Arab
لم يعد دخول السؤال القانوني المركزي في النزاعات الدولية المعاصرة حقل الصراع السياسي الاقتصادي مقتصراً على محاسبة الأثر السلبي للصراعات؛ من حيث الجريمة وأثرها، بل على تحديد وقوع الجرائم الدولية من عدمها، ويتجاوز ذلك إلى مساءلة شبكة معقّدة من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الذين يساهمون مساهمة مباشرة أو غير مباشرة في ارتكابها. هنا يبرز مفهوم التواطؤ (Complicity) أداةً تحليليةً وقانونيةً توسع نطاق المسؤولية لا ليشمل الفواعل الدولية من فاعل وضحية فقط، بل الدول الثالثة والشركات الخاصة أيضاً، لفهم كل ما يتعلق بالسبل القانونية والقضائية للإنصاف في الصراعات الدامية الحالية، وخصوصاً استمراريتها وأثرها السياسي والاقتصادي على المجتمعات.
أولاً: التواطؤ في الجرائم الدولية بين الدولة والشركة: نحو إعادة تعريف المسؤولية في القانون الدولي المعاصر
تبلور مفهوم التواطؤ في القانون الدولي الجنائي بوضوح مع اتّفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، الّتي أرست نظام مسؤولية لا يقتصر على الفاعل المباشر فقط، بل يمتد إلى كل من يساهم أو يسهّل أو يوفّر شروط ارتكاب الجريمة. وقد طوّر الفقه الجنائي الدولي، كما لدى أنطونيو كاسيزي "Antonio Cassese"، هذا المفهوم باعتبار التواطؤ شكلاً من أشكال المساهمة غير المباشرة، القائمة على تقديم دعم ذي أثر جوهري، مع العلم أو التوقع المعقول بالنتائج الإجرامية. ومن ثمّ، يقوم التواطؤ على ركنين متكاملين: ركن مادي يتمثّل في الدعم أو التمويل أو الإسناد اللوجستي والتقني. وركن معنوي يقوم على العلم أو قابلية التوقع، بما يجعل المسؤولية لا ترتبط بالفعل التنفيذي وحده، بل أيضاً بالبنية الاقتصادية والسياسية الّتي تسمح باستمرار الجريمة وتوسّعها.
في المقابل، كرّست قضية بوسنة وصربيا مبدأ مسؤولية الدولة الثالثة عن الإخفاق في منع الجرائم الدولية، إذ اعتبرت محكمة العدل الدولية أن الدولة تُسأل عندما تكون على علم جدي بخطر الإبادة، وتمتلك القدرة على التأثير، ثمّ تمتنع عن اتخاذ التدابير الضرورية لمنع وقوعها. وبهذا، لم يعد واجب المنع التزاماً سلبياً يقتصر على الامتناع عن المشاركة المباشرة، بل أصبح التزاماً إيجابياً ذا طبيعة تجاه الجميع، يفرض على الدول واجب التدخل القانوني والسياسي لمنع الجرائم الدولية حتّى خارج نطاقها الإقليمي.
أعادت النزاعات المعاصرة إبراز الاقتصاد فاعلاً مركزياً في الجريمة الدولية، وهو ما تؤكّده تقارير خبراء الأمم المتّحدة والمقررين الخاصين، ولا سيّما تقرير فرانشيسكا ألبانيز A/79/384، الذي أشار إلى أن نقل الأسلحة، أو تقديم الدعم التقني واللوجستي في سياق نزاع مسلّح قد يمثّل مساهمةً في جرائم دولية، متى حدث مع إدراكٍ لاحتمال استخدامها في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. وفي السياق ذاته، تبرز شركات كبرى مثل لوكهيد مارتن "Lockheed Martin" وبي أي إي سيستمز "BAE Systems" فاعلين أساسيين في البنية المادية للحرب الحديثة، إذ يتداخل الإنتاج العسكري مع منطق السوق والتراكم الرأسمالي.
مكن مساءلة الدول أمام محكمة العدل الدولية، كما يمكن ملاحقة الأفراد أمام محكمة الجنايات الدولية، خصوصاً في حالات المساعدة والتحريض. كما يمكن اللجوء إلى القضاء الوطني والتقاضي الاستراتيجي
بالتوازي مع ذلك، تحولت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل ألفابيت إنك "Alphabet Inc" ومايكروسفت، إلى أطراف فاعلة في إدارة النزاعات المعاصرة، عبر توفير أنظمة الذكاء الاصطناعي والمراقبة وتحليل البيانات، ما أدى إلى بروز مفهوم "المسؤولية الخوارزمية" بوصفه امتداداً جديداً لمسؤولية الفاعلين الاقتصاديين عن نتائج القرارات المؤتمتة، الّتي قد تسهم في الاستهداف أو التمييز أو إدارة العنف على نطاق واسع. كما تؤدي المؤسسات المالية العالمية، مثل بلاك روك "BlackRock"، دوراً غير مباشر في تمويل البنى الاقتصادية المرتبطة بالنزاعات، بما يجعل رأس المال المالي نفسه جزءاً من سلسلة الدعم الّتي تسمح باستمرار العنف وتحويله إلى مجال التراكم والاستثمار.
ثانياً: بنية التواطؤ بين الدولة والشركة، من نورمبرغ إلى القضاء المعاصر
1. قراءة في سوابق مسؤولية الشركات عن الجرائم الدولية
أرست محاكمات نورمبرغ "Nuremberg trials"، ولا سيّما قضية أي جي فاربين "IG Farben trial" الأساس التاريخي لفكرة مسؤولية الفاعلين الاقتصاديين عن الجرائم الدولية، بعدما أثبتت أن شركة أي جي فاربين لم تكن مجرد فاعل صناعي محايد، بل جزءاً عضوياً من البنية المادية للمشروع النازي، عبر إنتاج المواد الكيميائية وتوريد غاز زيكلون بي "Zyklon B"، واستغلال العمل القسري داخل معسكرات الاعتقال. وقد أكّدت المحكمة أن النشاط الاقتصادي لا يمثّل حصانة ضدّ المسؤولية عندما يتحول إلى مساهمة جوهرية في الجرائم الدولية، ما فتح الباب لأوّل مرّة أمام تصور قانوني يربط بين رأس المال والجريمة الدولية. غير أن هذا التطور بقي محدوداً لعقود بفعل هيمنة المقاربة التقليدية، الّتي حصرت المسؤولية بالأفراد والدول، قبل أن تعيد العولمة الاقتصادية وصعود الشركات متعددة الجنسيات إحياء النقاش حول حدود مساءلة الفاعلين الاقتصاديين في النزاعات المسلّحة.
وفي هذا السياق، برزت آليات التقاضي الاستراتيجي أداةً لتجاوز قصور النظام التقليدي للمسؤولية الدولية، من خلال استهداف الشركات وسلاسل التوريد، والدعم اللوجستي والمالي المرتبط بالنزاعات. وتُعد قضية رويال داتش شيل ضد كيوبيل "Kiobel vs. Royal Dutch Shell" من أبرز السوابق المعاصرة، إذ اتهم مواطنون نيجيريون شركة شيل بالتواطؤ مع النظام النيجيري في القمع العنيف، والانتهاكات المرتكبة في إقليم أوغوني. ورغم أن المحكمة العليا الأميركية قيّدت الاختصاص خارج الإقليم عبر مبدأ الافتراض ضدّ الولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية "Presumption Against Extraterritoriality"، فقد كشف الحكم في المقابل عن إمكانية استخدام القضاء الوطني مساءلة الشركات عن مساهمتها في الانتهاكات الجسيمة، كما دفع نحو "أوربة" التقاضي، عبر نقل الدعاوى إلى المحاكم الفرنسية والهولندية والألمانية الأكثر انفتاحاً على المسؤولية العابرة للحدود.
وقد تعزز هذا الاتجاه مع قضية توتال إينيرجي في قضية أوغندا "Total Energies Uganda litigation"، الّتي شكلت اختباراً عملياً لقانون واجب اليقظة الفرنسي لعام 2017، إذ وُجهت إلى توتال اتهامات بالإخفاق في منع الانتهاكات المرتبطة بمشروعي تيلينغا "Tilenga" وإيكوب "EACOP" في أوغندا وتنزانيا، بما في ذلك التهجير القسري، والمساس بالحقوق البيئية والاجتماعية لعشرات الآلاف من السكان. وتكمن أهمّية القضية في أن القضاء الفرنسي قبل مبدئياً إخضاع شركة فرنسية للمساءلة عن أفعال تقع خارج الإقليم، استناداً إلى معيار العلم بالمخاطر والإخفاق في تقييمها، ما مثّل توسعاً ملحوظاً في مفهوم واجب العناية تجاه الأنشطة العابرة للحدود.
