Arab
كعادته، يُصفِّي الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو بصيرته المناهضة للأنيميا النقدية، ليضفي على كتابه الجديد "سُرّاق اللغة" (منشورات المتوسط، ميلانو، ترجمة إسماعيل أزيات، 2026) كثافة رمزية تفتح أبواباً واسعة للتأويل، مثلما فعل في كتبه الإشكالية السابقة ("لسان آدم"؛ "العين والإبرة"؛ "الكتابة والتناسخ"؛ "حصان نيتشه"؛ "من شرفة ابن رشد"؛ "أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية"؛ "والله إن هذه الحكاية لحكايتي"؛ "في جو من الندم الفكري"؛ "الأدب والارتياب"؛ "لن تتكلم لغتي"؛ "أنبئوني بالرؤيا".. إلخ). فمن خلال العنوان الذي اختاره للكتاب، يواصل كيليطو عادته القديمة في اقتراح عناوين تبدو كأنها فخاخ جمالية تثير الحيرة وتغوي القارئ بالدخول إلى عوالمها، إذ يتحول العنوان لديه دائماً إلى عتبة فكرية كاملة، تقفز على وظيفتها التعيينية لإنتاج أسئلة موازية تسمح بإطالة النظر إلى النص.
تبعاً لذلك، يصبح العنوان (سرقة اللغة) آلية إبداعية خفية وجوهرية تعمل على تثبيت فعل الكتابة في "منطقة المابين". فكل كاتب، في تصور كيليطو، قارئ أولاً، وهذا القارئ يتحرك وسط نصوص سبقت وجوده وأسهمت في تشكيل وعيه وذائقته وتصوراته للعالم. ومن ثم، فهو يرث لغة مثقلة بأصوات الأسلاف وابتكاراتهم، فيجد نفسه مرغماً على إعادة ترتيب ذلك الإرث داخل حساسيته الخاصة، في نوع من "الاشتباك الضرورة" مع نصوص حاضرة وغائبة تتحرك داخل مرايا متعددة الزوايا والأبعاد.
يعيد الكتاب، إذن، النظر في مفهوم "الأصالة الأدبية" (كأنه ينتقد على نحو مباشر قول أبي العلاء المعري: وإني وإن كنت الأخير زمانه/ لآت بما لم تستطعه الأوائل). ذلك أن الثقافة الحديثة أقامت "صورة طهرانية" للمبدع تجعله مبتكراً أول لـ "أشيائه" من العدم. غير أن كيليطو يقترح تصوراً آخر يرى الأدب سُلّماً متحركاً من التناسلات والتحولات والاقتباسات. ولهذا يستعيد تصور النقاد القدامى الذين تعاملوا مع "السرقات" الشعرية بوصفها جزءاً عضوياً من حيوية الأدب، حيث كان الشعر الجيد قادراً على إيقاظ أصداء شعر سابق، وربط الحاضر بالماضي بخيط إبداعي رفيع. ومن هنا تأتي أهمية تصديره الكتاب بعبارة غوستاف فلوبير: "عوض إبداع عمل جديد، قد يكون أكثر حكمة تبين أعمال جديدة تتوارى خلف القديمة"، وهي جملة تختصر تصوراً كاملاً للكتابة بوصفها فن الكشف عن الطبقات الخفية للنصوص، أي أنها قائمة على ما يسميه كمال أبو ديب "جدلية الخفاء والتجلي"، أو على ما يسميه جيرار جينيت "المتعاليات النصية" في كتابه "طروس".
يتجلى هذا الوعي التناصي بصورة أكثر وضوحاً عندما يعود كيليطو إلى الحيوية المصاحبة للتراث العربي، مستحضراً المقامات والرسائل والسرديات العربية القديمة. فالحريري يحاور بديع الزمان الهمذاني، بما يجعل النصوص تتحرك داخل لعبة مرايا متواصلة، كأن الأدب العربي القديم كان واعياً منذ زمن بعيد بفكرة التداخل النصي والاقتراض التعبيري والتخريق والطمس. ولهذا خصص النقاد القدامى باباً كاملاً لما سموه "باب السرقة"، حتى صار جزءاً من الارتجاف النقدي الممتع. ومن ذلك "المنصف للسارق والمسروق منه في إظهار سرقات أبي الطيب المتنبي" لابن وكيع التنيسي، و"الرسالة الموضحة في ذكر سرقات أبي الطيب المتنبي وساقط شعره" لأبي علي الحاتمي، و"الإبانة عن سرقات المتنبي" لأبي سعد العميدي، وكتاب "الكشف عن مساوئ شعر المتنبي" للصاحب بن عباد، و"العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده": لابن رشيق القيرواني، و"الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" لأبي القاسم الآمدي، و"الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي أبي الحسن الجرجاني، و"كتاب الصناعتين" لأبي هلال العسكري. وقد رأى ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة" أن الأديب يتحرك دائما داخل منطقة تماس مع نصوص الآخرين، وأن المهارة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل ذلك الموروث إلى كتابة تحمل نبرة جديدة.
