تقرير أعده لـ”يمن ديلي نيوز” فوزي المريسي: تواجه منطقة “مريس” التابعة لمديرية قعطبة شمالي محافظة الضالع (جنوبي اليمن) أزمة مياه متفاقمة، في ظل تراجع غير مسبوق في منسوب المياه الجوفية، نتيجة عوامل متداخلة أبرزها الاستنزاف الجائر والتوسع المستمر في زراعة القات، والحفر العشوائي للآبار، والانخفاض الملحوظ في معدلات هطول الأمطار، وسط غياب إجراءات حكومية تحد من استنزاف الموارد المائية.
وتعد منطقة مريس، من أبرز مناطق زراعة القات في محافظة الضالع، إذ يعتمد عدد كبير من السكان على هذا المحصول كمصدر رئيسي للدخل، إلا أن التوسع في زراعته أصبح يرتبط بتزايد الضغوط على الموارد المائية، خصوصاً المياه الجوفية.
ويقول سكان ومزارعون في المنطقة، تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز” إن الأزمة تجاوزت في الأشهر الأخيرة حدود النقص الموسمي للمياه، لتتحول إلى تهديد مباشر لمصادر الشرب واستمرار النشاط الزراعي.
ويأتي ذلك – بحسب ما تحدثوا – بعد أن جف عدد من الآبار السطحية وانخفض منسوب المياه في آبار أخرى كانت تمثل المصدر الرئيسي لري الأراضي الزراعية وتلبية الاحتياجات اليومية للسكان.
وأشاروا إلى أن أزمة المياه تفاقمت بشكل حاد نتيجة شحة الأمطار السنوية، والاعتماد الكلي على المياه الجوفية لري مزارع القات التي تستهلك كميات هائلة من المياه على حساب الاحتياجات الأساسية للشرب والزراعة المستدامة.
ويرى مزارعون أن انتشار منظومات الطاقة الشمسية، رغم دورها في تخفيف تكاليف تشغيل مضخات المياه بعد سنوات من ارتفاع أسعار الوقود، أسهم بصورة غير مباشرة في تسريع استنزاف المخزون الجوفي للمياه.
ويقول المزارع ناجي المنصوب لـ”يمن ديلي نيوز”، إن انخفاض كلفة ضخ المياه شجع كثيراً من المزارعين على التوسع في حفر الآبار الارتوازية، مستفيدين من غياب الرقابة الحكومية، الأمر الذي أدى إلى استنزاف متسارع للمياه الجوفية.
وأشار إلى أن مئات الآبار في المنطقة، حُفرت بصورة عشوائية، دون مراعاة للمسافات القانونية أو الدراسات الجيولوجية، ما تسبب في جفاف العديد من الآبار التقليدية، وتراجع منسوب المياه في المنطقة بشكل لافت خلال فترة قصيرة.
خسائر فادحة
ويؤكد السكان أن التوسع الكبير في زراعة القات يعد من أبرز أسباب الأزمة، نظراً لاحتياجه إلى كميات كبيرة من المياه مقارنة بالمحاصيل الأخرى، في وقت تعتمد فيه المنطقة بشكل شبه كامل على المياه الجوفية بعد تراجع معدلات الأمطار.
ونتيجة لجفاف الآبار المحلية، اضطر كثير من المزارعين إلى شراء المياه المنقولة عبر الصهاريج “الوايتات” القادمة من مديرية دمت المجاورة، في محاولة للحفاظ على مزارعهم وإنقاذها من التلف.
وتتراوح تكلفة صهريج المياه الواحد بين 50 ألفاً و100 ألف ريال يمني، بينما ترتفع تكلفة الشاحنات الكبيرة إلى مبالغ أكبر، ما يضاعف أعباء الإنتاج الزراعي.
ويقول المزارع نور الدين غالب لـ”يمن ديلي نيوز”، إن بعض مزارعي القات ينفقون ما يقارب مليوني ريال يمني في “القطفة” الواحدة لتغطية تكاليف الري فقط، مضيفاً أن هذه النفقات لم تعد تتناسب مع أسعار القات التي شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي ضاعف خسائر المزارعين.
ورغم هذه التكاليف الباهظة، يشير غالب، إلى أن السوق يشهد تراجعاً وتردياً كبيراً في أسعار القات، مما يضع المزارعين أمام خسائر مالية فادحة لا تغطي كلفة الإنتاج، فضلاً عن الكارثة البيئية المستمرة.
غياب جهود المواجهة
ولا يحمّل الأهالي التغيرات المناخية وحدها مسؤولية الأزمة، بل يشيرون أيضاً إلى غياب المشاريع الحكومية الخاصة بحصاد مياه الأمطار، مؤكدين أن السيول الموسمية تمر دون الاستفادة منها في تغذية الخزان الجوفي.
ويقول سكان محليون إن المنطقة تفتقر إلى السدود والحواجز المائية القادرة على تخزين مياه الأمطار وإعادة تغذية المياه الجوفية، بينما ظلت المبادرات المجتمعية التي نفذها الأهالي لإنشاء حواجز صغيرة محدودة الأثر، ولا تلبي الاحتياجات المتزايدة للقطاع الزراعي.
وعلى الرغم من المبادرات المجتمعية المحلية التي قام بها الأهالي لتشييد بعض الحواجز المائية الصغيرة، إلا أنها تظل غير كافية ولا تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات المائية الهائلة لقطاع الزراعة في مريس.
ويحذر مزارعون وسكان من أن استمرار الاستنزاف الحالي للمياه الجوفية قد يقود إلى كارثة بيئية واقتصادية، تهدد مستقبل الزراعة واستقرار السكان في المنطقة.
ظهرت المقالة شبح العطش يهدد مريس.. آبار تجف وتكاليف “الوايتات” تنهك كاهل المزارعين أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.