كما شهدت قضية لافارج- سورية "Lafarge Syria case" تطوراً مفصلياً مع حكم المحكمة الجنائية في باريس في 2026/4/13، الذي أدان شركة لافارج على اعتبارها شخصاً معنوياً بتمويل جماعات إرهابية في سورية، بعد ثبوت دفع ملايين اليوروهات لتنظيم "داعش" و"جبهة النصرة"، مقابل استمرار تشغيل مصنع الجلابية بين عامي 2013 و2014. واعتبرت المحكمة أن الشركة لم تتصرف تحت مجرد ضغط ظرفي، بل أقامت "علاقة تجارية فعلية" مع الجماعات المسلّحة بهدف الحفاظ على الربح الاقتصادي، رغم علمها بالسياق الإجرامي. وتمثّل هذه القضية إحدى أهمّ السوابق الأوروبية في ربط المسؤولية الجنائية للشركات بالنزاعات المسلّحة، خصوصاً أن الحكم أقر بأن السعي للحفاظ على النشاط الاقتصادي لا يمكن أن يبرر تمويل كيانات متورطة في جرائم دولية.
في السياق نفسه، تمثّل صادرات الأسلحة الفرنسية إلى السعودية خلال الحرب في اليمن نموذجاً معاصراً لإشكالية التواطؤ عبر الدعم العسكري، بعدما وثّقت تقارير حقوقية استخدام أسلحة فرنسية في هجمات استهدفت مناطق مدنية. ورغم أن معاهدة تجارة الأسلحة والموقف الأوروبي المشترك عام 2008 يفرضان حظراً على تصدير الأسلحة عند وجود خطر واضح باستخدامها في جرائم حرب، فإن مجلس الدولة اعتبر في قضية أكتا ضدّ الحكومة الفرنسية "ACAT v. French Government" أن قرارات التصدير تندرج ضمن "أعمال السيادة"، ما حدّ من إمكانية الرقابة القضائية عليها. ويكشف ذلك عن تناقض بنيوي بين تطور القواعد الدولية الخاصة بمنع التواطؤ في الجرائم الدولية، وبين القيود السياسية والقضائية الّتي تعيق مساءلة الدول والشركات المصدّرة للسلاح، وهو ما دفع نحو تصاعد اللجوء إلى التقاضي الاستراتيجي، واستهداف الفاعلين الاقتصاديين عبر القضاء الوطني الأوروبي، وآليات المسؤولية المدنية والدولية.
ثالثاً: مساءلة الشركات في زمن الحروب المعولمة
يمكن مساءلة الدول أمام محكمة العدل الدولية، كما يمكن ملاحقة الأفراد أمام محكمة الجنايات الدولية، خصوصاً في حالات المساعدة والتحريض. كما يمكن اللجوء إلى القضاء الوطني والتقاضي الاستراتيجي، إذ يُعدّ القضاء الوطني، خصوصاً في الدول الأوروبية، أداةً فعالةً عبر الاختصاص العالمي، ومزدوجي الجنسية، وتدخل الدولة من أجل القيم العالمية في الاتّفاقيات الأممية، الّتي وقعتها هذه الدول مثل التعذيب والإبادة وأسلحة الدمار الشامل. والمسؤولية المدنية والأطراف الثالثة والتعويض والضرر وقوانين واجب اليقظة في القانون الوطني والمسؤولية في الحماية كما في شرعة الأمم المتّحدة.
تشمل آليات المساءلة في القانون الدولي المعاصر، إلى جانب المسارات القضائية التقليدية، مجموعة من أدوات الضغط غير القضائي الّتي أصبحت تؤدي دوراً متزايد الأهمّية في سياق الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لا سيّما عندما تكون إمكانيات التقاضي محدودة أو بطيئة أو مقيدة باعتبارات السيادة. وتتمثّل أبرز هذه الأدوات في حملات المقاطعة، وآليات التحقيق المستقلة، والمبادرات التوثيقية الّتي تقودها منظمات محلية غير حكومية، وهي أدوات لا تقتصر وظيفتها على الضغط السياسي أو الاقتصادي، بل تمتد لبناء بنية معرفية-إثباتية يمكن توظيفها لاحقاً أمام القضاء الوطني أو الدولي. كما تُعد شكلاً من أشكال الضغط الاقتصادي غير المباشر الذي يستهدف تغيير سلوك الفاعلين الاقتصاديين، الذي يندرج ضمن مفهوم المسؤولية الاجتماعية والقانونية للشركات. ومن جهة ثانية، تمثّل لجان التحقيق الدولية، أو شبه الدولية، بنيةً تمهيديةً وتكميليةً، إذ تسهم في إعادة تشكيل السردية القانونية حول طبيعة الفعل الاقتصادي في سياقات العنف.
برزت آليات التقاضي الاستراتيجي أداةً لتجاوز قصور النظام التقليدي للمسؤولية الدولية، من خلال استهداف الشركات وسلاسل التوريد، والدعم اللوجستي والمالي المرتبط بالنزاعات.
تكشف الجرائم المرتكبة في فلسطين أن التواطؤ ليس انحرافاً عرضياً داخل النظام الدولي، بل وظيفة بنيوية للرأسمالية الإمبريالية نفسها، إذ يندمج رأس المال والدولة والقانون في منظومة واحدة لإدارة العنف وإعادة إنتاجه. فالشركات العابرة للحدود، وصناعة السلاح، والتكنولوجيا الأمنية، والمؤسسات المالية، ليست أطرافاً "محايدةً"، بل أدوات مادية في اقتصاد الحرب والتراكم، يتحول فيها الدم إلى قيمة، والاحتلال إلى سوق، والإبادة إلى آلية لإعادة تنظيم المجال الاستعماري. ومن ثمّ، فإن محدودية القانون الدولي لا تعود إلى نقص قواعده، بل إلى خضوعه لعلاقات القوّة الّتي تحكم النظام العالمي ذاته، إذ تُدار العدالة ضمن حدود المصالح الإمبريالية لا خارجها. لذلك، فإن مسألة التواطؤ لا يمكن اختزالها في إصلاح قانوني تقني، بل تقتضي تفكيك البنية السياسية والاقتصادية التي تجعل من العنف شرطاً لاستمرار التراكم الرأسمالي العالمي.
ما يزال القانون الدولي؛ رغم محدوديته البنيوية وخضوعه لموازين القوى؛ ساحةً مركزيةً للصراع السياسي والقانوني ضدّ الاستعمار والعنف المنظم. فالتقاضي الاستراتيجي، سواء أمام المحاكم الدولية أو الوطنية الأوروبية، لم يعد يهدف إلى إصدار أحكام قضائية فقط، بل إلى تفكيك البنية الخطابية والقانونية الّتي حاولت إسرائيل والدول الداعمة لها تعميمها، من خلالها توصيف الإبادة باعتبارها "حقاً في الدفاع عن النفس"!! وقد ساهمت الدعاوى، وتقارير لجان التحقيق، وأوامر التدابير المؤقتة، والتوثيق الحقوقي، في تعرية التناقض بين الخطاب الغربي المعلن حول حقوق الإنسان، وبين الممارسة الفعلية للدول والشركات، الّتي واصلت تصدير السلاح، وتوفير التكنولوجيا العسكرية، وتمويل البنية الاقتصادية للحرب رغم العلم المتزايد بخطر الإبادة والجرائم الجماعية.
من ذلك كلّه؛ يصبح التقاضي الاستراتيجي أداةً لإعادة بناء السردية القانونية حول فلسطين، عبر نقل النقاش من "النزاع الأمني" إلى بنية الاستعمار والعنف الممنهج والتواطؤ الدولي. فلم تعد تتعلق القضية بمساءلة الجنود أو القادة العسكريين فقط، بل أيضاً بمساءلة الشركات، والمصارف، وشبكات التكنولوجيا، والدول الّتي وفّرت الغطاء السياسي والاقتصادي والعسكري لاستمرار الجرائم. وقد أظهرت السوابق القضائية؛ المذكورة سابقاً، أن الفاعلين الاقتصاديين ليسوا خارج نطاق المسؤولية، وأن مفهوم التواطؤ يشمل التمويل، والدعم اللوجستي، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، وليس المشاركة العسكرية المباشرة فقط.
كما كشف هذا المسار حدود "الحياد" الغربي المزعوم، إذ تتعايش الدعوات الرسمية لحماية القانون الدولي مع استمرار العلاقات العسكرية والاقتصادية مع إسرائيل، بما يعكس انفصالاً واضحاً بين الخطاب الحقوقي والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية. ومن ثمّ، فإن أهمّية النضال القانوني لا تكمن في نتائجه القضائية المباشرة فقط، بل أيضاً في قدرته على إنتاج أرشيف قانوني وسياسي يوثّق التواطؤ، ويمنع طمس الجريمة، ويحوّل الشركات والدول الداعمة للاحتلال إلى أطراف مكشوفة أمام الرأي العام والقضاء والتاريخ.

Related News
مصر... نقص المعروض يقود اللحوم لأسعار قياسية
alaraby ALjadeed
37 minutes ago
الجيش الإسرائيلي يُعلن مقتل أحد عناصره في جنوب لبنان
aawsat
39 minutes ago
إصابة ميسي قبل أسابيع من المونديال
aawsat
43 minutes ago