الاحتلال البيئي... نفايات إلكترونية إسرائيلية تغرق الضفة في التلوث
Arab
1 hour ago
share
تحوّلت الضفة الغربية إلى مكب للنفايات الإسرائيلية الإلكترونية التي يجري التخلص منها لوجود قوانين تمنع فرزها ومعالجتها داخل دولة الاحتلال، ومن ثم تُفكّك وتُحرق في بلدات فلسطينية فقيرة يدفع أهلها ثمن الاستعمار البيئي. - على سرير العناية المكثفة، كانت الطفلة الفلسطينية آسيا محمود فرج الله (16 عاماً) تغالب أوجاعها بصدر مثقل بالنزيف، بينما تراقب والدتها أكياس الدم التي تتبدل بسرعة إلى جانبها، خلال نصف ساعة فقط، فقدت الصغيرة أكثر من وحدتَي دم إثر نزيف رئوي حاد أدخلها المستشفى مرتين، في أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول من عام 2024. تقول والدتها لينا فرج الله لـ"العربي الجديد" إنّ الأطباء لم يخفوا قلقهم من أن يكون التعرّض المستمر لدخان حرق النفايات الإلكترونية أحد الأسباب الرئيسية وراء التدهور الخطير في حالتها الصحية، خاصة أنها مصابة بمرض التليف الكيسي (يصيب الرئتين والجهاز الهضمي بسبب خلل جيني)، قائلة: "رغم أن ابنتي كانت تضع طوال الوقت كمامة للوقاية من الغازات والروائح المنبعثة من عمليات الحرق التي لا تتوقف والمنبعثة من ورش فرز النفايات في بلدتنا إذنا غربي مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، لكنها لم تعد قادرة على التنفس الطبيعي، وتردت حالتها الصحية، وأحضرنا لها جهاز توليد الأكسجين ليساعدها على ذلك". خلف هذا المشهد المؤلم، تكمن كارثة بيئية يوضح أبعادها، مدير دائرة الرقابة والتفتيش سابقا، والذي أصبح حاليا مدير عام حماية البيئة في سلطة جودة البيئة الفلسطينية المهندس بهجت جبّارين كاشفاً "أن 90% من النفايات الإلكترونية الموجودة في الضفة الغربية مصدرها إسرائيل، والقسم الأكبر منها يدخل تهريباً عبر بلدات الخط الغربي في محافظة الخليل مثل إذنا ودير سامت وبيت عوا، وبكمية تصل إلى 1000 طن يومياً، ما جعل من تلك البلدات المركز الرئيسي لتجارة النفايات الإلكترونية، في حين تصل نحو 10% إلى قرى في مدن قلقيلية وطولكرم وجنين وسلفيت شمال البلاد، وقرى غرب رام الله. وهي المناطق التي تركزت فيها عمليات ضبط متكررة لمخالفات فرز وحرق النفايات، بحسب تأكيد المدير السابق للجهة الرقابية المعنية بصحة البيئة في وزارة الصحة الفلسطينية، نادر برهوش. الاحتلال البيئي تشمل النفايات مجموعة واسعة من المنتجات التي تحتوي على دوائر أو مكونات كهربائية أو إلكترونية وتحتاج إلى مصدر طاقة أو بطارية لأداء وظائفها، بحسب تعريف يعتمده مرصد النفايات الإلكترونية الإقليمي للدول العربية (مبادرة لجمع بيانات حول النفايات الإلكترونية). وتتخلص إسرائيل من هذه النفايات خارج أراضيها لوجود قوانين تمنع فرزها ومعالجتها داخلياً، ما يحوّل الضفة الغربية إلى "ملاذ بيئي" للنفايات الإسرائيلية. وتفترض نظرية الملاذ البيئي أن الشركات في الدول المتقدمة تنقل نفاياتها الملوثة إلى مناطق ذات تنظيم بيئي ضعيف، ما يفاقم التدهور والتفاوت العالمي، لكن في الحالة الفلسطينية، تأخذ الظاهرة بُعداً استعمارياً، إذ تطور إسرائيل بنية تحتية خضراء وآمنة للمستوطنات، مقابل استغلال المناطق الفلسطينية كمكبات خطرة تهدد الحياة، بما يكرّس فجوة بيئية تُستخدم أداةً لخلق واقع طارد للفلسطينيين. علماً أن اتفاقية بازل لعام 1992 تحظر نقل النفايات الخطرة دون موافقة جميع الأطراف المعنية، مع وضع إجراءات صارمة للرقابة والعقوبات المالية على المخالفين، كما تمنح الدول الحق في منع دخول أو التخلص من النفايات القادمة من الخارج، معتبرة تهريب النفايات الخطرة جريمة، وفق ما جاء في الاتفاقية التي صادقت دولة الاحتلال عليها منذ عام 2002. ومن أخطر أنواع النفايات التي يجري التعامل معها في الضفة الغربية تلك الإلكترونية، ويهرب بين 57.000 و64.000 طن سنوياً، لحرقها واستخراج النحاس، كما يوضح الباحث وليد حباس من المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية /مدار (بحثي مستقل). وتؤكد دراسة نشرها بعنوان "الضفة الغربية "مكب نفايات" لإسرائيل: استعراض عام"، بتاريخ 17 مارس/آذار 2025، أن 10 شركات إسرائيلية مسؤولة عن معالجة النفايات الصناعية، وتتولى تحويل الخطرة منها إلى الضفة الغربية بالتعاون مع شبكات من التجار والسماسرة، وبمعنى آخر "الاحتلال حوّل الضفة إلى مكبّ للنفايات الإلكترونية"، كما يصف الوضع الراهن المهندس جبارين.   اقتصاد التلوث تتركّز هذه التجارة في جنوب الخليل منذ 15عاماً، إذ يجري جمع غالبية النفايات الإلكترونية الإسرائيلية ونقلها إلى أربع قرى فلسطينية هي: بيت عوا، دير سامت، الكوم، وإذنا. وترتبط المحارق الخطيرة بسوق سوداء إذ يجري جمع ما يصل إلى 40 ألف طن سنوياً من النفايات الإلكترونية، ما يوفر أكثر من 1000 وظيفة مباشرة ويدعم 380 مشروعاً، ويحقق إيرادات تقدر بـ 28.5 مليون دولار سنوياً، وفق حباس. بالطبع تقع هذه المحارق في المناطق المصنفة "ج"، حيث لا تستطيع السلطة الفلسطينية فرض سيطرتها الكاملة، بينما نادراً ما تتدخل إسرائيل لتنظيم هذه الأنشطة. وبحكم قرب هذه القرى من الخط الأخضر، يسهل التهريب عبر الشاحنات. وفي بلدة إذنا وحدها، تقدر سلطة البيئة على لسان المهندس جبارين وجود 240 ورشة لفرز الخردة غالبيتها غير قانونية (وفق آخر إحصائية لعام 2022)، يعمل بها حوالى 5 آلاف عامل، منها ما هو داخل حدود البلدية وأخرى خارجها. وراء شبكات التهريب تتبع "العربي الجديد" شبكات تهريب النفايات الإلكترونية في جنوبي محافظة الخليل، لتوثيق خفايا التجارة التي تقدر خسائرها الصحية والاقتصادية الناجمة عن تلوث الهواء بسبب حرق النفايات بنحو 9.1 مليارات شيكل (2.5 مليار دولار أميركي) بين العامين 2023 و2030. وفي العام 2022 وحده، قدرت التكاليف الصحية والاقتصادية بما يتراوح بين 880 مليون و1.3 مليار شيقل (بين 244 مليوناً و360 مليون دولار)، وتشمل هذه التكاليف خسائر في الإنتاج الزراعي، والنفقات الصحية، والأضرار البيئية، بحسب الدراسة السابقة. في بلدة إذنا، التقى معد التحقيق بمحمد، صاحب إحدى ورش الخردة الذي يشغل 8 عمال معه، وطلب عدم ذكر اسمه الكامل كونه يمارس عملاً غير قانوني، كاشفا خفايا شبكة معقدة لتجارة ونقل النفايات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية، إذ يجمع مقاولون إسرائيليون أو من فلسطينيي الداخل المحتل النفايات الإلكترونية سواء من المنازل أو من الشركات الإسرائيلية المسؤولة عن معالجة النفايات في المناطق الصناعية، ويتواصلون معه لإبلاغه بماذا لديهم، يتابع قائلا :"على سبيل المثال يكون لدى المقاول أطنان من المكيفات أو الأدوات الكهربائية المنزلية للبيع، وبعد الاتفاق معه، أنسق مع سائق شاحنة من فلسطينيي الداخل تحمل لوحة إسرائيلية لنقل البضاعة". وحول كيفية إدخالها رغم المنع الرسمي الإسرائيلي أوضح صاحب الورشة أنّ الأمر يعتمد على حظ ومهارة السائق، الذي يتقاضى أجرة تتراوح بين 2000 و3000 شيكل (بين 550 و830 دولاراً) عن كل مرة، لكن قلق محمد منعه من كشف آلية نقل هذه النفايات عبر المعابر، وهو الأمر الذي يوضحه جبارين من واقع رصدهم للمخالقات قائلاً: "تدخل الشاحنات المحملة بالنفايات الإلكترونية عبر معبر ترقوميا، غربي الخليل ويربط الضفة الغربية بإسرائيل، ويُستخدم لنقل البضائع وتنقُّل العمال، وتجري الأمور بالتواطؤ بين التاجر الإسرائيلي ومسؤولين على المعبر، ثم يسمح بدخول الشاحنات إلى مستوطنتَي أدورا وتيليم اللتين تبعدان عن المعبر 3 كيلومترات، وفيهما نقطتان لتجميع النفايات، ليجري بعدها إدخالها إلى جنوبي الضفة، لتصل إلى أصحاب الورش، والعملية ذاتها تطبق في مدن الشمال، مشيراً إلى أن السائقين الذين يمتهنون ذلك لديهم مسارات أخرى ليلتفوا منها إذا كان هناك تشديد على المعابر". ولدى سؤال محمد عن هذا المسار أجاب على نحوٍ مختزل، :"على الرغم من أن معبر ترقوميا هو الأقرب إلى إذنا، إلّا أن بعض الشاحنات تدخل عبر معبر حوسان في بيت لحم، وقد تنتظر هناك عدة أيام قبل السماح بمرورها في حال كانت الظروف غير آمنة".   أجسام خطرة منذ 21 عاماً، يعمل الخمسيني عاطف عواوده في ورشته لفرز وتصدير الخردة، ومعه 11 عاملاً، مؤكدا أن تجار الخردة في إسرائيل أو الداخل يجمعونها ثم يبيعونها للفلسطينيين، نظرا لارتفاع تكلفة اليد العاملة وصرامة الرقابة في دولة الاحتلال. وتحتوي كل شحنة على حمولة تتراوح بين 10و50 كيلوغراما من النفايات الإلكترونية. ومن واقع خبرته يحذر من وجود بقايا أجسام حربية ضمن الشحنات الإسرائيلية، قائلاً: "ما يصلني أحياناً يكون ألمنيوم مخلوط بقطع أخرى، وعند الفرز النهائي نجد أجساماً مشتبهاً بها، لذلك أطلب من العمال تجميعها وعدم التعامل معها، خشية أن تصل إلى الفرن وتنفجر، كما نبقي كل القطع المشتبه بها في مكان آمن بعيد عن أماكن العمل حتى لا تشكل خطراً على العمال". وتذكر حادثة سابقة تؤكد حجم المخاطر التي تترصدهم قائلاً: "قبل عدة سنوات، وصلني من بعض المواطنين خردة، وبعد أن دفعت ثمنها 600 شيكل (167 دولاراً)، اكتشفت قذيفة تزن حوالى 150 كيلوغراماً، ولم يكن أمامي سوى تسليمها للأجهزة الأمنية". والأخطر، وفق قوله، أنه ليس كل صاحب ورشة أو عامل يمتلك القدرة على التمييز بين المواد العادية والمشتبه بها، ما قد يؤدي إلى كوارث إذا حاول العامل فرزها أو التعامل معها بطرق غير آمنة، مثل استخدام أداة صاروخ الجلخ للقص، وبالتالي قد تنفجر تلك المواد، مؤكداً أن هذا حدث من قبل، إذ شهد بنفسه على وقوع 5 حوادث انفجار أجسام حربية أصابت عمال ورش النفايات. وهو ما يؤكّده مدير العلاقات العامة والإعلام في بلدية إذنا عبد الرحمن الطميزي، بقوله: "سبق أن توفي عاملان نتيجة انفجار جسم مشبوه أثناء عملية الفرز والتفكيك، أما الإصابات فمتكررة على نحوٍ ملحوظ نتيجة افتقار الورش لشروط السلامة العامة". يتابع الطميزي أنشطة الورش تلك وتشمل تقشير الكوابل لاستخراج النحاس، إما باستخدام ماكينات بدائية أو بالحرق وهذا يجري غالباً قرب جدار الفصل العنصري، في حين الأنشطة اليدوية تعتمد على فرز المعادن واستخراج النحاس والألمنيوم من الأجهزة، ثم يُلقى ما لا يلزم في الشوارع، كذلك يجري استخراج القطع الإلكترونية القيّمة، مثل اللوحات الرئيسية الغنية بالمعادن الثمينة، ليُترك باقي الجهاز خردة ملوثة للبيئة. وهو ما يقرّ به محمد صاحب الورشة قائلاً إن الأدوات المستخدمة في الفرز والتفكيك بسيطة مثل الفأس العريضة (بلطة) والمفكات الكهربائية والمطرقة والمقص والكماشة، تضاف إلى ذلك الأدوات المستخدمة لفصل محركات الأجهزة الكهربائية، من أجل استخراج النحاس من الأجهزة الإلكترونية التالفة. "ويحدد كبار تجار الخردة قيمة النحاس اعتماداً على متابعتهم لأسعار المعادن في السوق العالمية، ويوميا يشترون ما بين 50 إلى 80 طناً من مختلف التجار في الضفة، لتباع إلى مصانع الصهر في إسرائيل، أو تصدر إلى الأردن. بالتالي هي سلسلة ودائرة متكاملة تبدأ بمن يجمعون النحاس وغيره، ومن يهربون، ومنهم إلى تاجر أو صاحب ورشة يعمل على تجميع المواد بعد فصلها، ثم يبيعها إلى تاجر أكبر يقوم بتصديرها"، وفق ما يتابعه جبارين. تشوهات وإجهاض في سياق أطروحته للماجستير وثق الباحث نور الدين أعرج، آثار حرق النفايات الإلكترونية على بلدات متعددة، منها قرية شقبا غربي محافظة رام الله التي شهدت في عام 2021 وحده 21 حالة تشوه أجنة، وارتفاعاً كبيراً في مبيعات الأجهزة التي تساعد على التنفس، وربط أطباء وصيادلة تلك الأعراض بعمليات الحرق والتلوث الناتج عنها بحسب ما جاء في الرسالة المعنونة بـ "تدفق النفايات إلى الضفة الغربية: الاستعمار الاستيطاني وحالة الاستثناء البيئية"، كما يقول أعرج لـ"العربي الجديد". تتقاطع إفادة أعرج مع ما يؤكده رئيس مجلس قروي شقبا سابقًا عدنان شلش (قابله معد التحقيق وهو على رأس عمله في 2025)، الذي قال إن البلدة الواقعة غرب رام الله، والمحاصرة بالمستوطنات والجدار الفاصل، أصبحت نقطة تجميع رئيسية لمخلفات إسرائيلية، خاصة النفايات الإلكترونية، إذ تعد ممراً سهلاً لعمليات نقلها وتهريبها بسبب قربها من معبر نعلين-رنتيس. أدى ذلك إلى تحول شقبا لمكب إسرائيلي يضم مخلفات صناعية وكيميائية وأجهزة كهربائية، بما فيها ثلاجات وغسالات وشواحن وبطاريات وشاشات ومكيفات، تُنقل في شاحنات إسرائيلية تدخل ليلاً وتفرغ حمولتها داخل القرى دون رقابة، بحسب شلش الذي يشير إلى أن عمليات الحرق تجرى غالباً خلال الليل، وبعض المكبات تقع داخل الأحياء السكنية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية والسرطان، إضافة إلى تزايد حالات الإجهاض وتشوهات الأجنة. وقد وفّر المجلس 14 جهاز تنفس (أوكسجين) في عام 2021، في محاولة لمساعدة المرضى. لمزيد من توثيق حديث أعرج وشلش، سأل معد التحقيق الطبيب حسن المصري، أخصائي أطفال وحديثي الولادة من بلدة شقبا ويعمل في عيادة خاصة الى جانب عمله في مجمع فلسطين الطبي في رام الله عما يجري وما رصده، خلال السنوات الخمس الأخيرة، فأجاب قائلا بلا شك شهدت ارتفاعاً كبيراً في الاعتماد على أجهزة الاستنشاق (أجهزة التبخير) في علاج الأطفال، لا سيما في الحالات المرتبطة بالحساسية ومشاكل الجهاز التنفسي. الحال المتردية ذاتها تنسحب على المتضررين في بلدة إذنا، إذ لا يبعد منزل الخمسيني إياد الرجوب من قرية الكوم، الواقعة جنوب غرب البلدة، سوى مئة متر عن عشرات الورش التي تعمل في حرق النفايات الإلكترونية وفرزها، حيث يعيش مع ثمانية من أفراد عائلته. ويعاني الرجوب الذي يعمل مدققاً لغويّاً من حساسية شديدة في القصبة الهوائية منذ عشر سنوات، كما توفي شقيقه بالسرطان وهو في التاسعة والثلاثين من عمره فقط، وكذلك توفي مطلع العام الجاري 2026 شقيقه الخمسيني رياض، وله أسرة كبيرة مكونة من 18 فرداً، بعد ما عانى على مدار العام الماضي من سرطان في الرئة، وفق ما تؤكده تقاريره الطبية التي تبين وجود ثلاث كتل في رئته بأحجام تراوحت بين سنتيمترين و5 سنتيمترات. وبأسى يقول الرجوب: "تصور حياتنا، في البداية، كنا نغلق النوافذ عند انتشار الدخان، لكن ومع مرور الوقت، اعتدناها مضطرين، وأصبح الأمر جزءا من حياتنا اليومية! نجلس أمام بيوتنا والروائح تزكم أنوفنا، وكأننا فقدنا القدرة على الاعتراض، بينما الخوف من عواقبها يلازمنا دائماً، ولكل من لم يمر بالتجربة القاتلة، بالتأكيد إن عاش وسطنا سيجد أن الأجواء عندما تبدأ عملية حرق النفايات الإلكترونية لا تُطاق ولن يحتملها". تسميم بيئة فلسطين تحتوي معظم النفايات المهربة من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية، كأجهزة الحاسوب والطابعات القديمة وما شابهها، على عناصر خطرة كالرصاص والكادميوم والكروم والليثيوم والزئبق، وتتسرب إلى البيئة بشكل أشد خطورة عند الحرق بسبب تصاعد الرماد السام، وفق توضيح المهندس البيئي بلال عموص، الذي يعمل في مركز مختبرات الفحوص في جامعة بيرزيت. نؤكد إفادة عموص دراسة الباحث حباس، إذ جاء فيها بأنه حين تحرق النفايات لاستخراج المعادن الثمينة مثل النحاس، تُطلَق ملوثات خطرة تشمل الديوكسينات والجسيمات الدقيقة والمركبات العضوية المتطايرة وأول أكسيد الكربون، مسببة أضراراً صحية خطيرة تشمل أمراض الجهاز التنفسي والقلب وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، كما تؤثر على البيئة بتلويث الهواء والتربة والمياه الجوفية، وتحويل الأراضي الزراعية إلى مواقع ملوثة ما ينعكس على تراجع إنتاج الزيتون والمحاصيل الزراعية والأخطر تسميم الغذاء وتهديد الصحة العامة. من هنا ينطلق أخصائي الأمراض الباطنية والقلب في مستشفى الخليل الحكومي الدكتور محمد جميل فرج الله، ويعيش في بلدة إذنا، وقد لفتت انتباهه تضاعف نسب الإصابة بالسرطانات المتنوعة خلال العقدين الأخيرين، مدللاً على ذلك بقوله إنه رصد في محيط الأشخاص الذين يعرفهم بشكل مباشر من أهالي البلدة 20 شخصاً مصاباً بالسرطان (وخصوصاً في الرئتين والمثانة، الأكثر ارتباطاً بالحرق أو التدخين)، ومن بينهم حالتان لعاملين في إحدى ورش تكسير البطاريات واستخراج الرصاص، وقد تسمما بالمادة ذاتها"، قائلاً: "ارتفاع نسب المعادن الثقيلة، خاصة الرصاص السام الذي يتسرب إلى التربة، أو الانبعاثات الناجمة عن الحرق التي تنتشر في الهواء (كأول أكسيد الكربون السام الناجم عن حرق النحاس)، ساهمت في زيادة السرطانات، من بينها الرئة والمثانة والعظم والدماغ والدم، نحن في كارثة صحية وبيئية ستتفاقم مع مرور الوقت، وفي تقديري تكاد تكون إذنا في المراكز المتقدمة في فلسطين من حيث عدد حالات السرطان، إذ لا يمر شهر دون أن يكون هناك شخص لديه سرطان". ليس ذلك فحسب، يضيف الدكتور فرج الله، فقد امتد الخطر إلى ارتفاع عدد حالات الإجهاض في إذنا، ولذا "الكثير من النساء يُجهضن في الشهر الثالث أو الرابع دون وجود تخثرات دموية، ما يعزز فرضية تأثير العوامل البيئية الخارجية"، ولهذا توضح نايفة الجياوي، مديرة مكتب وزارة التنمية الاجتماعية في إذنا، أن طلبات المساعدة المالية التي تلقتها خلال العام الماضي تُشير كذلك إلى انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث: قائلة: "من بين طلبات المساعدة التي تصل إلينا، تردنا بالمعدل شهريّا ما بين 4-6 حالات طلبات من مصابين بأمراض من بينها السرطان أو القلب أو الربو".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows