مفارقات أمريكية
International
1 hour ago
share

تحتفل الولايات المتحدة في الرابع من يونيو-تموز بالذكرى المئوية الثانية والخمسين  لتأسيس الجمهورية الأمريكية وإعلان استقلالها.  وسوف تشهد البلاد احتفالات ضخمة ونشاطات تاريخية لا سابقة لها، تشمل عروضاً عسكرية، ومهرجانات ثقافية وفنية مثل تنظيم مهرجان وطني كبير في قلب العاصمة واشنطن، يعرض ثقافة وتقاليد جميع الولايات. وسوف يشهد ميناء نيويورك احتفالا ضخما تشارك فيه سفن حربية واكثر من ثلاثين سفينة شراعية من مئة وثلاثين دولة، اضافة الى عروض الألعاب النارية التي ستضيئ المدن والمعالم الشهيرة في البلاد.

تعتبر وثيقة اعلان الاستقلال، التي صاغها بشكل اساسي توماس جيفرسون، والتي تؤكد على مركزية الحقوق الطبيعية للإنسان وفلسفة الحكم للجمهورية الجديدة، ودستور الولايات المتحدة الذي يمثل السلطة القانونية الأعلى في البلاد ويحدد معالم الحكومة المركزية، من اهم الاسس الفلسفية والقانونية   المتميزة التي بنيت عليها البلاد.

وعلى مدى الاجيال اعتبر فلاسفة ومؤرخون وكان اخرهم الكاتب والمؤرخ والتر ايزكسون ان المقدمة الفلسفية لإعلان الاستقلال، والتي تؤكد نحن  "نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقاً ثابتة، من بينها الحياة والحرية والسعي وراء السعادة" ،  هي أهم جملة في تاريخ البشرية.

ويبدأ الدستور الاميركي، بإعلان مثالي مماثل لإعلان الاستقلال : "نحن شعب الولايات المتحدة، رغبة منا في إقامة اتحاد أكثر كمالاً، وإرساء دعائم العدالة، وضمان الطمأنينة الداخلية، وتوفير الدفاع المشترك، وتعزيز الرخاء العام، وتأمين نعم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية" .

هذه المثالية الراقية والتأكيد على المساواة والحقوق الثابتة لجميع البشر، والسعي لإقامة اتحاد اكثر كمالاً تمثل مواقف ثورية سابقة لزمنها، ولكنها تحتوي ايضا تناقضات ظاهرية  اخطرها اخلاقيا وسياسيا تفادي المؤتمر الدستوري مناقشة، ناهيك عن حل مؤسسة العبودية، و احترام حقوق السكان الاصليين، الامر الذي عرّض اباء الجمهورية، الذين كانوا يتغنون بانهم بنوا وطنا حرا، الى تهم الخبث والازدواجية، خاصة وان كاتب الاعلان، توماس جيفرسون كان يملك مئات المستعبدين.. الولايات الشمالية، باسم الحفاظ على وحدة البلاد، تعايشت مع العبودية في الولايات الجنوبية  التي هددت بالانفصال اذا تم الغاء العبودية. هذا السرطان في الجسم السياسي الاميركي، والذي كان يعرف باسم "الخطيئة الاصلية" ازداد خطرا مع مرور الزمن، الى ان انفجر بعد اكثر من سبعين سنة في حرب اهلية ضخمة كادت تدمر البلاد.  

 وعلى الرغم من مكاسب المتحدرين من المستعبدين، الا ان أثار آفة العبودية لا تزال حاضرة في المجتمع الاميركي، حيث ازدادت الاستقطابات العرقية والسياسية والاقتصادية والثقافية حدة واحيانا أكثر عنفا وخاصة خلال ظاهرة دونالد ترامب التي تهيمن على البلاد منذ اكثر من عقد من الزمن.

هذه الاستقطابات، لم يخلقها ترامب، ولكنه يجيد استغلالها لتبرير سياساته المعادية لحقوق الاقليات والنساء والمهاجرين، وخاصة من دول العالم الجنوبي، وميله الى تجاهل الدستور واحكامه، واستخدام المؤسسات الحكومية مثل وزارة العدل ضد خصومه، كلها ممارسات زجت البلاد في خطر وشيك.  وتشكل الهوة الاقتصادية الواسعة في الدخل المالي بين أكثرية الاميركيين الذين يشكون من غلاء المعيشة وتكاليف التعليم والعناية الصحية، وأقلية أوليغارشية من اصحاب البلايين من الدولارات، ظاهرة تهدد السلم الاهلي والتعايش المتسامح بين مكونات المجتمع الاميركي.

ومع كل هذه التحديات الصعبة التي تواجهها الديموقراطية الاميركية، لا تزال الولايات المتحدة في هذه الذكرى تتميز بإنجازاتها العلمية وابداعاتها الثقافية والفنية، وحيويتها الاقتصادية، والفسيفساء الانساني المتنوع فيها، كل هذه العوامل تجعلها دولة فريدة من نوعها في العالم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows