واصل الاقتصاد اليمني خلال شهر مايو 2026 مواجهة تحديات مركبة ناجمة عن استمرار الحرب والانقسام المؤسسي بين مناطق الحكومة الشرعية ومناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية، وقد برزت خلال الشهر مؤشرات تعكس الضغوط المتزايدة على القطاع الخاص والعمل الإنساني، إلى جانب استمرار التحديات المرتبطة بإمدادات الطاقة والوقود والموارد العامة، وفي المقابل، شهدت الفترة جهوداً حكومية وشركاء إقليميين للتخفيف من حدة الأزمة، غير أن مجمل التطورات يؤكد بقاء الاقتصاد اليمني في حالة هشاشة، مع محدودية فرص التعافي في المدى القريب.
- استيلاء الحوثيين على معدات وإمدادات أمريكية بعد تعليق البرامج الإنسانية
أفادت تقارير في مطلع مايو باستيلاء جماعة الحوثي الانقلابية على معدات وإمدادات أمريكية، وذلك عقب تعليق الولايات المتحدة بعض برامجها الإنسانية في اليمن، ويأتي هذا التطور في سياق التوتر المتصاعد بين الجماعة وعدد من المنظمات والجهات المانحة الدولية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من قيود وإجراءات طالت العاملين في المجال الإنساني والبرامج الإغاثية.
وتتجاوز أهمية هذه الحادثة قيمة المعدات المصادرة، إذ تعكس التحديات التي تواجه العمل الإنساني في مناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية، فالمساعدات الإنسانية تمثل مصدراً مهماً للدعم المالي والخدمات الأساسية، كما ترتبط بفرص عمل ومشتريات وأنشطة محلية واسعة.
كما تثير الحادثة مخاوف المانحين الدوليين بشأن سلامة أصولهم وبرامجهم، ما قد يدفع بعض الجهات إلى تشديد شروط التمويل أو تقليص أنشطتها، وفي ظل تراجع التمويل الإنساني عالمياً، فإن استمرار مثل هذه الممارسات قد يسهم في تقليص تدفقات المساعدات إلى اليمن، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والإنسانية على السكان الذين يعتمد جزء كبير منهم على المساعدات الخارجية.
- تجميد أرصدة منظمة الإغاثة الإسلامية في صنعاء
أصدرت محكمة خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي الانقلابية خلال شهر مايو قراراً بتجميد أرصدة منظمة الإغاثة الإسلامية في البنوك العاملة في صنعاء، في خطوة تعد امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي استهدفت منظمات دولية وإقليمية عاملة في المجال الإنساني خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه اليمن واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعتمد ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والصحة والمياه والحماية الاجتماعية، ولذلك فإن أي قيود تفرض على المنظمات الإنسانية لا تنعكس على تلك المنظمات فحسب، بل تمتد آثارها إلى المستفيدين من خدماتها وبرامجها.
ويمثل تجميد الأرصدة أحد أخطر أشكال التدخل في عمل المنظمات الإنسانية، لأنه يؤثر مباشرة على قدرتها على تنفيذ برامجها وسداد التزاماتها المالية، بما في ذلك رواتب الموظفين المحليين، والمدفوعات الموجهة للموردين والمتعاقدين، وتمويل الأنشطة الميدانية، كما أن استمرار مثل هذه الإجراءات يرفع من مستوى المخاطر التشغيلية التي تواجهها المنظمات الدولية، وقد يدفع بعضها إلى تقليص أنشطته أو إعادة تقييم حضوره في مناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية.
كما تضع هذه الإجراءات المنظمات الدولية أمام بيئة عمل أكثر تعقيداً ومخاطرة، وهو ما قد ينعكس على حجم البرامج والمشاريع المنفذة مستقبلا. ولا يقتصر أثر ذلك على الجانب الإنساني، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي الذي يستفيد من الإنفاق التشغيلي للمنظمات وما يرتبط به من فرص عمل وأنشطة خدمية وتجارية.
- طرح أراضي بنك التضامن للبيع بالمزاد العلني
شهد شهر مايو تطوراً لافتاً في القطاع المصرفي، بعد إعلان محكمة خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي الانقلابية طرح أراضٍ مملوكة لبنك التضامن الإسلامي الدولي للبيع بالمزاد العلني، بمساحة تقارب 2792 لبنة وبقيمة تجاوزت 9.4 مليارات ريال، وقد أثار القرار ردود فعل واسعة، خاصة بعد اعتراض الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً واعتبارها الإجراءات غير قانونية ولا تستند إلى أحكام قضائية معترف بها.
