سورية: هويةٌ لم تتعيّن بعد
Arab
1 hour ago
share
لا تظهر الهُوية بوصفها حقيقة مسبقة وجاهزة بقدر ما تبدو محاولة مستمرة لتعريف الذات داخل التاريخ. وما يبدو مستقراً في أسماء الدول والشعوب يخفي في العمق حركة معقدة من التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية. لهذا فإن التفكير في اسم مثل الجمهورية العربية السورية لا يتعلق باللغة وحدها، بل بطريقة فهم الكيان نفسه: هل هو جوهر ثابت يحمل صفات متغيرة، أم تجربة تاريخية تتبدل مع الزمن وتعيد تعريف ذاتها باستمرار؟ حين يقال إن كل عربي في سورية هو سوري، لكن ليس كل سوري عربياً، تبدو العبارة في ظاهرها بسيطة ومنطقية، إلا أنها تكشف عن طبقات أعمق تتعلق بفكرة الانتماء وحدود الهوية. فالمجتمع السوري لم يتشكل من عنصر واحد مغلق، بل من تراكم طويل لشعوب وثقافات ولغات وتجارب سياسية متعددة. لذلك فإن أي تعريف نهائي للهوية يصطدم دائماً بحقيقة التنوع التي لا يمكن إنكارها أو اختزالها. في الفهم التقليدي للهوية، توجد دائماً ماهية مستقرة تمنح الشيء استمراره عبر الزمن. الدولة تبقى هي نفسها حتى لو تغيرت أنظمتها، والمجتمع يحتفظ بذاته رغم التحولات التي تصيبه. وضمن هذا التصور، تبدو العروبة إحدى الصفات الكبرى التي ارتبطت بسورية الحديثة، خصوصاً مع صعود الفكر القومي في القرن الماضي وتأسيس بدايات حزب البعث على يد ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي عام 1947، والذي تحول فيما بعد إلى تيار سياسي شعبي تجسد في الوحدة بين سورية ومصر عام 1958 على يد جمال عبد الناصر. حينها جرى تقديم الانتماء العربي باعتباره الإطار الأوسع الذي يمنح الدولة معناها السياسي والثقافي. لا تظهر الهُوية بوصفها حقيقة مسبقة وجاهزة بقدر ما تبدو محاولة مستمرة لتعريف الذات داخل التاريخ لكن هذا الفهم يفترض أن الهوية شيء يمكن تثبيته داخل تعريف نهائي، وكأن التاريخ ليس سوى قشرة زمنية تخفي تحتها لب حقيقة الأمة الخالدة. غير أن التجربة الإنسانية تكشف عكس ذلك. فما نسميه هوية ليس كياناً جامداً، بل نتيجة تغيرات متواصلة تصنعها السياسة والحروب والتعليم والاقتصاد واللغة والذاكرة الجماعية. حتى الأمم التي تبدو اليوم متماسكة لم تكن دائماً كذلك، بل تشكلت عبر صراعات طويلة أعادت رسم حدودها ومعانيها. من هنا، فإن "العروبة" نفسها لا يمكن النظر إليها كجوهر مغلق أو حقيقة أزلية. لقد ظهرت بصيغ مختلفة عبر التاريخ الحديث والمعاصر، وتبدلت دلالاتها بحسب الظروف السياسية والثقافية. ففي لحظة معينة كانت تعبيراً لغوياً وفكرة، وفي لحظة أخرى تحولت إلى مشروع سياسي، ثم أصبحت إطاراً رمزياً للانتماء القومي المشترك. وهذا يعني أن "الهوية العربية" ليست معطى ثابتاً وناجزاً تاريخياً، بل بناء تاريخياً تشكل بالتدريج ولا يزال قابلاً للتغير والتبدل وإعادة التعيين. الأمر نفسه ينطبق على مفهوم الجمهورية. فالدولة السورية لم تولد باعتبارها جمهورية عربية منذ بدايات التشكل الاجتماعي، بل وصلت إلى هذه الصيغة عبر تحولات سياسية وفكرية ارتبطت بسقوط الإمبراطوريات الحديثة وصعود الدولة الحديثة والحركات القومية. لذلك فإن الاسم الرسمي للدولة لا يعبر عن حقيقة نهائية للتشكل السياسي، بل عن مرحلة من مراحل تشكل الوعي السياسي في المنطقة. الدولة السورية لم تولد باعتبارها جمهورية عربية منذ بدايات التشكل الاجتماعي، بل وصلت إلى هذه الصيغة عبر تحولات سياسية وفكرية وفي هذا السياق، يصبح من الصعب اختزال سورية ككيان سياسي حديث في تعريف واحد مغلق. فهناك من يرى هويتها من خلال بعدها القومي العربي، وهناك من يراها من خلال تاريخها المحلي الأقدم، وهناك من ينطلق من الانتماء الديني أو القومي أو الثقافي. وكل محاولة لفرض تعريف واحد باعتباره الحقيقة الوحيدة تؤدي غالباً إلى إقصاء بقية المكونات، وكأن التنوع تهديد لوحدة المجتمع لا جزء من تكوينه الفعلي. الهوية الحية لا تقوم على الإنكار، بل على القدرة على استيعاب التعدد داخل إطار مشترك. والدولة لا تتحول إلى كيان مستقر لأنها تفرض تطابقاً كاملاً بين الناس، بل لأنها تخلق مساحة سياسية تسمح باختلاف الانتماءات دون انهيار الوحدة العامة. لهذا فإن وجود جماعات غير عربية داخل سورية لا يناقض فكرة الدولة، بل يؤكد أن المجتمعات الحديثة أعقد من أن تختزل في أصل واحد أو لغة واحدة. كما أن التاريخ السوري نفسه يكشف أن الهوية لم تكن يوماً ساكنة. فهذه الأرض عرفت تحولات متعاقبة، من إمبراطوريات قبلية وعائلية قديمة إلى دول دينية وقومية وحديثة، وكل مرحلة تركت أثرها في الوعي التاريخي الجماعي. وما يبدو اليوم ثابتاً قد يتغير غداً بفعل تحولات السياسة والثقافة وحاجات الأجيال الجديدة. لذلك فإن "الهوية" ليست شيئاً نرثه فقط، بل شيئاً نعيد إنتاجه باستمرار من خلال الطريقة التي نفهم بها أنفسنا وعلاقتنا بالآخرين. لهذا يصبح السؤال الحقيقي أبعد من مجرد البحث عن تعريف قومي أو ثقافي. القضية ليست أن نقرر إن كانت سورية عربية فقط أو متعددة الهويات، بل أن نفهم كيف تشكل هذا الكيان السياسي تاريخياً، وكيف يمكن له أن يستمر من دون أن يتحول إلى فكرة مغلقة تعادي التنوع. فالهوية التي تتجمد تتحول مع الوقت إلى عبء، بينما الهوية القادرة على مراجعة ذاتها تبقى أكثر قدرة على البقاء. في النهاية، لا توجد هوية خارج التاريخ. كل انتماء هو نتيجة صيرورة وسيرورة طويلة من التفاعل الاجتماعي والصراع البشري وإعادة التعريف. وسورية، كشعب وكيان سياسي، ليست حقيقة مكتملة، بل تجربة مفتوحة على احتمالات متعددة. ولهذا فإن سؤالنا الأهم ليس: من نحن؟ بل كيف تحوّلنا إلى ما نحن عليه اليوم، وكيف يمكن أن نبني حياة مشتركة في المستقبل من دون أن ننكر تعقيد الماضي وتعدد الحاضر وانفتاحه.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows