Arab
غالباً ما نستخدم عبارة "العمر مجرّد رقم" الشائعة في وقتنا الحاضر، ولا سيّما عند مخاطبة كبار السنّ، أسلوباً إنسانياً في التطمين والمواساة، ومحاولةً لحثّهم على عدم التراجع، والاستمرار في ممارسة الأنشطة المختلفة، والتمسّك بالحياة عبر الاعتناء بالصحّة الجسدية والنفسية، تمشّياً مع ما ذهبت إليه الممثلة الأميركية جين فوندا (88 عاماً) التي ترى أنّ التقدّم في العمر ليس تراجعاً بالضرورة، بل هو رحلة نحو النضج. وتؤكّد فوندا أنّ الأفكار المجتمعية السلبية نحو الكهولة تُحدث أثراً سلبياً، وتحثّ على تبنّي نظرة إيجابية تركّز على تكوين مجتمع داعم لكبار السنّ المطلوب منهم الاهتمام بالصحّة. وتستطرد في تعداد مزايا التقدّم في العمر وجوانبه الإيجابية، وأبرزها انخفاض مستويات التوتّر والقلق، وزيادة الشجاعة وتقبّل الذات، وتكوين آراء أكثر موضوعية وتعقّلاً، والتحرّر من عقدة الاهتمام المفرط بآراء الآخرين، والتسليم المريح بحقيقة أنّ التقدّم في العمر مصير حتمي يؤكّد فكرة العدالة الإلهية. وهو، بالتعريف الطبّي، عملية بيولوجية طبيعية تنطوي على تغييرات تراكمية في خلايا الجسم وأنسجته تؤدّي إلى انخفاض مستوى الوظائف الفسيولوجية.
"العمر مجرّد رقم" هي، أساساً، مقولة تحفيزية ذائعة الصيت وكثيرة الاستخدام في مختلف الثقافات، غير أنّها لا تُنسب إلى شخص محدّد، وتُستخدم عادةً للتعبير عن أنّ القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في إنجازاته وطموحاته وقدراته، ولا ينبغي، بحسب معتنقيها، أن ترتبط بمرحلة عمرية محدّدة. وكان أبرز مردّديها نجم كرة القدم كريستيانو رونالدو عند الحديث عن لياقته واستمراره في اللعب، كما نُسبت إلى الممثلة البريطانية جوان كولينز في سياق الحديث عن شبابها الدائم، وكثيراً ما تتردّد في مجالات التنمية البشرية وعالم الفنّ والرياضة والجمال. غير أنّه ليس من الدقيق تبنّي العبارة على إطلاقها، إذ إنّ العمر ليس مجرّد رقم في جميع الأحوال، بل إنّه، على المستوى الإجرائي والمعيشي، يحدّد سنّ التقاعد، وقيمة التأمين، والقروض البنكية، ويحدّد المصير الطبّي والوظيفي والمالي للفرد. كما أنّ التقدّم في العمر، على المستوى الوجداني والنفسي، يعني اختمار التجارب الإنسانية، واكتساب النضج والحكمة، واستيعاب التحوّلات والتغييرات، واستعادة الذكريات بحلوها ومرّها، والتحلّي بالصبر والتروّي، والنظرة الأعمق إلى الأشياء.
غير أنّ هناك فئة من المسنّات والمسنّين ممَّن يتذرّعون بحجّة أنّ "العمر مجرّد رقم" لتبرير سلوكاتهم الصبيانية التي لا تليق بأعمارهم، وتستجلب لهم السخرية، فيفقدون احترام المجموع، ولا سيّما حين يتقصّدون ارتداء أزياء شبابية، ويصرّون على مواكبة آخر صيحات الموضة، وانتقاء ألوان وتصاميم تناسب المراهقين حصراً، فيبدو مظهرهم فجّاً متناقضاً ومضحكاً، يجرّدهم من الوقار والهيبة والأناقة، ولا يتناسب أبداً مع أعمارهم، إضافة إلى مواظبتهم على إخفاء الشيب بالصبغات ذات الألوان الداكنة، وارتداء الشعر المستعار، وزيارة عيادات التجميل بغية حقن الوجوه بـ"البوتوكس" ونفخها بـ"الفيلر"، وإجراء عمليات الشدّ والنفخ تمسّكاً يائساً غير مجدٍ بمظاهر شباب ولّى. ولو أنّهم تصالحوا مع حقيقة تقدّمهم في العمر، وتقبّلوا ذواتهم بما طرأ عليها من تحوّلات أملتها الطبيعة، وتعاملوا مع تلك الحقيقة بشيء من النضج والحكمة والتفهّم، لتمكّنوا من خوض تلك المرحلة بأناقة ورقي واحترام، معتمدين أسلوب حياة صحّياً متوازناً، من دون أن يسبّبوا الإحراج لأنفسهم أو لأحفادهم، مع تمسّكهم بأحلامهم وطموحاتهم وآمالهم، وسعيهم إلى تحقيق الإنجازات غير المرتبطة بعمر معيّن، والسعي إلى التقدّم والمشاركة في الحياة عناصر فاعلة ومنتجة ومتحققة من دون غلو، مع إدراك أنّ الشباب لن يعود يوماً مهما ردّدنا "ألا ليت"، وأنّ الخيار الأمثل لنا في هذه المرحلة يكمن في التصالح والرضا والتكيّف، وإلا فستتحوّل مرحلة الشيخوخة إلى جحيم وسجن انفرادي لا ينطوي على أيّ أمل في انفراج.

Related News
واشنطن تحذر «حزب الله» بعد تهديده بإسقاط الحكومة
aawsat
2 minutes ago
وفد عراقي مشترك إلى طهران لبحث الهجمات على كردستان
aawsat
20 minutes ago