Arab
تتناوب رندة وآمنة، الجارتان اللتان تحملان عبء الذاكرة والحكاية، على نسج أصوات السرد في رواية "أعراس غزة" (كاليغراما، إشبيلية، ترجمة مؤيد شرّاب، 2026) للروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والتي أُطلقت في معهد ثربانتس بعمّان بحضور الكاتب والمترجم. الرواية موجعةٌ وقاسية في مادّتها الإنسانية، لكنها لا تخلو من نفَس شعري آسر ينبض بالحياة وسط الركام؛ رواية قادرة على انتزاع ابتسامة هادئة من القارئ، ثم خطف أنفاسه بعد أسطر قليلة فقط.
يؤكد نصر الله (1954)، الذي يعُدّه النقّاد واحداً من أبرز الأصوات الأدبية في العالم العربي، أن "القصص التي لا يكتبها أحد يستولي عليها أعداؤنا"، فقد انطلق عام 1985 بمشروعه الكبير، المؤلَّف من ست عشرة رواية مستقلة، بهدف تتبّع حياة الشعب الفلسطيني وسرد تحوّلاته عبر ما يقارب 250 عاماً من التاريخ. وتأتي رواية "أعراس غزة"، التي صدرت بالعربية عام 2004 تحت عنوان "أعراس آمنة"، ضمن هذه الملحمة الروائية. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على كتابتها، ما تزال تحتفظ براهنيتها الإنسانية وقوتها العاطفية، وكأنها كُتبت لزمننا الحاضر. وفي هذا السياق نستذكر قول نصر الله: "نحن أبناء الحياة - وأعني شعبنا - ولولا ذلك لهُزمنا منذ مئة عام".
إسهام في تمثيل ووصول أدب فلسطين إلى القارئ الإسباني
تتولى إحدى شخصيات الرواية مهمّة حفظ الحكايات وجمع الشذرات التي يخشى عليها من الضياع؛ إنها رندة، الشابة التي تدوّن في دفترها الصغير أقوال جدتها، وذكريات والدتها، والتفاصيل التي نسجت علاقتها بتوأمها لميس، إضافة إلى ما ترويه لها جارتها آمنة. وتأتي فصول الرواية كأنها شظايا مرآة متكسرة تتوزع بين صوتَي رندة وآمنة. وتشكل الخطبة والزواج الخيط الذي تنتظم حوله أحداث هذه الرواية القصيرة، التي لا تتجاوز المئة والخمسين صفحة، لكنها تحتشد بعالم كامل من الكرامة والحنين والتشبّث بالحياة، وسط المطاردة والموت والأحلام التي تمزّقها الهجمات الإسرائيلية المتواصلة ليلة بعد أُخرى.
تقول جدة التوأمين رندة ولميس: "نحتاج إلى قلوب أكبر كي تحتمل كلّ هذا الحزن". ويقول جمال لزوجته آمنة: "إنهم لا يصوّبون نحونا ليقتلونا، بل ليقتلوا الحرية التي نحملها في داخلنا؛ تلك الحرية التي لا نتوقف عن السعي إليها طوال حياتنا". وتستعيد آمنة كلمات قالها لها في مناسبة أُخرى: "حين أخرج من الظل الذي أعيش فيه لألقاك، يسطع شعاع من النور يمنح العالم معنى آخر، يتجاوز البؤس الذي نغرق فيه". يحضر هذا التوازن الهشّ بين الحياة والخراب والموت عبر لغة مكثفة، مقتصدة في كلماتها، لكنها مشبعة بالعاطفة والدلالات. ولا يمكن قراءة هذا البُعد الجمالي من دون التوقف عند حقيقة أن إبراهيم نصر الله شاعر قبل أن يكون روائياً؛ فقد أصدر أكثر من 15 ديواناً شعرياً.
وقد نجح المترجم مؤيد شرّاب في نقل هذه الروح الشعرية إلى الإسبانية، محافظاً على نبرة النصّ الأصلية وثرائه العاطفي في ترجمته لرواية "أعراس غزة". وفي هذا السياق يقول: "كان أكبر همّي أن أحافظ على الصوت الأصلي للرواية، وأن أنقل الحساسية العاطفية الكامنة في العربية من دون أن تفقد النصوص عفويتها وطبيعتها في الإسبانية". ويضيف: "كان من أبرز التحديات نقل ذلك التوازن الدقيق بين القسوة والحنان الذي ينجح نصر الله في صياغته من خلال حساسية استثنائية". سبق لشرّاب أن نقل إلى الإسبانية رواية نصر الله المعروفة "زمن الخيول البيضاء"، وتحدث خلال حفل إطلاق الترجمة في ثربانتس أمام جمهور كبير كان معظمه من القراء الشباب، مؤكداً أن الترجمة ليست مجرد انتقال للكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي عبور للمشاعر والذاكرة والإنسانية.
تندرج ضمن مشروع سردي ضخم يضم 16 رواية
منح إبراهيم نصر الله صوته لأولئك الذين يواصلون التشبث بالحياة، ولأولئك الذين يعيشون على أمل يبدو مستحيلاً أحياناً: أن يروا أبناءهم يكبرون. ويعبّر أحد الأصوات الجماعية في الرواية عن هذا الإصرار قائلاً: "على الرغم من كل هذا الموت الذي يحيط بنا من كل جانب، ما زلنا أحياء، وسنعيش لنرى بأعيننا ولادة أحفادنا ونموهم". ذلك هو الحلم الذي يسكن شخصيات "أعراس غزة"، والروح التي تقف خلف ظاهرة الأعراس الجماعية التي دعمتها، في أعقاب المأساة الإنسانية الأخيرة في غزة، منظمات إغاثية وإنسانية، من بينها المنظمة التركية IHH. وقد أتاحت هذه المنظمة، خلال هذا الأسبوع، إقامة حفل زفاف جماعي لخمسين زوجاً وزوجة بين أنقاض مدينة غزة. وبين الركام الذي خلّفته الحرب، رقص العرسان على أنغام الأغاني الشعبية؛ الرجال يلفّون الكوفية الفلسطينية حول أعناقهم، والنساء يرتدين الثياب البيضاء ويتزينّ بالزهور.
كان يمكن لآمنة أن تحلم بعرس جماعي كهذا لابنيها صالح ولميس؛ عرس يفيض بالفرح الحقيقي، لا بذلك الحزن الثقيل الذي يُفرض عليهم كلما سقط طفل أو زوج أو أخ برصاص الاحتلال، أو حين يُقتل أحد أبناء غزة لمجرد أنه تجرأ على التقدم في الطريق أمام مستوطن. إنها آمنة التي تمضي لطلب يد جارتها وهي تحمل إيماناً عميقاً بأن استمرار الحياة شكل من أشكال النجاة، فتقول: "نحن نتوزع عبر أبنائنا، لأننا حين يأتي الموت نريد أن نكون واثقين أن جزءاً منّا استطاع الإفلات منه". وهي نفسها آمنة التي تبكي في الرواية على الأطفال الذين لن تتاح لهم فرصة النظر إلى السماء مرّة أُخرى، وتقول لرندة: "إنه يقتلك من الداخل، لأن جراح عيونهم لم تكن تتوقف عن الاتساع. فالرصاص لا يمنح الطفولة فرصة لتبرير براءتها؛ إذ يطلق القنّاصة النار على كل طفل يقع في مرمى أعينهم، من دون أن يتوقفوا ليسألوا عن العمر".
"أعراس غزة" رواية جميلة في لغتها، موجعة في إنسانيتها؛ رواية تؤلم لأن قراءتها لا تسمح لنا بالحياد، ولأنها تفرض علينا واجب الذاكرة وكما قال إبراهيم نصر الله خلال تقديم النسخة الإسبانية من الرواية: "فلسطين هي الامتحان اليومي لضمير العالم".
* ترجمة: نورا السيد رودريغز

Related News
تراجع الدولار والنفط يدفع الذهب للصعود فوق 4570 دولاراً
aawsat
31 minutes ago