Arab
تتجه مصر واليمن لرفع مستوى التنسيق والتعاون في الملاحة البحرية بوصفهما دولتين مشاطئتين للبحر الأحمر ودراسة الجهود المشتركة لتأمين حرية الملاحة في أهم ممرات التجارة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر، حيث تبرز مخاطر مقلقة مع تسلل إسرائيل إلى المنطقة عبر إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، إضافة إلى التوترات والاضطرابات التي تعصف بالمنطقة نتيجة ما أحدثته حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز من تبعات واسعة على مختلف الاتجاهات، إلى جانب الأوضاع المضطربة منذ أكثر من عامين في الممر الاستراتيجي الآخر في باب المندب والبحر الأحمر، مع ما سبق من تدخل للحوثيين في حرب إسرائيل على غزة بفرض حظر على مرور السفن استمرت طوال فترة الحرب.
إذ يتصدر كل ذلك جدول أعمال الدورة التاسعة للحوار الاستراتيجي اليمني-المصري، التي دشنت أعمالها، الأحد، في القاهرة، حيث تناولت المباحثات، بحسب مصادر مطلعة، بدرجة رئيسية موضوع الملاحة في الممرات البحرية، خاصة في البحر الأحمر، على ضوء مستجدات الأوضاع المهمة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وجرى بحث الخيارات المتاحة لرفع مستوى التنسيق بشأنها، حيث استحوذ هذا الموضوع المتعلق بحرية الملاحة وأمن البحر الأحمر وخليج عدن على الاجتماعات بين المسؤولين في البلدين.
وأكدت المصادر أنّ هناك عديد الملفات الأخرى التي سيتم بحثها، تتركز في الجانبين الاقتصادي والاستثماري، حيث يسعى اليمن إلى جانب موضوع تأمين الملاحة في البحر الأحمر، لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال المصرية في مجال الطاقة ومشاريع الكهرباء والتي تعتزم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تنفيذها عن طريق الشراكة مع القطاع الخاص، أو عرضها للاستثمار المحلي والخارجي.
وتشكل هذه الدورة، بحسب مصادر حكومية يمنية، خطوة متقدمة نحو انعقاد اللجنة العليا المشتركة برئاسة رئيسي وزراء البلدين، بما يسهم في تفعيل مسارات التعاون الشامل، ويفتح مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والتنموية والاستثمارية بين اليمن ومصر.
هذا، في حين قالت وسائل إعلامية يمنية رسمية إن رئيس الحكومة المعترف بها دولياً شائع الزنداني، والذي يرأس وفد اليمن في هذه المباحثات، شدد على نقطة مهمة في هذا الخصوص، قائلاً إن أمن واستقرار جمهورية مصر العربية يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي العربي، وأن قوة مصر واستقرارها عنصر توازن ومحور ارتكاز للأمة العربية، مجدداً التأكيد على موقف اليمن الثابت والداعم لمصر في كل ما يمس أمنها القومي واستقرارها الجيوسياسي.
ولفتت هذه المصادر إلى أنّ الزنداني تطرق إلى الأضرار التي تعرض لها الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس، نتيجة الاعتداءات الإرهابية التي نفذها الحوثيون ضد ما وصفها بحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، مشيراً إلى كونها تمثل خطراً مباشراً على أمن واستقرار المنطقة والممرات البحرية الدولية، ما يستوجب تعزيز التنسيق والتعاون الأمني بين البلدين، ودعم الحكومة اليمنية لبسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وسواحلها وتأمين هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
بينما وصف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي هذه الجولة من الحوار بالاستراتيجي في هذا التوقيت الدقيق بأنها تعكس حرص البلدين على تنسيق الرؤى حيال الأزمات التي تعصف بالمنطقة، مشدداً على رفض مصر القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، ورفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه، مؤكداً أن تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له.
وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، قال المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار: "نحن أمام لحظة تتشكّل فيها خرائط نفوذ جديدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومحاولات لإعادة هندسة الممر بمنطق المحاور لا بمنطق الدولة الوطنية، فالاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، وما تبعه من تبادل سفراء وزيارات رسمية، فتح ثغرة على الضفة الأفريقية يصعب التهوين منها. ومن دون تنسيق عربي - عربي صلب يربط بين الرياض والقاهرة وعدن، يصبح من السهل تحويل البحر الأحمر من ممر تجارة عالمية إلى ساحة استقطاب مفتوحة".
وأضاف أنّ هذا الاجتماع، في توقيته ومضمونه، ليس تحركاً دبلوماسياً اعتيادياً، بل إعادة تموضع استراتيجي في لحظة شديدة الحساسية، فاليمن اليوم يقف عند نقطة تتقاطع فيها ثلاثة ضغوط متزامنة: استهداف الملاحة في البحر الأحمر وما خلّفه من خسائر فادحة في إيرادات قناة السويس وكلفة الشحن والتأمين، واختراق جيوسياسي على الضفة الأفريقية للممر عبر بوابة صوماليلاند بعد الاعتراف الإسرائيلي بها وتبادل السفراء، وحالة احتقان داخلي في المحافظات الشرقية والجنوبية لا تزال تُغذّى من خلف الكواليس رغم استعادة زمام الأمور، إلا أن هذه القوى ما زالت تحاول إعادة إنتاج نفسها عند كل منعطف.
وفي مواجهة هذا التراكب، كان لا بد من الذهاب إلى القاهرة لا بوصفها عاصمة شقيقة فحسب، بل بوصفها الطرف العربي الثاني - بعد اليمن - الأكثر تضرراً اقتصادياً من أي اضطراب في هذا الممر، وفق حديث النجار، وبوصفها صاحبة الثقل الأكبر في تثبيت مفهوم "حصرية الدول المشاطئة" لأمن البحر الأحمر.
وتشيد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بمواقف مصر في دعم الشرعية اليمنية، ومساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف، واحتضانها مئات الآلاف من أبناء اليمن، وهو الأمر الذي يجعلها تتطلع لخروج هذه الدورة بخطوات عملية تعزز العلاقات الثنائية، سواء من خلال تفعيل مجلس الأعمال اليمني - المصري، أو تشجيع مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار، وتسهيل أوضاع أبناء الجالية اليمنية والوافدين للعلاج والتعليم في مصر، وتفعيل عمل اللجان الفنية المشتركة لمعالجة القضايا المتعلقة بالإقامات والتعليم والموافقات والإجراءات المختلفة.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي في صنعاء رشيد الحداد لـ"العربي الجديد"، أنّ موقف صنعاء من عسكرة البحر الأحمر واضحة، ودور حكومة الزنداني يكاد يكون شبه عدمي، ومع ذلك، وفق حديث الحداد، هناك توجه مصري لبناء تحالف أمني مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر، باعتبارها المعنية في حماية هذا الممر الدولي الهام.
إذ سبق، كما قال الحداد، أنّ اتفقت القاهرة وأسمرة على عدم تدويل البحر الأحمر، وهذا الحراك المصري بشأن البحر الأحمر تصاعد بشكل لافت بعد افتتاح دولة الاحتلال الإسرائيلي سفارة لها في إقليم "أرض الصومال" الصومالي الانفصالي بهدف فرض وجود عسكري في البحر الأحمر وبالقرب من مضيق باب المندب، وهو ما ترفضه صنعاء وتؤكد على مواجهته.

Related News
نتنياهو يأمر بتكثيف العمليات في لبنان بهدف «سحق حزب الله»
aawsat
19 minutes ago
العودة إلى كافكا في عصر الهيمنة الإسرائيلي
alaraby ALjadeed
28 minutes ago