وتتجاوز أهمية هذه القضية حدود النزاع القانوني حول ملكية الأصول، إذ تمس بشكل مباشر مستوى الثقة في القطاع المصرفي وبيئة الاستثمار في مناطق سيطرة المليشيا، فالبنوك تمثل أحد الأعمدة الرئيسية لأي نشاط اقتصادي، وأي إجراءات تمس أصولها أو ممتلكاتها تثير مخاوف المستثمرين وأصحاب الأعمال بشأن سلامة الملكية الخاصة واستقرار البيئة الاقتصادية.
وتعكس هذه الحادثة حجم التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في ظل الانقسام المؤسسي القائم منذ سنوات بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية ومناطق سيطرة مليشيا الحوثي الانقلابية، فقد أدى هذا الانقسام إلى ازدواجية في القرارات والإجراءات التنظيمية، وأوجد بيئة عمل معقدة للبنوك والمؤسسات المالية، التي باتت تعمل في ظل سلطات نقدية ورقابية متباينة.
كما أن مثل هذه الإجراءات قد تدفع المؤسسات المالية إلى تبني سياسات أكثر تحفظاً في منح التمويلات والاستثمارات الجديدة، نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر القانونية والتنظيمية. ويؤدي ذلك بدوره إلى تقليص فرص التمويل المتاحة للقطاع الخاص، وإضعاف قدرة الشركات والمشروعات على التوسع أو تنفيذ استثمارات جديدة.
- تراجع واردات الوقود عبر موانئ الحديدة التي تسيطر عليها المليشيا بنسبة 76%
كشفت بيانات أممية خلال شهر مايو عن تراجع واردات الوقود عبر موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى بنسبة 76% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، في أكبر انخفاض يسجل منذ أربع سنوات، ويعد هذا التراجع من أبرز المؤشرات الاقتصادية خلال الشهر، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه المشتقات النفطية في تشغيل مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية.
ويأتي هذا الانخفاض في ظل تصاعد التوترات العسكرية في البحر الأحمر، والتشديد المتزايد على حركة السفن والناقلات المتجهة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي الانقلابية، إلى جانب حالة عدم اليقين التي باتت تحيط بعمليات الاستيراد والنقل البحري خلال الأشهر الأخيرة.
ويثير هذا التراجع مخاوف من حدوث اختناقات في إمدادات الوقود خلال الفترات المقبلة، وهو ما قد يدفع إلى ارتفاع الأسعار واتساع نشاط السوق السوداء، خاصة في حال استمرار انخفاض الواردات أو تعثر وصول الشحنات الجديدة، وقد شهدت اليمن خلال السنوات الماضية حالات مشابهة أدت إلى اضطرابات واسعة في الأسواق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وعلى المستوى الإنساني، لا يقتصر أثر نقص الوقود على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك تشغيل المستشفيات ووسائل النقل، وهو ما قد يزيد من الأعباء المعيشية على السكان في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد.
- محاصرة مصنع مياه شملان وإيقاف نشاطه
شهد شهر مايو تصعيداً جديداً في الضغوط التي تواجهها منشآت القطاع الخاص في مناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية، بعد قيام مسلحين بمحاصرة مصنع مياه شملان في صنعاء وإغلاق بوابته الرئيسية للمطالبة بمبالغ مالية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العمل في المصنع.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مصنع شملان يعد من أقدم وأكبر المنشآت العاملة في قطاع المياه المعبأة في البلاد، كما يمثل نموذجاً للتحديات المتزايدة التي يواجهها القطاع الخاص في بيئة اقتصادية تعاني من ضعف الاستقرار المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ.
ولا يقتصر أثر مثل هذه الحوادث على المنشأة المستهدفة فقط، بل يمتد إلى مجمل بيئة الأعمال والاستثمار، فتعطيل نشاط أي منشأة إنتاجية يؤدي إلى خسائر مباشرة في الإنتاج والمبيعات، كما يؤثر على سلاسل التوريد والعاملين والموزعين المرتبطين بها.
كما تعزز مثل هذه الممارسات مخاوف المستثمرين وأصحاب الأعمال بشأن استقرار الأنشطة الاقتصادية وحماية الاستثمارات الخاصة، ومع تكرار حالات المطالبات المالية غير القانونية أو التدخلات في عمل الشركات، ترتفع تكلفة ممارسة الأعمال ويزداد إحجام المستثمرين عن التوسع أو ضخ استثمارات جديدة.
- رفع أسعار الديزل في مناطق الحكومة الشرعية
أعلنت شركة النفط في عدن خلال شهر مايو رفع سعر الديزل بنسبة 24.5% ليصل إلى 36 ألف ريال للصفيحة سعة 20 لتراً، في خطوة تعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها الحكومة الشرعية في توفير المشتقات النفطية وتمويل احتياجات السوق المحلية.
ويأتي القرار في ظل أزمة مالية مستمرة تعاني منها الحكومة منذ توقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي نفذتها جماعة الحوثي الانقلابية على موانئ التصدير، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في موارد النقد الأجنبي والإيرادات العامة، وزاد من صعوبة تمويل واردات الوقود ودعم الخدمات الأساسية.
ومن المتوقع أن ينعكس ارتفاع أسعار الديزل على تكاليف نقل البضائع بين المحافظات، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة أسعار عدد من السلع الأساسية والمواد الغذائية، كما ستواجه الأنشطة الزراعية والصناعية تكاليف تشغيل أعلى، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الوقود لتشغيل المعدات والآلات ومصادر الطاقة البديلة، كما يأتي القرار في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية ضعفا في القدرة الشرائية وارتفاعا في تكاليف المعيشة، وهو ما يزيد من احتمالات انتقال جزء من الأعباء الإضافية إلى المستهلك النهائي، وتزداد هذه التأثيرات في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النقل البري في حركة السلع والبضائع بين مختلف المحافظات.
- منحة سعودية لدعم قطاع الكهرباء في اليمن
أعلنت المملكة العربية السعودية خلال شهر مايو تقديم منحة عاجلة بقيمة 150 مليون دولار للحكومة الشرعية مخصصة لتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء حتى نهاية عام 2026. وتأتي هذه المنحة في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء تحديات كبيرة نتيجة محدودية الموارد المالية وارتفاع تكاليف الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، وتعد أزمة الكهرباء من أبرز التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجه مناطق الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، حيث يعتمد جزء كبير من إنتاج الكهرباء على الوقود المستورد، ما يجعل استقرار الخدمة مرتبطا بصورة مباشرة بقدرة الحكومة على توفير التمويل اللازم لشراء المشتقات النفطية.
وتسهم هذه المنحة في تخفيف جزء من الضغوط الواقعة على المالية العامة، إذ توفر للحكومة مورداً مهماً لتغطية احتياجات قطاع الكهرباء دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية خلال الفترة المقبلة. كما تساعد في توجيه جزء من الموارد المتاحة إلى أولويات أخرى مرتبطة بالخدمات العامة والالتزامات التشغيلية، ومن المتوقع أن تسهم المنحة في تحسين استقرار خدمة الكهرباء والحد من الانقطاعات المتكررة، خاصة خلال فترات ارتفاع الطلب على الطاقة. كما أن تحسن إمدادات الكهرباء ينعكس بصورة إيجابية على الأنشطة الاقتصادية المختلفة، بما في ذلك القطاع التجاري والصناعي والخدمي، التي تعتمد بشكل مباشر على استقرار الطاقة الكهربائية.
كما تحمل المنحة بعداً اقتصادياً أوسع، يتمثل في الحد من الاعتماد على حلول الطاقة البديلة مرتفعة التكلفة، مثل المولدات التجارية، والتي تشكل عبئاً إضافياً على المواطنين والقطاع الخاص. ويساعد استقرار الكهرباء أيضاً في تخفيف جزء من تكاليف التشغيل والإنتاج في عدد من القطاعات الاقتصادية.
- تحرير سعر التقييم الجمركي
أقرت الحكومة الشرعية تحرير سعر التقييم الجمركي، في خطوة تهدف إلى زيادة الإيرادات العامة وتقريب قيمة الرسوم الجمركية من سعر الصرف السائد في السوق، وذلك في ظل استمرار الضغوط المالية الناتجة عن تراجع الموارد العامة وتوقف صادرات النفط منذ أواخر عام 2022 نتيجة الهجمات التي نفذتها جماعة الحوثي الانقلابية على موانئ التصدير.
ويعد القرار من أبرز التطورات الاقتصادية خلال الشهر، نظراً لما يحمله من آثار مباشرة على حركة الاستيراد والأسعار والإيرادات الحكومية، وتستند الحكومة في القرار إلى الحاجة لتعويض جزء من التراجع الحاد في الإيرادات، وتحسين التحصيل الجمركي، والحد من الفجوة بين سعر التقييم الجمركي وسعر الصرف الفعلي.
ظهرت المقالة احاطة اقتصادية أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.