الذاكرة الشخصية نفسها تتشكل من قصص وصور مستعارة
تأسيساً على هذا الفهم، يتحول الأدب عند كيليطو إلى "جمهورية ديمقراطية" تتجمع داخلها الأصوات واللغات والمرجعيات. فكل نص يحيل إلى نص آخر غائب، وكل كاتب يسكنه شبح كتاب آخرين تأثر بهم وأخذ عنهم، ولهذا تبدو "السرقة" شكلاً من أشكال "العودة القسرية" للنصوص السابقة أكثر من كونها عملية سطو مسلح بالمخططات والأقنعة. إنها استحضار أرواح مستمر على قاعدة النظر ملياً إلى الأسلاف، وهي تجعل الأدب قادراً على اختراق الزمن عبر إعادة إنتاج نفسه باستمرار/ على أشكال مختلفة/ وبتراكيب متباينة.
في هذا الكتاب، يدمج كيليطو أسئلته النقدية بتجربته الشخصية مع اللغة، خصوصاً حين يتحدث عن الازدواج اللغوي الذي يعيشه الكاتب المغاربي، إذ يصف ببراعة ذلك التوتر القلق بين لغتين: لغة "النبع"، أي الدارجة التي تنساب من الروح بعفوية وتلقائية، ولغة "المؤسسة"، أي العربية الفصحى المرتبطة بالمدرسة والكتاب والصرامة النحوية. فالدارجة هي اللغة التي تتدفأ بها الروح: لغة الأمكنة الحميمة والأصوات الأولى والطفولة والعلاقات اليومية، بينما تبدو الفصحى لغة التأقلم المبالغ فيه مع تحويل الوجهات وإرضاء النمذجات. ولهذا يعترف بأن الكتابة بالفصحى بالنسبة إليه تشبه "إنفاقاً كبيراً للجهد"، لأن الكاتب يجد نفسه مطالباً بالعودة إلى المعاجم والقواميس، ومراجعة التعابير والتراكيب، والتفكير الطويل في اختيار الجمل المناسبة.
من هذا المنطلق، يلتقط كيليطو الجوانب الأكثر تعقيداً في التجربة اللغوية المغاربية، حيث يتحرك الإنسان وسط تعدد لغوي وثقافي كثيف. فالكاتب المغاربي يعيش بين الدارجة والعربية الفصحى والفرنسية أحياناً، ويجد نفسه في عبور دائم بين أنظمة تعبير مختلفة. ولهذا تبدو الكتابة عنده عملية تفاوض مستمرة مع اللغة، أكثر من كونها فعلاً تلقائياً بسيطاً. ذلك أن الكاتب، في هذا السياق الجغرافي والثقافي، يسكن "منطقة حدية" تتجمع داخلها هويات وأصوات ولغات. في هذا المستوى تحديداً تتحول اللغة إلى سؤال عن الهوية والكينونة. فالإنسان يسكن اللغة بقدر ما تسكنه اللغة، وكل اختيار لغوي يحمل معه رؤية معينة للعالم. ومن هنا يتحول السؤال: بأي لغة نكتب؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: من نحن حين نكتب؟ ومن أي ذاكرة نتكلم؟
الكتابة عند المغاربيين عملية تفاوض مستمرة مع اللغة
يثير الكتاب، أيضاً، قضية التعليم وصرامته المتقنة في تشكيل الذائقة الأدبية. فكيليطو يتوقف أمام الطريقة التي تسهم بها المدرسة في تدجين الحس اللغوي عبر تمارين الإنشاء والقوالب الجاهزة والنماذج المفروضة سلفاً، مما يضع الكاتب الناشئ داخل لغة معيارية صارمة قبل أن يمتلك فرصة اكتشاف صوته الخاص. ومن هنا تنبع أهمية فكرة "سرقة اللغة"، لأن الكاتب يكتشف مع الوقت أن صوته الشخصي نفسه تشكل داخل منظومة لغوية وثقافية سابقة تحط بكل ثقلها عليه. ومن هنا، فالمدرسة، بإعادة إنتاجها لنماذج تعبيرية جاهزة (قوالب)، تمارس نوعاً من الميل إلى "البطالة الهانئة" أكثر من كونها منصة لإطلاق العنان للخيال. فالطفل يدخل مبكراً إلى عالم "الإنشاء الأدبي" المحكوم بقواعد صارمة تقوم على خردوات محفوظة، فيتعلم كيف يكتب وفق توقعات المؤسسة، قبل أن يتعلم كيف ينصت إلى لغته الداخلية. ومن خلال هذا التحليل يفتح كيليطو نقاشاً واسعاً حول علاقة الإبداع بالسلطة اللغوية.
من الجوانب اللافتة أيضاً، في كتاب "سراق اللغة"، الرهان على مزج النقد بالسرد. فكيليطو يكتب المقالة النقدية في منطقة سردية مرحة تتحرك فيها محكيات صغيرة وطرائف وإشارات ثقافية. وهذا يعتبر من أهم سمات مشروعه، لأنه يمنح النقد نفسه طابعاً جمالياً. كما يحضر في الكتاب حس تهكمي خفيف يمنحه مرونة داخلية، من خلال تسديد نظرات خفية ساخرة إلى أكثر القضايا تعقيداً، كأنه يراقب اللغة وهي تراوغ أصحابها. فحتى وهو يتحدث عن الهوية والتمزق اللغوي، مثلاً، يحفظ للنص خفة ضاغطة تمنعه من السقوط في الجفاف النظري، مما يجعل القارئ يشعر بأنه أمام كاتب يدين في أبحاثه بالكثير لفعالية الأخيلة.
تأسيساً على هذا كله، يتحول "سراق اللغة" إلى تأمل طويل في اللغة التي يظنها كل كاتب "ملكية خاصة"، بينما هي في العمق مأهولة بأرواح أخرى (الكاتب مستحضر أرواح، وليس حفار قبور). ذلك أن الكلمات تحمل آثار من استعملوها قبله حد التشبع. بل إن الذاكرة الشخصية نفسها تتشكل من قصص وأصوات وصور مستعارة. ولهذا تبدو الكتابة عند كيليطو فعلاً قائماً على الارتياب الجميل، حيث يتحرك الإنسان داخل لغة أقدم منه، ويحاول أن يترك فيها أثره العابر.
في هذا الكتاب، يواصل كيليطو انشغاله القديم بفكرة "الغرابة"، تلك الفكرة التي ظهرت بوضوح في أعماله السابقة مثل "الأدب والغرابة" و"لن تتكلم لغتي". فاللغة عنده تحمل دائماً شيئاً من الغرابة، حتى بالنسبة إلى من يتكلمها يومياً. فكل كاتب يشعر أحياناً أنه يقترب من الكلمات بحذر، كأنها تنتمي إلى شخص آخر، أو إلى زمن آخر. وهذه المسافة الدقيقة بين الإنسان ولغته تمنح الكتاب توتراً وجودياً خفياً.
في العمق، يبدو "سراق اللغة" كتاباً عن القلق الإبداعي أكثر من كونه كتابا عن السرقة الأدبية. إنه تأمل في معنى الكتابة نفسها، وفي تلك العلاقة الغامضة التي تربط الكاتب بالمكتبة الكبرى التي سبقته. فالكاتب يقرأ، ثم يكتب، ثم يكتشف أن كتابته نفسها صارت مادة لقراءات أخرى، لتستمر اللغة في رحلتها الطويلة عبر الأجيال، مثل نهر يحمل داخله أصواتاً وصوراً وأسئلة لا تنتهي. ويبقى السؤال هو: هل نملك الكلمات حقا، أم أن الكلمات هي التي تعبر بنا وتعيد تشكيلنا في صمت؟
(كاتب مغربي)

Related News
الذهب يتراجع تحت وطأة صدمة النفط ومخاوف التضخم المستدام
aawsat
48 minutes ago