Arab
يعاني المصريون ارتفاع أسعار اللحوم طوال العام، ومع قدوم عيد الأضحى، تضاعفت المعاناة بارتفاع أسعارها عما كانت عليه قبل العيد الذي يعتبر مناسبة دينية واجتماعية استثنائية لاقتناء الموسرين الأضاحي، وشراء اللحوم لمن يقدر ومن لا يستطيع شراءها في أي وقت آخر طوال العام. وفي العيد هذا العام، تضاعفت أسعار الأضاحي بنحو أربع مرات عما كانت عليه قبل خمس سنوات، وهي زيادة غير مبررة، إذ تظل أسعار اللحوم شبه ثابتة لسنوات عديدة في معظم دول العالم وكذلك كانت في مصر قبل 2013. ففي عيد الأضحى سنة 2021، سجلت لحوم عجول الأبقار الحية 60 جنيهاً للكيلو، لتصل في هذا العيد إلى 250 جنيهاً، ما يعني أن الأضحية التي كانت تباع بسعر 30 ألف جنيه قبل خمس سنوات، وصل سعرها هذا العام إلى 120 ألف جنيه (نحو 2300 دولار أميركي). وكذلك ارتفع سعر اللحوم بعد الذبح من 130 جنيهاً للكيلو في سنة 2021 ليصل إلى 500 جنيه للكيلو هذا العام. وبنفس المعدل تقريباً زادت أسعار لحوم الجاموس والجمال والخراف.
وبسبب ارتفاع أسعار الأضاحي، يشعر كثير من المصريين من متوسطي الدخل والمعتادين على التضحية في السنوات السابقة بالعجز عن شراء الأضحية في هذا العيد والفشل في إدخال السرور على أهل بيتهم. وبعد حساب تكاليف الطعام طوال الشهر والإيجار وفواتير الكهرباء والغاز والمياه، فإن إدخال السرور على أهل بيتهم بشراء خروف الأضحية متوسط الوزن في حدود 50 كيلوغراماً بسعر 14 ألف جنيه، يمثل ضعف الحد الأدنى للأجور، يصبح مستحيلاً. ومن الناحية الاقتصادية، يمثل ارتفاع أسعار اللحوم البلدية وركود سوق الأضاحي خسارة لمربي الماشية وقعود كثير منهم عن العمل وكساداً بالنسبة للعاملين في صناعة الأعلاف والأدوية البيطرية والنقل وأصحاب محلات الجزارة وتجار الجلود، وبالتالي تراجع إنتاج اللحوم البلدية، أحد أهم مكونات الأمن الغذائي وروافع الناتج القومي.
فساد الاستيراد
ومن الملاحظ في سوق اللحوم المصرية هذا العام ومنذ سنة 2013، تشجيع الحكومة وزارة الأوقاف والجمعيات الخيرية على الإعلان عن شراء صكوك الأضحية نقداً وبالتقسيط وقيامها باستيراد الأضاحي من البرازيل تحديداً وذبحها هناك وتجهيزها ثم نقلها إلى مصر. وخلال الربع الأول من العام الجاري منحت الحكومة المصرية موافقات استيرادية لعدد 114 ألف رأس من الماشية الحية، بالإضافة إلى 87 ألف طن من اللحوم المجمدة. وأعلنت وزارة الزراعة في بيان عن استيراد 158 ألف رأس من العجول والأغنام والجمال الحية و100 ألف طن من اللحوم المجمدة و65 ألف طن من الكبدة والكلاوي استعداداً لعيد الأضحى. وأعلنت جمعية الأورمان الخيرية عن خطتها لذبح وتوزيع 2000 عجل بلدي، بالإضافة إلى استيراد وتوزيع مليون كيلوغرام من اللحوم المستوردة، وهي تعادل تقريباً 4000 رأس من العجول البلدية.
وبدلاً من دعم المنتج المصري وتشجيع المزارعين على تربية الأضاحي وتوفير الأدوية البيطرية والتحصينات وتمويلهم بتكلفة الأعلاف ثم التعاقد معهم على شراء الأضحية بالجنيه المصري، فإن التوسع في استيراد لحوم الأضاحي وغيرها من أنواع اللحوم الحية والمجمدة، والتي تقل كثيراً في جودتها عن اللحوم المصرية، بواسطة القوات المسلحة ووزارات الزراعة والتموين والأوقاف ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية طمعاً في الكسب السريع، هو إغراق لسوق اللحوم البلدية المصرية وإفقار للمربي والفلاح المصري، وهو ما يثير علامات الاستفهام حول هذه السياسة التي تدمر الاقتصاد الزراعي المصري وتفقر مربي الماشية وتُفقد الكثير منهم فرص العمل وتخرجهم من دولاب الإنتاج الوطني، إضافة إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل في سوق تربية الماشية والمسالخ وتجارة الأعلاف والأدوية البيطرية، وهو جريمة اقتصادية تهدد الأمن القومي. هذه الجهات عادة ما تستورد كيلو اللحوم بدولار واحد أو دولارين، وتبيعه من خلال سيارات تابعة للجيش ومنافذ وزارة الزراعة والشرطة بالمدن والقرى والعزب بنصف سعر اللحوم البلدية الأعلى في الجودة والنكهة والاستساغة، ما يحقق خسائر فادحة للمربي المصري، ويوقف معظم المربين المصريين تقريباً عن الإنتاج.
ومن زاوية أخرى، أحد أسباب ارتفاع أسعار اللحوم المستوردة في مصر هو احتكار شهادات الحلال لصالح شركة واحدة لها علاقة بجهات حكومية وعسكرية في مصر. في إبريل 2019، أعلنت وزارة الزراعة المصرية قرارها بتعيين جهة واحدة لإصدار شهادات الحلال للإشراف على طقوس الذبح في الولايات المتحدة. أدت هذه الخطوة إلى إلغاء المنافسة وحذف الشركات العديدة التي سبق أن قدمت هذه الخدمات إلى المسالخ الأمريكية، ما أدى إلى احتكار الخدمة. وأفاد ممثلو الصناعة أن الشركة الجديدة زادت رسوم خدمات التصديق زيادة فاحشة وفق وزارة الزراعة الأمريكية، وأن تكاليف شهادات الحلال الجديدة تبلغ 5000 دولار لكل شحنة، بغض النظر عن حجم الشحنة. في النظام المعمول به في السابق، كانت تكلفة الشهادة تتراوح بين 10 إلى 20 دولاراً للطن، أو أقل من سنت واحد للرطل. وحذر مكتب إدارة خدمات الزراعة الأجنبية بالقاهرة من أن الزيادة في رسوم شهادات الحلال ستؤدي إلى رفع أسعار لحوم البقر المستوردة للمستهلكين المصريين بمعدل 220 دولاراً للطن، ولا مجيب. ورغم إدانة محكمة جنوب مانهاتن بنيويورك مدير الشركة ذا الجذور المصرية والقضاء بسجنه لمدة ثماني سنوات بتهم الفساد ورشوة رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ السيناتور بوب مينينديز الذي يقضي عقوبة السجن لمدة 11 عاماً بالقضية ذاتها، لكن احتكار شهادة حلال ما زال مستمراً.
خطة للاكتفاء الذاتي
الاكتفاء الذاتي من اللحوم البلدية ممكن جداً، رغم تسفيه النظام من سياسات الاكتفاء الذاتي، من خلال التحسين الوراثي سلالات ماشية إنتاج اللحوم الحمراء المحلية التي تتحمل الظروف البيئية المصرية، البقر والجاموس والأغنام والماعز والإبل، مع السلالات الأجنبية عالية الإنتاج، وليس التخلص من الماشية المصرية واستيراد الأجنبية كما يقترح رأس النظام. وكذلك تنمية إنتاج الأغنام والماعز وتمكين المربين الفقراء في الريف من تملك القطعان، وتنمية إنتاج الإبل في المناطق الصحراوية لتعظيم الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية في تلك المناطق. وتوفير الأعلاف بالتوسع في زراعة محاصيل العلف في الأراضي المستصلحة، وخاصة المحاصيل التي تستخدم في الاستهلاك الآدمي والحيواني معاً كالفول والذرة الشامية والرفيعة، وإتاحة مصادر تمويلية للمربين لتوفير السيولة اللازمة لشراء احتياجاتهم من الأعلاف دون زيادة نسبة الفائدة على القروض، وتوعية أصحاب المزارع وخاصة الكبيرة والمتخصصة في إنتاج اللحم بضرورة الاستعانة بأخصائي تغذية حيوان لتركيب العلائق بما يتناسب مع نوعية وعمر الحيوان واستغلال الخامات الناتجة من المخلفات الزراعية وتحويلها إلى سيلاج، والتوسع في استخدام الأعلاف المركزة لتغذية حيوانات اللحم، والرقابة على مصانع الأعلاف الجاهزة لضمان جودة الأعلاف ومطابقتها للمواصفات القياسية.
كذلك ضرورة أن تضمن الحكومة استقرار العمالة المتخصصة والخبيرة في مجال تسمين وتربية ماشية اللحم واللبن، عن طريق إنشاء الاتحاد العام لمنتجي الإنتاج الحيواني، وتدريب العمالة عملياً على الطرق الحديثة في التربية. ولضمان استقرار العمالة، يجب تطبيق قوانين العمل وتوفير مظلة التأمين لهم. والاستفادة المثلى من الجمعيات التعاونية المتخصصة في الائتمان والإصلاح الزراعي واستصلاح الأراضي في إحياء مشروعات تسمين العجول بوجه عام، ومشروع تسمين البتلو بوجه خاص. وتطوير الخدمات البيطرية بتفعيل الجهود الوقائية والإرشادية للحد من انتشار الأمراض والعمل على توفير اشتراطات الأمان الحيوي للمزارع. وتوفير العلاجات الفعالة واللقاحات المناسبة للأمراض، خاصة الحمى القلاعية، والرقابة على الأدوية واللقاحات وحماية المربين من الغش التجاري ومتابعة شروط عملية الحفظ للأدوية واللقاحات، وتوفير الإمكانات والمتخصصين في المختبرات البيطرية، وتفعيل دور الوحدات البيطرية وأجهزة المتابعة والرقابة التابعة لوزارتي الصحة والزراعة على الحلقات المغذية لقطاع اللحوم الحمراء. وتسهيل إجراءات الحصول على القروض التمويلية الإنتاجية وعدم المغالاة في ضمانات القروض، وتوفير مصادر تمويل بأسعار فائدة منخفضة وغير ربحية، ومنح فترة سماح أطول للقروض قصيرة ومتوسطة الأجل تتناسب مع طبيعة دورة الإنتاج في قطاع اللحوم الحمراء التي لا تقل عن ستة أشهر في المتوسط.
كما من الضروري تشجيع المربي المصري بدفع أسعار مجزية أو تقديم دعم نقدي لكل رأس تصل إلى الوزن المناسب للذبح، كما هو معمول به في دول العالم، وحماية المنتج المحلي بفرض تعرفة جمركية على اللحوم المستوردة وعدم إلغائها لتمكين جهات بعينها للتربح من الاستيراد على حساب الأمن القومي. ولحل الأزمة في المدى القصير، يجب تقنين استيراد اللحوم الحمراء، وتنويع مصادر استيراد اللحوم الحمراء من مناشئ آمنة لتفعيل المنافسة بين الموردين ولضمان حصول المستهلك عليها بأسعار حقيقية تتناسب مع جودتها المنخفضة عن البلدية. وإنشاء قاعدة بيانات دقيقة تظهر حجم الإنتاج المحلي وتحدد الفجوة الاستيرادية التي لا تغرق السوق المحلي، كما هو معمول به في جميع دول العالم. وزيادة منافذ البيع التابعة للدولة في المحافظات والمراكز والقرى وتشديد الرقابة على منافذ بيع اللحوم المستوردة لمنع تسريبها لمحلات الجزارة وبيعها على أنها لحوم بلدية أو مصنعات مفرومة وبأسعار مرتفعة. وأخيراً، العمل بإخلاص وطني على إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة للتكامل بين مصر والسودان في إنتاج وتصنيع وتسويق وتجارة الحيوانات الحية واللحوم والأعلاف والمستلزمات والخدمات البيطرية.

Related News
مفاوضات الاتفاق مع بيدرو «أغلقت»... والشهري لن يستمر
aawsat
19 minutes ago
تقدم حذر في مسار إنهاء الحرب
aawsat
24 minutes ago
مفردات جيل ألفا.. هل ما زلنا نتحدّث اللغة نفسها؟
alaraby ALjadeed
26 minutes ago
إسرائيل تصعّد... وتهدّد بقصف بيروت
aawsat
27 minutes ago