Arab
رغم تراجع معدلات الانتحار في السويد، فإن هذا الانخفاض لا يشمل الفتيات والشباب في بلادٍ تمتلك أحد أكثر أنظمة الرفاه والرعاية الصحية تطوراً، ما يؤكد أن المسألة لا ترتبط حصراً بالدخل بل بتعقيدات اجتماعية ونفسية.
تشهد السويد مفارقة مقلقة في ملف الانتحار، إذ يتراجع المعدل العام منذ ثمانينيات القرن الماضي، بينما تتصاعد في المقابل المؤشرات المرتبطة بالفتيات الصغيرات، سواء من حيث الأفكار الانتحارية أو حالات الوفاة، في ظاهرة باتت تثير قلق الباحثين وتدفع السلطات الصحية إلى البحث عن تفسيرات أعمق لما يحدث خلف الأرقام.
وتكشف دراسة حديثة نشرها المركز الوطني لأبحاث ومنع الانتحار في معهد كارولينسكا، استندت إلى متابعة امتدت بين 1980 و2023، أنّ الاتجاه العام للانتحار بين الأطفال والشباب لا يسير في مسار واحد، بل يختلف بحسب الجنس والفئة العمرية. وبحسب الدراسة، يبقى الانتحار بين الأطفال نادراً من حيث الأرقام المطلقة، إذ يبلغ متوسط الوفيات بين مَن هم في سن 10 إلى 17 نحو 25 حالة سنوياً. لكن البيانات طويلة المدى تكشف عن اتجاه مقلق لدى الفتيات، إذ سجلت الفئة بين 10 و14 سنة ارتفاعاً تدريجياً في معدلات الانتحار منذ ثمانينيات القرن الماضي، لتصبح الأعلى نسبياً بين الأطفال، في حين بقيت المستويات مستقرة بين الفتيان.
وقالت اختصاصية الطب النفسي للأطفال والمراهقين وإحدى الباحثات المشاركات في الدراسة آنا لوند، للتلفزيون السويدي: "أعتقد أن ذلك يعود إلى عوامل عدّة مختلفة في مجتمعنا، تفرض تدريجياً ضغوطاً متزايدة على الأطفال والشباب، وخصوصاً الفتيات"، وتسأل: "هل هو نظام التعليم، أم الهواتف الذكية، أم وسائل التواصل الاجتماعي؟ لا نرى تحولاً واحداً واضحاً، بل زيادة تدريجية مستمرة عبر السنوات".
ورغم التراجع العام في معدلات الانتحار في السويد منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن هذا الانخفاض لا يشمل الفتيات الصغيرات، حيث تستمر معدلاتهنّ في الارتفاع، مقابل استقرار نسبي بين الفتيان. وتشير الدراسة إلى أن هذا التطور يأتي ضمن سياق أوسع من تزايد الضغوط النفسية على الأطفال واليافعين، خصوصاً الفتيات، في ظل تحولات اجتماعية وتكنولوجية سريعة، من دون تعزيز كافٍ لخدمات الدعم النفسي والتدخل المبكر. تدعم بيانات صحية حديثة هذا الاتجاه، إذ أظهر تقرير "الصحة النفسية والانتحار في السويد 2024" أن نحو 4% من السكان فوق 16 سنة راودتهم أفكار انتحارية خلال العام الماضي (2023)، بنسب متقاربة بين الرجال والنساء. لكن الفجوة تتوسع بوضوح بين الفئات العمرية، إذ ترتفع النسبة إلى 8% بين الشباب (16- 29 سنة)، مقابل 1% فقط بين مَن تجاوزوا 65 سنة، ما يعكس عبئاً نفسياً أكبر على الفئات الشابّة.
سجّلت السويد خلال عام 2024 نحو 1453 حالة انتحار مؤكّدة، 999 رجلاً و454 امرأة، إضافة إلى 223 وفاة يُشتبه بأنها انتحار من دون تأكيد النيّة. كما سُجّلت 10 حالات بين أطفال دون 15 سنة، وفقاً لتقارير معهد كارولينسكا. وعلى مستوى دول الشمال الأوروبي، تقع السويد ضمن نطاق مرتفع إقليمياً. إذ سجّلت فنلندا في 2024 نحو 764 حالة انتحار (13.5 لكل 100 ألف نسمة)، 582 رجلاً و182 امرأة، مع استمرار الفجوة الجندرية لصالح الذكور. بينما تسجل النرويج مستويات أقل نسبياً، وتأتي الدنمارك دون السويد، بنحو 550 إلى 600 حالة سنوياً وبمعدل 9-10 لكل 100 ألف نسمة، مع استمرار الفجوة لصالح الرجال.
ويعكس هذا التباين أن معدلات الانتحار في دول الرفاه الاسكندنافية لا تُفسَّر فقط بالدخل أو قوة أنظمة الحماية الاجتماعية، بل تتداخل فيها عوامل مثل الصحة النفسية، والعزلة الاجتماعية، وأنماط الدعم المجتمعي. وسُجّل أعلى معدل في السويد بين الرجال فوق 85 عاماً (41 لكل 100 ألف)، بينما كان الأدنى بين النساء في الفئة 15-29 عاماً (5 لكل 100 ألف). ورغم التراجع الطفيف مقارنةً بعام 2023، تؤكد السلطات الصحية أن الانخفاض العام بات أبطأ في السنوات الأخيرة. وتشير البيانات إلى أن الانتحار يمثّل نحو ثلث وفيات الفئة 15-29 سنة (178 من أصل 570 وفاة)، فيما تلقّى نحو 11 ألف شخص علاجاً في عام 2024، بسبب محاولات انتحار أو إيذاء ذاتي، مع بروز الفتيات والشابات دون 30 عاماً باعتبارهنّ الفئة الأكثر عرضة. وفي الفئة 10–17 سنة تُسجّل الفتيات معدلات أعلى بكثير من الفتيان، وهو نمط يستمر في الفئة 18-29 سنة، بينما تبقى محاولات التسمّم بالمواد الدوائية الوسيلة الأكثر شيوعاً بنسبة 77% بين النساء و68% بين الرجال.
وتُظهر الدراسات أن الاكتئاب أو تلقي علاج نفسي سابق يرفع احتمالات السلوك الانتحاري، خصوصاً بين الفتيات في سن 15–19 سنة، مع استمرار ارتفاع حالات إيذاء النفس تدريجياً خلال السنوات الماضية.
وتكشف البيانات في السويد إلى جانب عدد من الدراسات الاسكندنافية، عن نمط موسمي نسبي في حالات الانتحار، مع تسجيل ارتفاع خلال شهرَي مارس/ آذار وإبريل/ نيسان، إضافة إلى ذروات في أيام مثل رأس السنة وبعض الاحتفالات الربيعية. ويُرجّح الباحثون أن هذا النمط يرتبط بعوامل متداخلة، من بينها تغيّر ساعات الضوء بين الفصول، والتأثيرات المرتبطة بالحساسية الربيعية، إضافة إلى ارتفاع استهلاك الكحول في بعض المناسبات، وهو ما قد يزيد السلوك الاندفاعي لدى الفئات الهشّة نفسياً.
وتشير تقارير السلطات الصحية السويدية إلى أن هذه العوامل البيئية لا تُعدّ سبباً مباشراً للانتحار، بل تتفاعل مع عوامل أوسع مثل الاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، والضغوط النفسية، وهي من أبرز عوامل الخطر المثبتة في الدراسات الوبائية. ورغم امتلاك السويد واحداً من أكثر أنظمة الرفاه والرعاية الصحية تطوراً، فإن هذه المؤشرات توضح أن الانتحار لا يرتبط حصراً بمستوى الدخل أو قوة النظام الاقتصادي، بل يعكس تعقيدات اجتماعية ونفسية أعمق.
حتى في دول الشمال ذات النماذج الاجتماعية المتقدمة، تتزايد الضغوط النفسية بين اليافعين، خصوصاً الفتيات، في ظل التحولات الرقمية السريعة وتغيّر أنماط العلاقات الاجتماعية وتراجع بعض أشكال الدعم الأسري التقليدي، ما يترك كثيرين في مواجهة صامتة مع معاناة لا تُلحَظ بسهولة. وتشير هذه المعطيات إلى أن الصحة النفسية لم تعد مرتبطة حصراً بمستوى الرفاه أو الفقر، بل باتت تجربة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الاقتصادية والجغرافية، وتكشف أن الحاجة إلى الدعم النفسي والاحتواء باتت ضرورة في كل المجتمعات الحديثة.
