Arab
سجّلت مدن عراقية جرائم تعنيف وقتل أطفال خلال الأسابيع الأخيرة، كان أبرزها في العاصمة بغداد، التي شهدت اغتصاب طفلتين عمرهما أربع سنوات وخمس سنوات وقتل إحداهما على يد خالها الذي شارك باغتصابها، بينما لا تزال الأخرى في العناية المركزة، إضافة إلى جريمة قتل مماثلة لقاصر على يد ذويها بحجة "غسل العار".
ودفع تصاعد أعداد جرائم القتل باحثين مختصين في شؤون المجتمع العراقي إلى التحذير من مخاطرها، والمطالبة بتدخل تشريعي عبر تشديد عقوبات الجناة، مشيرين إلى أن التعامل الحازم من الأجهزة الأمنية والقضائية في حال تقديم شكاوى، يقابله تراخ في مكافحة تلك الجرائم، وعدم كفاية قوانين إنصاف الضحايا، وأبرزها قانون "العنف الأسري".
وبرزت "جرائم الشرف" خلال السنوات الماضية، رغم كون غالبيتها جرائم قتل متعمدة لأسباب تتعلق بالزواج القسري، وتحديداً للقاصرات، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 150 امرأة يُقتلن سنوياً في العراق بذريعة "الشرف"، إلى جانب جرائم العنف المنزلي الذي يؤدي أحياناً إلى الموت، أو التشرد والهروب في أحسن الأحوال، إضافة إلى الاستغلال والانتهاكات الجنسية، خاصة للأطفال المتسربين من المدارس، أو من يعيشون في الشارع نتيجة الفقر أو التفكك الأسري.
والأسبوع الماضي، قتلت طفلة (14 سنة) في منطقة الدسيم، شرقي العاصمة بغداد، على أيدي أهلها بعد رفضها الزواج من ابن عمها، وعقب قتلها ظهر أبناء عمومتها في مقطع فيديو وهم يحتفلون، ما تسبب بموجة غضب واسعة، واستياء من ناشطين في منظمات المجتمع المدني ومدافعات عن حقوق المرأة والطفل.
وحذرت منظمات حقوقية عراقية من تكرار جرائم قتل وتعنيف الأطفال، مؤكدة أن هذه الجرائم، رغم محدوديتها، إلا أنها تعكس مؤشرات خطيرة تستدعي تشديد العقوبات لكبح تكرارها. وقالت عضو منظمة "حملة"، سناء الحسن، إن "قتل الأطفال، وتحديداً القاصرات بذرائع الشرف، هو جريمة كاملة الأركان، وتستدعي الوقوف عندها، خصوصاً حين يفلت الجاني من الحساب".
وأوضحت الحسن لـ"العربي الجديد"، أن "ثلاثة أسباب تقف وراء تنامي الظاهرة، الأول يكمن في أن مرتكبي هذه الجرائم من مدمني المخدرات، والثاني يدور حول تعاظم أشكال العنف الأسري، والثالث أن قتل الأطفال يحدث أحياناً بوصفه حالة انتقام بين العوائل أو العشائر المتخاصمة ضمن جرائم الثأر. حل هذه المشكلة يبدأ بإعادة النظر في بعض القوانين القائمة التي لم تعد تتماشى مع الأوضاع الحالية في العراق، إضافة إلى إقرار قوانين جديدة تخص العنف الأسري، وتعاقب على تعنيف الأطفال، شرط أن تتضمن عقوبات رادعة لمنع استفحال هذه الظاهرة التي تتزايد في المجتمعات التي يشعر أفرادها أنهم قادرون على الإفلات من العقاب في كل مرة"، موضحة أن "نحو 7% مما تسجله السلطات العراقية من حالات العنف الأسري والقتل داخل المنازل، كانت ضد الأطفال، وتحديداً الفتيات القاصرات".
وكشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة محلية)، عن تسجيل 36 ألفاً و289 حالة عنف أسري خلال عام 2025، لكن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، وأكد المرصد في تقريرٍ سابق، أن عام 2024 شهد تسجيل 14 ألف شكوى فقط، ما يعني أن الزيادة السنوية تجاوزت 150% خلال عام واحد.
ويؤكد الناشط المدني علي سعد، أن "العنف داخل المنازل يصل إلى القتل في أغلب الأحيان، خصوصاً مع وجود قطع السلاح داخل منازل غالبية العراقيين". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "قتل الأطفال عادة ما يتم إخفاؤه بذرائع كثيرة، من بينها الشرف، أو الغرق، أو المرض، وسرعان ما تنتهي القضية من دون التحقق الأمني أو القضائي بشأنها، ويتم التعمية على الجريمة داخل الأسرة أو العشيرة حتى لا يُعاقب الجاني، والذي غالباً ما يكون الأب أو الأخ الأكبر أو العم".
ويضيف سعد: "كل المؤشرات تفيد بارتفاع نسب العنف الأسري المؤدي إلى الوفاة، والأغرب أن الحال وصل إلى مراحل جنونية، ومن ذلك أن الجناة صاروا يظهرون في العلن لإعلان ارتكاب الجريمة، وبعضهم يرقص أو يهتف في الشوارع، كما حدث في جريمة منطقة الدسيم بالعاصمة بغداد".
بدورها، تشير الباحثة الاجتماعية، رحمة منسي، إلى أن "غياب القوانين أو عدم تحديث القديم منها، يؤدى إلى استهتار واضح من المنفلتين الذين لا يؤمنون بحقوق الإنسان، وبعضهم يقتلون النساء أو الأطفال بتهم ملفقة، أو غير مقنعة، منها غسل العار"، مؤكدة لـ"العربي الجديد"، أن "محافظات عراقية عدة تسجل شهرياً حالات قتل لفتيات وأطفال، ويتم تحريف القضية أمام الرأي العام، أو إخفاؤها عن القضاء، وتقديمها على أنها حوادث غرق، وهذا لا يمكن قبوله مستقبلاً، والحكومة ومجلس النواب عليهم مسؤولية إقرار قوانين لحماية الأطفال من جميع أشكال العنف".
وأقرت الحكومة العراقية السابقة في عام 2020، مشروع قانون مناهضة العنف الأسري، وأرسلته إلى مجلس النواب الذي لم يتمكّن من تمريره، وسط تجاذبات وعراقيل من كتل سياسية متنفّذة تنطلق من أيديولوجيات دينية، وزعم بعضها أنّ القانون تقليد لقوانين غربية، وأنه يمنح المرأة حقّ الحصول على رعاية حكومية، وهو أمر ترى تلك الجهات المتنفذة أنّه يشجّع العراقيات على التمرّد.
