فردانية الشمولية السودانية
Arab
1 hour ago
share
أكبر معضلات النظام السياسي السوداني اختزاله في تجربتين مُبتَسرتَين؛ الأولى ديمقراطية قصيرة الأمد، والأخرى شمولية طويلة الأجل. كلاهما ثلاث تجارب ومثلهن ثلاث انتقاليات على عجل. محور الأزمات في هذه الأنظمة الشمولية أنها ميلودراما على نسق عروض الرجل الواحد ذات الفصل الواحد، افتقدت حبكة النص إذ انبنت على الارتجال. هذه خاصية يتمتع بها النظام السوداني الاستبدادي دون مثله في محيطه العربي، فمصر عايشت أكثر من مرحلة تحت نطام شمولي واحد. كذلك كان الحال في الجزائر. وشهدت سورية أكثر من فصل قبل إخضاعها لعائلة الأسد. كذلك عبرت العراق أنهراً من القمع والدم قبل هيمنة التكريت. تحت وطء الاستبداد وعلى وقع الارتجال، اهترأت قماشة السودان، حرقتها الحروب الأهلية وتعقّدت خيوط أزماتها من دون أن تترك للشعب فرص إطفاء النيران أو تفكيك العقد. ربما لو تعدّدت فصول العرض الاستبدادية مثلما حدث في مصر والجزائر لكان حال السودانيين أفضل مما هو عليه. عمداً اجتزأت الفترة الراهنة لأنها خرقٌ مسخٌ في رتق مزق خارج قماشة إرث الشعب، مثلما هي فوضى عشوائية خارج الفكر. ما يميز التجربة الجزائرية تبنّيها أيدولوجيا سياسية تمزج بين الإسلام والاشتراكية *** ضمن طليعة البلدان النامية تشكّلت الحركة الوطنية السودانية في سياق جدلية الصراع داخل المجتمع وبينه وبين الخارج، فهي حركة تأثرت، بل ضجّت بألوان الفكر السياسي من أقصى اليمين إلى أكثر اليسار تطرّفاً. لكن الانقلابات العسكرية حرمت الحركة الوطنية من مواصلة البناء، والنمو والارتقاء. بل دفعتها قسراً لجهة التدهور والانحطاط. أخطر تداعيات تلك الأنظمة الاستبدادية أنها لم تصادر هامش الحركة والتنظيم والتعبير فحسب، بل فوّضت نفسها حقوق التفكير والتعبير باسم المجتمع والدولة. هكذا لم تتبدل مفاهيم وقيم فكرية فحسب، مثل الليبرالية والحرية والاشتراكية والماركسية، والعدل والمساواة والشفافية، بل أمسى الكلام عنها أو بها رجساً من عمل الشيطان وضرباً من الاتهامات المفضية إلى الحبس والاعتقال والتخوين، بتداعياتٍ سلبيةٍ بلا قرار أو سقف. *** من نتيجة هذا، بل مع الإصرار العمد، لم تُنجز فقط عمليات ممنهجة لتجريف التنظيمات السياسية. أبعد من هذا جرت محاولات منظّمة بتمويل سخيٍّ بغية بناء أطر سياسية بديلة. تلك العملية العلوية خلطت مفاهيم فكرية نبيلة بممارسات سلطوية مسرفة في الاستبداد، فالوحدة الوطنية أمست مطابقة لانفرادية النظام الحاكم، وبناء التمثيل النيابي عن الشعب على الانحياز عوضاً عن الانتخاب. وخرج فصل السلطات عن الإطار الدستوري، حسب الفكر السياسي والقانون الدستوري السائد في العالم. وأفضى الاستغراق في هذا الخلط إلى الإرباك بين مفهوم الدولة وسلطة الدولة، فالدولة لم تعد هي الكيان السياسي، كما سلطة الدولة لم تعد هي التعبير السياسي عن الدولة. *** لم ينتهِ هذا التدهور عند مستنقع استبداد النظام، إنما انزلق إلى هيمنة الرئيس القائد الواحد القابض على كل السلطات، على مفاصل الدولة وخزاناتها. بما أنّ الفرد مهما كان ثائراً أو عملاقاً أو وطنياً مخلصاً فإنه لن يتمكّن من السيطرة على الدولة حينما تُغيّب المؤسسات. في هذه الأحوال، تصبح البيئة مهيأة لتفريخ مراكز القوى وبؤر الفساد. هذه أبرز سمات الأنظمة الشمولية. بغض النظر عن الأُطر الزمانية ربما كانت مصر أفضل حظاً، فتحت مظلة ثورة يوليو (1952) تنقّل الشعب المصري عبر ثلاث مراحل تباينت ملامحها رغم انتمائها إلى جذع "يوليو"، ففترة السادات ذات ملامح تتباين عن خصائص المرحلة الناصرية، ثم جاءت مرحلة حسني مبارك بقسماتٍ مختلفة. بالطبع، تتفاوت الرؤى فيما إذا كان هذا التنقل أحدث تحولات نحو الارتقاء السياسي أم لجهة التدهور. لكن الثابت أنه فتح الأفق أمام الجدل في شأن الارتقاء السياسي فيما يتصل بالدولة والسلطة. هذا في حد ذاته يشكل تطوراً داخل أي نظام شمولي، فثمّة تيارات فكرية بدأت تعبر بجسارة تحت جسور القاهرة عند منحنيات هذه المراحل حتى بلغت انفجار يناير 2011. وهن الحركة السياسية أفضى إلى إجهاض الثورات الشعبية، فلا الساسة استوعبوا الدروس ولا الطغاة الأغبياء *** عبرت الجزائر هي الأخرى ثلاث مراحل منذ الاستقلال في 1962. ولاية بن بيلا وعمرها ثلاث سنوات، ثم قاد بومدين انقلاباً في 1965 حتى رحيله في 1978، ففترة حكم الشاذلي بن جديد الممتدة 14 عاماً. انتمت المراحل الثلاث إلى شرعية الثورة، إلّا أن كل رئيس طبع على مرحلته بصمات سياسية خاصة برؤاه، غير أن الهوية الوطنية ظلت محوراً حاضراً بقوة في الخطاب الرسمي. ما يميز التجربة الجزائرية كذلك تبنّيها أيدولوجيا سياسية تمزج بين الإسلام والاشتراكية. فتح هذا النهج هامشاً أمام التيارات الفكرية للتعبير عن نفسها منذ البدء، حتى خروج الشاذلي بن جديد في العام 1992 عن هذا النسق الوطني، بشن هجوم مكثف على من أسماهم اليساريين المتطرفين. إبان سنوات بن جديد تدفقت تيارات كثيرة حتى لم يعد النهر السياسي ينبع من جبهة التحرير وحدها، إذ برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ قوةً أدّت إلى إنهاء الانتخابات في 1992 قبل استكمالها، وتشكيل مجلس رئاسة ثلاثي بقيادة بوضياف. للمفارقة أصبح هو ضحية انفتاح الجزائر على العنف السياسي. *** لم تنعم الحركة الشمولية في السودان بالانتماء إلى جذع واحد، أو تستظل بمرجعية واحدة، كما في مصر والجزائر، أو حتى كما جرى إخراجه في سورية والعراق، فالفصول السودانية متعدّدة ومتباينة ومجتزأة، غير أنها ظلت رهينة الرجل الواحد؛ إبراهيم عبود وجعفر نميري وعمر البشير. بهم بدأت وعليهم انتهت. كل مرحلة أكثر انحطاطاً من سابقتها. لمّا أفاق حسن الترابي بغية استحداث مرحلة مغايرة داخل نظام الإنقاذ انقلب عليه تلامذته العاقون المستبدون. هكذا توغّل البشير في إرهاق الشعب بصنوف من القمع، والتعذيب، والمعاناة والتخبط والاحتراب، مع أنّ كل فصل انتهى بانفجار جماهيري، إلّا أنّ وهن الحركة السياسية أفضى إلى إجهاض تلك الثورات الشعبية، فلا الساسة استوعبوا الدروس ولا الطغاة الأغبياء الصغار. تلك معضلة مغايرة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows