أبعد من التطبيع: الهيمنة والاحتلال عبر "المناطق العازلة"
Arab
1 hour ago
share
لا يمثِّل مصطلح "التطبيع" في المفهوم الأميركي - الإسرائيلي مدخلاً إلى سلام ومساواة بين شعوب المنطقة، بل هو مفهوم لا يُرى إلا بصيغة استعمارية صهيونية الصبغة، تفرض القبول المذل بالمشروع الاستيطاني الكولنيالي الإحلالي وتجلياته من الاستيلاء على الأرض، وتشريد الشعب الفلسطيني وتهجيره. لم تُخفِ إسرائيل يوماً طموحاتها التي تتعدى أرض فلسطين، ليس بالضرورة باحتلال أراضي دول الطوق، ولكن "حقّها بالتمدد وفقاً لرؤيتها واحتياجاتها الأمنية". وما تقصده إسرائيل بـ"الأمنية" ليس بالمعنى الدفاعي، بل السيطرة على قرارات الدول المحيطة، بما يعني نقض سيادة الدول. وترى إسرائيل أنّ التنسيق الأمني العربي خطر على مخططاتها، فلا يمكن استمرار المشروع الصهيوني من دون السيطرة على الموارد الطبيعية (أي المياه ومصادر الطاقة)، أو على الأقل سلب نسبة كبير منها، سواء بسرقتها، أو من خلال اتّفاقيات تحقق أهدافها بدعم من ضغوط مباشرة على الدول العربية. هناك أمثلة كثيرة على ما تقدم، مثل اّتفاقية المياه بين الأردن وإسرائيل، الّتي اعتبرت أن لها حصة في مصادر الأردن المائية، وسبق ذلك تحويل مياه بحيرة طبريا في الستينيات من القرن الماضي، أو اتّفاقية تصدير الغاز الطبيعي، المسروق من الفلسطينيين، إلى الأردن ومصر، لأهداف طويلة الأمد تتمثّل بفرض ذلك على سورية، وإبراز إسرائيل دولةً رئيسةً مصدرة للغاز الطبيعي. دخل المشروع الصهيوني بذلك مرحلة جديدة، أقل ما يهمه فيها قبول الجيران (دولاً وشعوباً) به، وهي أيضاً رسالة إلى دول مثل مصر والأردن بأنّها (أي إسرائيل) تستطيع التحكم بالجغرافية، بمعنى هندسة الجغرافية كما تفعل في الضفّة الغربية وقطاع غزّة فقد كان الهدف دائماً السيطرة على القرارات السياسية والاقتصادية لدول الطوق، من خلال ما يسمى معاهدات "سلام"، لا تحمي موارد هذه الدول ولا أمنها السياسي والاقتصادي. هناك أمثلة كثيرة على توظيف "التطبيع" لبسط هيمنة إسرائيل، إذ إنّها توظف القوّة العسكرية، أي الحرب، "والسلام الزائف" لتؤمن استمرار مشروعها الاستيطاني من دون تحدٍّ يذكر، وهذا ليس هدفاً إسرائيلياً بحتاً، فقد كانت واشنطن غايةً في الوضوح بأن أحد أهدافها ضمان تفوق إسرائيل الاستراتيجي، و"دمج إسرائيل في المنطقة"، من خلال "حلف عسكري أمني" عربي إسرائيلي تقوده كل من أميركا وإسرائيل. لذا كانت اتّفاقيات أبراهام، الّتي أبرمتها إسرائيل مع دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان عام 2002 خرقاً غايةً في الخطورة، خرقاً للوعي العربي، عن طريق شطب القضية الفلسطينية من الوعي الجمعي، ولأن الخليج، وهنا نعني الإمارات بالذات، تحول إلى مصدر تمويل لكل المشاريع التطبيعية، وخصوصاً الاقتصادية والأمنية منها، ولممارسة الضغوط على دول الطوق بربط  مشاريعها الاقتصادية والتكنولوجية والطاقيّة بإسرائيل. هذا ما حدث مع الأردن حتّى قبل توقيع أتّفاقيات أبراهام؛ إذ ضغطت الإدارة الأميركية، وبالأخص جون كيري، من خلال دوره وزيراً للخارجية ثم مبعوثا "للبيئة"، على المسؤولين العرب من خلال الارتباط بمشاريع الطاقة والبيئة بتمويل إماراتي. كما أشارت الكاتبة في مقالات سابقة؛ تعتقد إسرائيل أن توظيف الأموال العربية في مشاريع "تطبيعية مع الدول العربية" يكتمل ويتوج بتوقيع اتّفاق إسرائيلي سعودي، لكن حدث ما لم يكن متوقعاً، أي "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول "وعطل المسيرة التطبيعية" حينها، فكان التوجه مشتملاً على تأسيسٍ رسمي لحلف عسكري أمني عربي، بقيادة إسرائيل وإشراف الولايات المتّحدة. وفيما أثّرت حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني على اندفاعٍ كان ظاهراً تجاه نوع من الاتّفاق مع إسرائيل، استمرت دولة الإمارات بمشاريع التكنولوجيا المشتركة، الّتي تسيطر فيها إسرائيل وأميركا على بيانات المعلومات الّتي تجمعها. ثمّ جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتزيد من تردد السعودية وقلقها. لكن الإمارات ظلت مستمرةً في الطريق نفسه، وقد ظهر توسع التعاون الإسرائيلي الإماراتي بعد الكشف عن نوعية التقنيات والأسلحة وحجمها التي حولتها إسرائيل إلى أبو ظبي، الّتي تُستعمل تحت إشراف تل أبيب، وزيارة مسؤولين إسرائيليين أمنيين أبرزُهم رئيس الموساد ورئيس الأركان. في حين لم تتأكد أنباء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو نفسه إلى دولة الإمارات، وهو ما أعلنته مصادر إسرائيلية منها مكتب نتنياهو، ومصادر إعلامية أجنبية، ونفته أبو ظبي. كان ذلك كله "ضمن الخطة التطبيعية" الّتي لم تعد تطبيعية فحسب، فإسرائيل وحتّى قبل طوفان الأقصى وحربيها الأخيرتين على إيران، كانت قد ضاقت ذرعاً "ببطء" تحقيق الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية في بسط هيمنتها الرسمية على المنطقة، أي اكتمال "الحلف الأمني"، الذي أسمته "حلف أبراهام"، وإنهاء أي شكل من التردد العربي لتصفية القضية الفلسطينية كونها مصدر تهديد وجودي بالمعنى الاستراتيجي لشرعية إسرائيل ومشاريعها. فالكشف أن هناك قاعدة إسرائيلية في العراق، وهناك حديث عن اكتشاف قاعدة أخرى، هو أيضاً جزء من هندسة الخريطة الأمنية في المنطقة، فلا حدود ولا ديمغرافيا ولا سيادة لأي من دول المنطقة يجب الإشارة هنا إلى أن إسرائيل تشجعت من استمرار الاتّفاقيات الإبراهمية، وكل الاتّفاقيات العربية الإسرائيلية، بالرغم من الهجمة العنصرية على الفلسطينيين في الضفّة الغربية، وتصعيد اقتحامات المسجد الأقصى وحرب الإبادة، وترك العرب الفلسطينيين في قطاع غزّة لمصيرهم، والاتّفاقيات اللبنانية مع إسرائيل ابتداءً من ترسيم الحدود وقضم جزء من المياه الإقليمية اللبنانية وحصة من الغاز الطبيعي في حوض قرش (كاريش). فزادت إسرائيل من عدوانيتها، لنراها تتمدد في سورية ولبنان تحت شعار "المناطق الأمنية العازلة". فمنذ بدء توغلها في الثامن من ديسمبر/كانون الثاني 2024 غداة سقوط نظام بشار الأسد، سيطرت إسرائيل على مساحة إضافية تُقدَّر بنحو 235 كيلومتراً مربعاً داخل الأراضي السورية، وتحديداً في المنطقة العازلة ومحيطها في جنوب غرب سورية. للمرة الأولى منذ 50 عاماً، عبرت القوات الإسرائيلية السياج الحدودي، وأقامت سواتر ترابية وقواعد عسكرية في المنطقة العازلة ومشارف القرى السورية، ولم تكتف بذلك، إنّما تجاوزت المنطقة العازلة المتفق عليها مع سورية منذ اتّفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974. وتشمل المناطق الّتي احتلتها إسرائيل محافظة القنيطرة؛ مدينة القنيطرة القديمة وخان أرنبة ومدينة البعث وقرية صيدا ووقرية أم باطن. ولم تكتف بذلك، إنّما تجاوزت وتوغلت أكثر في منطقة الجولان وأطرافها لتحتل مناطق أخرى في جنوب سورية، في محافظة ريف دمشق الغربي؛ أجزاء من سفوح جبل الشيخ وبلدة بيت جن، وكذلك قرية عابدين في منطقة حوض اليرموك في محافظة درعا. وأخيراً أعلن الجيش الإسرائيلي سيطرته على كامل تل الأحمر في الجولان السوري، الّتي تقع على بعد 55 كيلومتراً من دمشق وستة كيلومترات داخل الأراضي السورية. كما تشير التقديرات الميدانية والعسكرية إلى أن إسرائيل سيطرت على مساحة تُقدر بنحو 500 كيلومتر مربع في جنوب لبنان خلال عدوانها العسكري الأخير، ما يعادل 10% من إجمالي مساحة لبنان، ضمن مخطط لإنشاء "حزام أمني". تشمل هذه التقديرات المناطق المُخلاة والقرى الحدودية الّتي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية بعمق يصل إلى نحو سبعة كيلومترات بهدف فرض سيطرة عملياتية. أي أن احتلال الأراضي السورية واللبنانية، وتحديد مناطق صفراء (على غرار المنطقة الصفراء في قطاع غزّة) هي بمثابة مناطق نفوذ تحتلها وتسمح لمجموعات استيطانية باجتياحها والتجول فيها، لتأكيد "الملكية" على أرض تريدها إسرائيل، فهذا جزء من الانتقال من"اتّفاقيات تطبيعية رسمية" إلى احتلال أمني تحتفظ  من خلاله بالحقّ ببناء مستوطنات فيها، تسبق المعاهدات. بالطبع ستحرص تل أبيب وبدعم مطلق من واشنطن على أن تبقى هذه "المناطق العازلة " تحت سيطرة إسرائيل، وغير قابلة للتفاوض في حال عقد اتّفاقيات مستقبلية بين إسرائيل وكل من لبنان وسورية. بفعل هذا لا تريد إسرائيل أن تجعل من احتلال الضفّة الغربية وقطاع غزّة والجولان ومناطق في جنوب سورية أمراً واقعاً وطبيعياً فحسب، بل أحكمت السيطرة عليها عسكرياً تحت حجة أن المفاوضات لم تحسم وضعها النهائي، وبأنّها تريد تأمين البلدات والمستوطنات الحدودية، لكن تريد أن تفرض واقعاً تثبّته قبل أي مفاوضات سواء مع الحكومة اللبنانية أو السورية. دخل المشروع الصهيوني بذلك مرحلة جديدة، أقل ما يهمه فيها قبول الجيران (دولاً وشعوباً) به، وهي أيضاً رسالة إلى دول مثل مصر والأردن بأنّها (أي إسرائيل) تستطيع التحكم بالجغرافية، بمعنى هندسة الجغرافية كما تفعل في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وبالتالي تقوم بهندسة الديمغرافية، أي إعادة رسم الخرائط الجغرافية والسكانية كما تشاء. فالكشف أن هناك قاعدة إسرائيلية في العراق، وهناك حديث عن اكتشاف قاعدة أخرى، هو أيضاً جزء من هندسة الخريطة الأمنية في المنطقة، فلا حدود ولا ديمغرافيا ولا سيادة لأي من دول المنطقة. أما بالنسبة لاحتمال شن عدوان عسكري على أيٍّ من دول المنطقة، فتريد إسرائيل أن يعرف الجميع أن هذا قرار "وحقٌّ" تحتفظ به لنفسها، كما فعلت في عدوانها على قطر وحربها المشتركة مع أميركا ضدّ إيران، ما كان بمثابة إعلان عالمي بأننا لسنا أكثر من منطقة نفوذ، ولا تحتاج لإرسال جيشها إلى عواصمنا لتأكيد هيمنتها، لكن تستطيع عبر الحدود رفع العلم الإسرائيلي على الأراضي الّتي تقرر أنها جزء من منطقة عازلة أو أمنية، تقررها هي كما تشاء. تعتقد إسرائيل أن توظيف الأموال العربية في مشاريع "تطبيعية مع الدول العربية" يكتمل ويتوج بتوقيع اتّفاق إسرائيلي سعودي المشكلة المزمنة هي غياب الإرادة السياسية للأنظمة العربية، حتّى لو نأت بعض الدول العربية بنفسها وتجاهلت ما ترتبه إسرائيل، فأغلبها تعتبر أن الحماية الأميركية، وليست الشرعية الشعبية المنبثقة من نظام تعددي ديمقراطي، هي مصدر شرعيتها وحمايتها، فتتشدد في كبح الحريات وتمنع المشاركة الشعبية. لا شك أن المنطقة مُقدِمة على مزيد من الخطوات الإسرائيلية الّتي لا تنتظر اتّفاقيات رسمية، ولا تأبه باتّفاقيات موقعة، وهذا يمكن إسرائيل من استغلال التهديد بالقوّة "المفرطة" لفرض هيمنتها وسيطرتها علينا. لذا؛ هناك ضرورة قصوى لإفشال أو مواجهة المحور الصاعد؛ الحلف الإسرائيلي الإماراتي، وهو ما تستطيعه دول الخليج فقط، وبالتحديد السعودية بدعم قطري، لأن إبرام هذا الحلف يشكل خرقاً يزيد من غطرسة إسرائيل واندفاعها لجعلنا تابعين لها، أنظمةً وشعوباً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows