أفلام في مسابقة "كانّ" الـ79: تداخل الواقع بالخيال لمواجهة الخراب
Arab
1 hour ago
share
  يبدو جلياً أن التعقيدات العالمية جعلت الواقع عصيّاً على الفهم، ومدعاة إلى الالتباس والغموض والحيرة، ومُكرّساً للاغتراب. إذاً؛ فالملجأ ليس الحاجة الملحّة إلى الهروب منه فحسب، بل إنكاره والانفصال عنه، عوضاً عن الدفع باتجاه المقاومة والتغيير. تجسّدت الثيمة المسيطرة للتعبير عن الانفصال عن الواقع أو رفضه، وتكريس الاغتراب، بالغرق في احتساء الخمر أو ممارسة الجنس. هذا الملاذ لم يعد ناجعاً أو مثيراً كفاية، ربما لأنه بات مستهلكاً. لذا؛ هناك حتمية البحث عن بديل. مُجدّداً، لا بديل أفضل من الخيال وجموحه، بإبداع عوالم موازية، ومحاولة التماهي معها، أو العيش فيها، أو الخلط بينها وبين الواقع، إلى درجة يصعب معها الفصل بين الواقعي والمتخيّل. إسقاط الحدود الفاصلة تناولته أفلام عدّة في مسابقة الدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان "كانّ"، لمخرجين ذوي خلفيات وخبرات ورؤى ولغات مختلفة، تناولوا الانفصال/الهروب من واقع ملتبس ومثير إلى الاغتراب، عبر الكتابة (رواية، سيناريو فيلم)، أو صناعة فيلم داخل فيلم، أو تبدّل الهوية نفسها. إلى محاولة فهم الواقع المحيط، المفضي إلى تداخل الحقيقي بالمتخيّل والتباسهما، تثير موضوعات الأفلام أيضاً أسئلة عن العلاقة بين الفن والحياة، ومدى التداخل بينهما، وماهية الحدود الفاصلة، والثمن الأخلاقي للإبداع، وكيف يتحوّل الفن أو إعمال الخيال، في سياقات معينة، إلى نوع من الضرر أو الاستغلال أو الاستنزاف لعواطف وحيوات. هذا مطروح في "حكايات متوازية" لأصغر فرهادي، عبر محاولة الكاتبة سيلفي (إيزابيل أوبير) استلهام روايتها الجديدة من مراقبتها جيرانها، وكيفية تداخل الحدود بين الخيال والواقع بصورة معقّدة، تجمع بين الإثارة والتشويق، في دراما أخلاقية ونفسية، تثير بجلاء سؤال أخلاقية سلطة الفن، وتأثير الخيال على واقع البشر، واستغلال حيواتهم. هذا الإطار الفلسفي ـ الفني سيكون نفسه منطلق أحداث "عيد ميلاد مرير" لبيدرو ألمودوفار، بتناوله قصة إلسا (باربارا ليني)، مخرجة إعلانات تعيش أزمة حادة، وتواجه عزلتها بمحاولة كتابة سيناريو، تستغلّ فيه حيوات مَن حولها، لتعود به إلى السينما بعد غياب. في المقابل، يتغلّب المخرج راؤول (ليوناردو سْباراغْليا) على أزمته الإبداعية، بكتابته سيناريو، يتضح أنه قصة إلسا، وهو بدوره لا ينفكّ يوظّف حيوات مَن حوله. يتكرر هنا، كما عند فرهادي، شَجْبُ المحيطين بهما تصرّفاً كهذا، وإصرارهم على رفض عدم هتك حيواتهم، ما يستدعي التساؤل عن أحقية الفنان في استغلال المُقرّبين منه.     في جانب بعيد منه، وإن غير مُستبعد، هناك إستيبان (خافيير بارديم)، في "المحبوبة" لرودريغو سوروغوين: مخرج سينمائي مشهور، يعود إلى الإخراج في إسبانيا بعد سنوات طويلة، ويُصِرّ على إسناد دور رئيسي في جديده إلى ابنته الشابة إيميليا (فيكتوريا لوينغو)، الممثلة غير المحترفة، والمُشَكَّك في قدراتها التمثيلية أصلاً، راغباً في توظيف هذا التعاون الفني لمصلحته، بمحاولة تصفية حساباته مع ماضيه المؤلم، المليء بالخذلان والجراح والقسوة، وواقع اتّسم بهجره ابنته وعائلته وبلده ولغته، في اغتراب كلّي عن واقع وهوية. العودة عبر إنجاز فيلم نعاين تفاصيله الدقيقة، وتطوّر علاقة إستيبان بإيميليا، يعيدنا إلى التفكير في استخدام الخيال والفن، خاصة السينما، لمقاربة الواقع. المثير للانتباه أنّ هيروكازو كوري ـ إيدا لم يلجأ، في "خروف في الصندوق"، في تأمّل حزين بآلام الفَقْد وتبعات الرحيل، إلى موضوعَي الكتابة والاشتغال السينمائي، بل وظّف الخيال والتكنولوجيا لرصد الحدود الواهية بين الواقعي والمتخيل، وهروب الإنسان من آلامه بتفضيله المتخيل وغير الحقيقي، عبر قصة زوجين يتبنيان روبوتاً يحمل ملامح ابنهما الراحل، أملاً في تجاوز أزمتهما النفسية. وعوضاً عن إنجاب طفل بشريّ، يُفضّلان العيش في الوهم، ومفارقة الواقع. هذا يطرح أسئلة عدّة، لا عن علاقة الفن بالحياة، بل التكنولوجيا، وإن استدعى التساؤلان نفسيهما: أيحقّ للأحياء إعادة تشكيل صُور الراحلين وذكرياتهم، وفق احتياجاتهم العاطفية الأنانية؟ ماذا يترتب على اللجوء إلى التكنولوجيا لمقاومة الفَقْد وآلام الحياة، واستحالة تقبّل الواقع؟ "المجهولة" لأرتور هراري مزيج الدراما النفسية بالخيال الوجودي، بمقاربة الموضوع نفسه عبر خيال جامح، ابتعد فيه كثيراً عن توظيف السينما والكتابة، وإن حضر بشدة تداخل الواقع بالخيال: حكاية غامضة عن المُصوّر الفوتوغرافي دافيد (نيلس شنايدر)، الذي ينجذب في حفلة إلى إيفا (ليا سيدو). بعد معاشرتها، يكتشف أنه تبادل الجسد معها، فتبدأ رحلة سوريالية مربكة، بحثاً عن هويته الحقيقية، وجسده المفقود. معالجة طموحة لأسئلة الهوية والانفصال عن الواقع، والاغتراب النفسي، في فيلم اعتمد أجواء سوريالية مشحونة بالتوتر والغموض. إلى المشترك بين هذه الأفلام، هناك تأمّل في مدى تداخل أو توارد الخواطر بين مخرجين مختلفين. وبعيداً عن التشابه، وما يستدعيه من أزمة إبداع أو إفلاس أفكار، يتعيّن النظر في مدى قبح وغموض واستعصاء واقع يدفع المبدعين وغيرهم إلى الخلط والالتباس، ومفارقة الواقع إلى عوالم بديلة. بعيداً عن الاشتغال السينمائي، المختلف من مخرج إلى آخر، وإن اشتركوا جميعاً بطبيعة هذه المعالجة في اللجوء إلى المونتاج والفلاش باك بكثرة، لم تحظَ أفلام هؤلاء، رغم أصالتها وصدقها وفنيتها، بالقوة والتأثير والمصداقية نفسها لأفلام قاربت الواقع، واشتبكت معه مباشرة، باستحضار التاريخ القريب، كما في "1949 (أو "الوطن/أرض الأجداد")" لبافل بافلكوفسكي و"مولان" للازلو نيميش، أو بمواجهة قسوة الواقع، كما في "فجأة" لريوسوكي هاماغوتشي، أو بفضح زيفه، كما في Fjord لكريستيان مونجيو و"مينيتور" لأندريه زفياغينتسيف.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows