يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عبدالله العطار ومحمد عبدالقادر
لم تعد المخا مجرد مدينة ساحلية على هامش المواجهة اليمنية. فالميناء الذي يخدم تعز ومحافظات مجاورة، والموقع القريب من باب المندب والبحر الأحمر، يمنحانها وزنًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يجعل استهدافها يتجاوز الحسابات العسكرية المحلية إلى طرق التجارة والملاحة الدولية.
ومع تكرار الهجمات الحوثية خلال مدة قصيرة، انتقلت المدينة إلى قلب مرحلة جديدة من التصعيد، تستخدم فيها الموانئ والمنشآت المدنية للضغط على الحكومة والقوى المنتشرة في الساحل الغربي، ورفع كلفة أي تحرك عسكري محتمل ضد الجماعة.
ويقول محللون سياسيون إن التصعيد الحوثي الأخير ضد مدينة المخا لا يمكن فصله عن مساعي الجماعة إلى نقل المواجهة نحو البنية الاقتصادية والمدنية في الساحل الغربي، ورفع كلفة أي تحرك عسكري محتمل للقوات الحكومية، بالتزامن مع توجيه رسائل تهديد تتصل بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وحذروا في تصريحات لـ«يمن مونيتور»، من أن استمرار استهداف الميناء والمنشآت المدنية بالصواريخ والطائرات المسيّرة قد يدفع اليمن إلى مرحلة أشد خطورة، ويقوض جهود التسوية السياسية، ويفتح الباب أمام مواجهة عسكرية واسعة على جبهات عدة.
استهداف يتجاوز جولة عابرة
قال المحلل السياسي عادل الشجاع إن ما يجري في المخا ليس مجرد جولة قصف عابرة، بل يمثل انتقالًا واضحًا في التصعيد الحوثي نحو استهداف البنية المدنية والاقتصادية في الساحل الغربي، في محاولة لفرض كلفة مباشرة على المناطق الخاضعة للحكومة وطرق الإمداد والتجارة.
وأوضح أن التطورات الأخيرة لا ينبغي قراءتها بوصفها «ردًا حوثيًا» على حادثة منفصلة، وإنما باعتبارها اختبارًا جديدًا لقواعد الاشتباك، تسعى الجماعة من خلاله إلى نقل المعركة من استهداف الخصم العسكري مباشرة إلى استنزاف البيئة المدنية والاقتصادية المحيطة به.
وأضاف الشجاع أن استمرار استهداف المخا والموانئ والأحياء المدنية بهذا الإيقاع ينذر بمرحلة أخطر، لأن ضرب الموانئ لا يقتصر على منشآت قد تكون لها صلة بالجانب العسكري، بل يمس شريانًا اقتصاديًا وإنسانيًا تعتمد عليه قطاعات واسعة من السكان.
وحذر من أن هذا المسار قد يقود البلاد إلى دورة جديدة من التصعيد المتبادل، تكون فيها المنشآت الحيوية والمناطق المدنية جزءًا أساسيًا من المواجهة.
أهمية المخا ورسالة الساحل الغربي
وأشار الشجاع إلى أن المخا تتمتع بأهمية استراتيجية استثنائية، بالنظر إلى موقعها القريب من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ودورها بوصفها منفذًا اقتصاديًا يخدم تعز والمحافظات المجاورة.
ويرى أن تكثيف الضربات على المدينة يحمل رسالة ردع موجهة إلى القوى الموجودة في الساحل الغربي، مفادها أن إنشاء مناطق مستقرة وتشغيل موانئ فاعلة خارج نطاق النفوذ الحوثي سيبقيان عرضة للاستهداف.
وقال إن تكرار الضربات خلال مدة زمنية قصيرة، بدلًا من الاكتفاء بضربة منفردة، يعكس محاولة لفرض معادلة أمنية جديدة في الساحل الغربي، تجعل استمرار النشاط الاقتصادي والتجاري مرتبطًا بحسابات الجماعة العسكرية.
وأضاف أن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بما إذا كانت القوات الحكومية سترد، بل بطبيعة ذلك الرد: هل سيكون محسوبًا ومحدودًا بهدف ردع استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، أم سيقود إلى مسار جديد من التصعيد المتبادل؟
توقيت مرتبط بتحركات الحكومة
من جهته، قال المحلل السياسي عبدالواسع الفاتكي إن استهداف جماعة الحوثي للمخا في هذا التوقيت يأتي، وفق تقديره، ردًا مباشرًا على التحركات الأخيرة للحكومة المعترف بها دوليًا، وما وصفه بمحاولة استعادة المبادرة العسكرية.
وربط الفاتكي التصعيد بتصريحات صادرة عن مجلس القيادة الرئاسي ووزير الدفاع بشأن الجاهزية لمواجهة الجماعة وإنهاء انقلابها، معتبرًا أن الحوثيين يسعون كذلك إلى التغطية على خسائر ميدانية تكبدوها أخيرًا في عدد من الجبهات.
وأضاف أن الجماعة تحاول من خلال هذه الهجمات تحقيق أهداف متداخلة، في مقدمتها إثبات استمرار امتلاكها قدرات هجومية، رغم الضربات الدولية والأميركية السابقة التي استهدفت مواقع تابعة لها.
كما تسعى، بحسب تحليله، إلى اختبار مكامن القوة والضعف لدى القوات المسلحة اليمنية، وفرض توقيت المعركة ومسارها، وتوجيه رسالة تحدٍ إلى التحالفات الدولية والإقليمية بشأن قدرتها على تهديد الموانئ والملاحة البحرية.
الميناء هدف اقتصادي
يرى الفاتكي أن الميناء هو الهدف الأساسي للهجمات، بالنظر إلى ما يمثله من قيمة اقتصادية واستراتيجية، وليس مجرد موقع جغرافي قريب من جبهات القتال.
وقال إن جماعة الحوثي تسعى إلى ضرب رمزية المخا بوصفها شريانًا حيويًا يربط اليمن بالعالم، ومنفذًا يساعد في تلبية احتياجات تعز والمحافظات المجاورة.
وأضاف أن استهداف الميناء يرمي إلى إلحاق الضرر بالبنية الاقتصادية، وإفشال النموذج التنموي الناشئ في المخا، وحرمان الحكومة من عوائد تجارية يمكن أن تسهم في تعزيز حضورها الاقتصادي.
وأشار إلى أن الجماعة تعمل، من خلال القصف المكثف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، على تعطيل إعادة تشغيل الميناء واستهداف الرصيف والمخازن والجمارك والمرافق المرتبطة بالنشاط التجاري.
كما تهدف، بحسب الفاتكي، إلى رفع مستوى المخاطر الأمنية ودفع شركات وخطوط الملاحة إلى تجنب الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة، ما من شأنه تعميق الأزمات الاقتصادية في تلك المناطق.
ضغط على باب المندب والبحر الأحمر
يرتبط التصعيد ضد المخا، وفق الفاتكي، بالقرب الجغرافي للمدينة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية للتجارة الدولية.
وقال إن الضغط العسكري على المدينة يهدف إلى رفع مستوى المخاطر المحيطة بحركة السفن في البحر الأحمر، وتثبيت معادلة تقوم على قدرة الجماعة على تهديد الملاحة والموانئ الحيوية متى أرادت.
ويعتقد أن الحوثيين يسعون بذلك إلى مضاعفة قلق المجتمع الدولي والتحالفات البحرية المكلفة بحماية الممرات المائية، ووضع أمن البحر الأحمر مجددًا في قلب أي حسابات سياسية أو عسكرية مرتبطة باليمن.
ولا تقتصر الرسالة، بحسب تحليله، على الداخل اليمني، بل تمتد إلى القوى الإقليمية والدولية، محذرة إياها من تقديم دعم إضافي للحكومة أو للقوات المناوئة للجماعة.
رسالة إلى المقاومة الوطنية
وقال الفاتكي إن الهجمات تحمل كذلك رسالة مباشرة إلى القوى المنتشرة في الساحل الغربي، وفي مقدمتها المقاومة الوطنية.
وأوضح أن الجماعة تحاول استباق أي عملية عسكرية محتملة لتحرير بقية المناطق الساحلية، عبر رفع كلفة التحرك الميداني واستهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية، بما يخلق حالة من الإرباك والضغط العسكري والسياسي.
واعتبر أن استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في وقت واحد يعكس رغبة في إحداث أكبر قدر ممكن من الأضرار، وتحويل المنشآت المدنية والاقتصادية إلى وسائل ضغط وابتزاز.
وأضاف أن هذا الأسلوب يقترب من سياسة «الأرض المحروقة»، عبر استهداف المقومات التي يمكن أن تساعد المناطق الخارجة عن سيطرة الجماعة على تحقيق الاستقرار أو بناء نموذج اقتصادي قابل للاستمرار.
رسائل عسكرية وسياسية وإقليمية
يحمل التصعيد الحوثي، وفق الفاتكي، ثلاث مجموعات مترابطة من الرسائل.
فعسكريًا، تسعى الجماعة إلى استعراض قوتها الهجومية وإظهار احتفاظها بترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب تأكيد رفضها أي مفاوضات قد تمس سلاحها أو تقلص قدراتها العسكرية.
وسياسيًا، تحاول إضافة أوراق ضغط إلى طاولة أي تسوية مقبلة، وإظهار قدرتها على تعطيل الموانئ وتهديد النشاط الاقتصادي في المناطق الخاضعة للحكومة.
أما إقليميًا، فتسعى إلى توجيه رسالة مفادها أن زيادة الدعم المقدم إلى الحكومة اليمنية أو القوى المناوئة لها يمكن أن يقابل بتوسيع التهديدات ضد الموانئ والممرات البحرية والمصالح المرتبطة بالبحر الأحمر.
مخاطر على جهود السلام
حذر الفاتكي من أن استمرار التصعيد قد يطيح بما تبقى من فرص الحل السياسي، ويجمد جهود المبعوث الأممي، ويغلق الباب أمام الوساطات الرامية إلى احتواء النزاع.
وقال إن مواصلة استهداف الموانئ والمنشآت الحيوية قد تدفع الأطراف نحو مواجهة عسكرية شاملة ومفتوحة، تتسع فيها رقعة القتال وتنتقل فيها الكلمة الأولى من مسارات التفاوض إلى الميدان.
ويتفق ذلك مع تحذير الشجاع من أن تكرار الهجمات يضع اليمن أمام اختبار جديد: إما احتواء التصعيد من خلال رد محسوب يحمي المدنيين والمنشآت الاقتصادية، وإما الانزلاق إلى دورة حرب جديدة تكون فيها الموانئ وطرق التجارة والبنية المدنية أهدافًا مباشرة.
وبينما تظل المخا في قلب هذا التصعيد، تتجاوز تداعيات استهدافها حدود المدينة والساحل الغربي؛ فكل ضربة تطال الميناء ترفع المخاطر على اقتصاد هش، وتضع حركة التجارة والمساعدات والملاحة قرب باب المندب أمام مزيد من الاضطراب.
The post المخا في مرمى النيران: استراتيجية حوثية جديدة لفرض قواعد الاشتباك بالساحل الغربي appeared first on يمن مونيتور.