وقربها من باب المندب منحاها أهمية استراتيجية وتجارية تاريخية.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الصور ليس فقط: ماذا فعل الحوثيون بالميناء؟
بل السؤال الأهم: هل سيعود ميناء المخا؟
The post الميناء الحلم الذي دمره الحوثي appeared first on يمن مونيتور.