"كنّا ننفذ الأوامر"
Arab
1 hour ago
share
طوال ما يزيد عن عقد شاهد السوريون آلاف الفيديوهات عن عمليات التعذيب والقتل والمجازر، عدا ما انكشف عما كان يحدث في سجن تدمر ومن بعده في سجن صيدنايا، وما تسرب من القمع الممارس على المعتقلين في الأجهزة الأمنية. هذا بات معروفاً ومن المستحيل إنكاره، ولو أن الذين يطالبون اليوم بعدالة تخصهم وحدهم، لم يحفلوا به، بذريعة أن ما سبق من انتهاكات دامت أكثر من نصف قرن، قد أصبح من الماضي. ها هو الماضي يعود مع البدء بمحاكمة المتورطين في تلك الجرائم، لقد بدأت المحاسبة، ولن يفوت مجموعات القتلة وسفاكي الدماء والمهووسين بالتعذيب، الادعاء بحجة قوية، ومعهم أطراف ممن يحاولون التشويش عليهم في وسائل التواصل الاجتماعي، بحجة يعتقد أنها قوية، لن تكون طوق الإنقاذ، ولن يصلح تشبث المتهمين بها أمام العدالة بالقول: "كنا ننفذ الأوامر". هذا القول ليس جديداً، إنه قديم، كان من الدفوع التي ترددت في محاكمات نورمبرغ، ويعني القبول به عملياً إعفاء أجهزة القمع والاستبداد من المسؤولية، لأن كل جريمة في الأنظمة الشمولية، تُرتكب ضمن سلسلة من الأوامر، تصدر من القمة إلى السفح، وتتوزع على الأطراف، لكن القانون لا يُختزل في إرادة السلطة، حتى تحصر فيها المسؤولية فقط. هذا ما شددت عليه المحكمة. الإنسان مسؤول عن أفعاله، حتى عندما ترتكب باسم الدولة خلال الثورة السورية والحرب، بلغ ما ارتكب من أفعال قمعية وقسرية من الوحشية حداً من الهمجية، ما يجعلها جرائم بطبيعتها، حتى لو سمح بها رأس النظام السياسي أو أمر بها قادة الجيش والميليشيات والأجهزة الأمنية. طالما أن القتل الجماعي، والتعذيب، والإبادة، والإعدام، وقصف الأهالي بالطائرات والكيماوي والبراميل المتفجرة، كان خارج القانون الانساني، ولا يمكن أن تعد واجباً وظيفياً ولا شرعياً ولا إنسانياً ولا وطنياً، بل جرائم لا يجهل مرتكبوها طبيعتها. بالاستئناس بمحكمة نورمبرغ: ليس القانون إرادة السلطة، ولا يُختزل بها. القانون أعلى من أوامر الدولة، مع أن المحكمة أخذت بالاعتبار هذه الحجة، لكن من ناحية أنه ليس كل منفذ للأوامر متساوياً في المسؤولية، وفرّقت بين الطاعة والانخراط الواعي، مع هذا يبقى الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، ولو كان عنصراً في المؤسسة العسكرية أو الأمنية، يتلقى الأوامر من رؤسائه. جرى التمييز بين من يملك القرار والتخطيط، ومن شارك بحماسة واقتناع، ومن نفّذ تحت ضغط الخوف أو الإكراه، ومن كانت أمامه إمكانية الرفض أو التخفيف، ولم يفعل، أو الذي لم يتوان عن الانصياع لضميره، وإذا كانت المحكمة قد أخذت بالاعتبار التدرج في المسؤولية، لكنها لم تقبل مبدأ الإعفاء الكامل. وهذا مهم جداً في الحالة السورية، لأن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتعامل مع ملايين البشر باعتبارهم مجرمين بالدرجة نفسها، وإلا تحولت العدالة إلى انتقام جماعي. مهما بلغ الانسان من اللامبالاة والحقد والقسوة والتعطش للدماء والغلو في نزعة الثأر، وما قد يخالطها من وطنية فاشية، وطائفية عنصرية.... لا يفقد كلياً قدرته على التمييز الأخلاقي. لهذا كان السؤال الرئيسي للمحكمة الذي طرح على المتهمين لم يكن: هل كان تنفيذ الأمر مطلوباً؟ بل هل كنت تعلم أن ما كنت تفعله جريمة؟  ولم تُقبل حجة: القانون كان يسمح بذلك، لأن المحكمة اعتبرت أن هذه الجرائم تقع خارج أي شرعية سياسية أو قانونية. ما ينبغي الأخذ به، أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، حتى عندما ترتكب باسم الدولة. ومثلما هي إدانة للإنسان، تعتبر في الوقت نفسه، اعترافاً بقدرته على تحكيم العقل، ولسبب جوهري أيضاً هو، أن الانسان ليس آلة بلا ضمير.   * روائي سوري

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows