Arab
حين يتحدث التونسيون عن الأضحية، وهي نحر الخروف صبيحة أوّل أيام عيد الأضحى، يسمونها بلهجتهم المحلية "علوش" العيد، والأرجح أن المفردة تعود في أصلها إلى اللغة البربرية، أي الخروف. غير أنّ الأكثر دلالة في هذه التسمية طمس هُويَّتها شعيرةً دينيةً نصّ عليها الإسلام لمن استطاع إليها سبيلاً، أي لمن كان قادراً على أداء هذا المنسك. وبغض النظر عمّا إذا كانت لهذه الشعيرة جذور في الديانات التوحيدية الأخرى أم لا، رغم أنّ بعضهم يعيدها إلى ديانات الشرق القديم، كما تفيد نقوش أثرية عديدة، فإنّ الممارسة الاجتماعية الدينية لشعيرة الأضحية قد بدّدت جلّ دلالاتها الدينية والروحية التي يُقصد منها التقرب إلى الله من خلال فعل الاستعاضة عن ذبح إسماعيل بذبح الكبش، وهذا أحد معاني "كبش الفداء". غير أنّ قلّةً من المؤمنين الخلّص، الذين ينحرون أضحية العيد اليوم، لا يزالون يستحضرون تلك الدلالات كلّها التي يذكّرهم بها الوعّاظ والأئمة بشكل مستمرّ من خلال استحضار معانيها.
سلّعت جلّ شعائر الإسلام وطقوسه فأُدرجت في مسارات تبضيع معولم
خلال العقود الماضية، في تونس وغيرها من الدول العربية، تحوّلت الأضحية إلى حاجة اجتماعية ملحّةً إلى حدّ العناد. فما الذي يفسّر هذا الهوس كلّه بالأضحية؟ لم يعد اللحم شهوةً نادرةً ننتظرها حولاً كاملاً حتّى نشبع نهمنا، لقد انتقلت جلّ مجتمعاتنا، وإن بتفاوت، من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الطفرة، وتطوّرت التكنولوجيا والصناعات الغذائية بما أتاح مختلف أنواع اللحوم كامل السنة، وأكلها في الأسبوع الواحد أكثر من مرّة. ومع هذا، يظلّ البحث عن تفسير لهذا الهوس بالأضحية غريباً. ولعلّ استعراض الخروف بشكل احتفائي في "الحومة" (الحي) هو أيضاً ما يبرّر هذا الهوس بخروف العيد. كما غدا، على نحو لافت، مؤشّراً اجتماعياً واقتصادياً على القدرة الاجتماعية والاقتصادية للانتماء إلى المدينة نفسها. حين يتم إعلان العجز عن توفير خروف العيد، يصرّح الفرد، أو العائلة، بشكل ضمني أنّه عاجز عن توفير شروط الانتماء إلى الجماعة، أي إقرار صريح بالإقصاء الاجتماعي والحرمان. تمارس الجماعات، بهذه الشعيرة، جملةً من ممارسات الإذلال والاستبعاد، ولهذا يحرص الناس، بقطع النظر عن الشرط الفقهي، أي القدرة على شرائه، ولو على حساب قدرتهم الاقتصادية، على اقتناء خروف العيد، وهم مستعدّون لتحمّل مختلف أشكال القهر من أجل اقتنائه. لقد شاهدنا خلال الأسابيع الفارطة مشاهد محيّرة لآلاف المواطنين وهم يتدافعون على أسواق عمومية تُباع فيها الخرفان بأسعار مراقبة حكومياً: طوابير طويلة، وإذلال، وانتظار، إلخ.
دُمقرطت هذه الشعيرة بشكل ملتوٍ، حتّى غدت من حقوق المواطنين، وليس فرضاً مستوجباً على المؤمنين ممّن كان قادراً. ويتم عادة فصل الأضحية عن جلّ المقاصد والشروط التي حدّدها الدين أو الفقه لتغدو "سلعةً" دنيويةً يقتضي السياق اقتناءها وتوفيرها، ويُتفاوض عليها بين عدّة أطراف: الدولة، والمواطن (الحريف)، والبائع، وهو في هذه الحالة سلسلة من الوساطات المعقّدة: الفلاح، والوسيط، والبائع. وقد اضطرت الدولة التونسية إلى توريد خروف العيد من عدّة دول، مثل رومانيا وإسبانيا، حتّى توفّره لمواطنيها بأسعار "مناسبة". ولا يعدّ الأمر مخصوصاً بأضحية العيد، بل شملت هذه المسارات المواد التي تُستهلك في مثل هذه المناسبات الدينية، على غرار "بيض رمضان" و"الزقوقو" في المولد النبوي، وهو بذور الصنوبر الحلبي الذي يُطحن ويُصنع منه ثريد تونسي فريد... إلخ. تخبرنا الدولة كلّ سنة، لبيان حُسن استعدادها لمثل هذه المناسبات وإرضائها للمؤمنين من مواطنيها، أنّها خزّنت ملايين البيضات وأطناناً من زيت الطبخ ومختلف المواد الغذائية، وذلك لبيان حكمتها في التصرّف وحسن تبجيلها لمثل تلك الشعائر التي تحوّلت إلى طقوس دنيوية.
ولعلّ هذا ما يجعل "غير المؤمنين" من حداثيين وعلمانيين منخرطين، عن قناعة أو حشر متعسّف، في مثل اقتصاد المناسبات هذا، بقطع النظر عن قناعاتهم وعقائدهم. ففي هذه المناسبات يُكره الناس على تقاسم تلك الشعائر. يحدّثنا عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم عن إكراه ضروري تعيشه الجماعات في مثل هذه المناسبات حتّى تتذكّر أنّها متضامنة ومنتمية إلى هُويّة جماعية واحدة. إدراج محكم للإسلام، بهذا المعنى الأنثروبولوجي الاقتصادي، في سوق فسيح وضمن اقتصاد رمزي مادي مترامي الأطراف. لقد أصبحت جلّ المناسبات الدينية بازاراً مفتوحاً على كلّ أنواع البضاعة ومختلف تقنيات التسويق والترويج. وتحفل مختلف صفحات الشبكات الاجتماعية بعروض بيع "خروف العيد"، وتذكر خصاله: أصوله أو أنواعه وألوانه وقرونه وعلفه ووزنه... إلخ. وتُعرض في هذا الغرض جملة من المزايا: بيع بالتقسيط، تخفيضات استثنائية. كما تقدّم المؤسّسات الاقتصادية لمنتسبيها مِنحاً أو علاوات، خاصّة باقتناء خروف العيد، بل إنّ بعض النقابات ذات التوجّه اليساري خاضت "نضالات" نقابية ضمن مختلف أشكال الاحتجاج حتّى تتحصّل على هذا الحقّ، وأُدرج في أحيان عديدة ضمن المكتسبات التي لا يمكن التنازل عنها. وهو ما يذكّرنا بـ"البوتلاتش"، أي الاحتفاءات والموائد الكُبرى التي تعدّها قبائل الهنود في الشمال الشرقي، كما وصفها عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس، أي تلك المناسبات التي يتباهى فيها عِلْية القوم بتبذير المواد إلى حدّ إذلال الآخرين.
يحتاج الترابط بين الطقوس الدينية والاحتفاء والموائد إلى إعادة تفكيك قاسية حتّى لا تتحوّل تلك الطقوس إلى إذلال معمّم للمؤمنين تحت سطوة البضاعة وهيمنة التسليع
خرجت في الأسبوع الفارط مظاهرةٌ في العاصمة عُدَّت الأبرز منذ سنوات، جمعت طيفاً واسعاً من الشباب المناهض سياسات الرئيس قيس سعيّد، وكانوا غير متحزّبين، عموماً، وقد اختاروا شعاراتٍ ذات مضمون اجتماعي، وساروا في شوارع خلفية للعاصمة، فجابوا مسالك مرّت بأحياء شعبية، على غرار باب الخضراء والأسواق والحفصية... إلخ. وكان الشعار الأبرز: "علوش العيد بزوز ملايين، وقيس يعس عالطلاين" (خروف العيد بمليونين، وسعيد يحرس الإيطاليين). وقد ربط هؤلاء بين عاملَين يبدوان بعيدَين، وهما غلاء "علوش العيد" من جهة، وتكفّل السلطات التونسية بحراسة الحدود مع إيطاليا ومنع تسلّل المهاجرين من جهة ثانية. وحرصت على ربط إخفاقَين: غلاء الأسعار وإدارة أزمة الهجرة السرّية.
لقد غدا فك الإسلام، بطقوسه وشعائره تحديداً، عن مجتمع الاستهلاك الرأسمالي صعباً، فقد سلّعت جلّ شعائره وطقوسه: الصوم، الحج، الزكاة، الصلاة، فأُدرجت في مسارات تبضيع معولم، على غرار زرابي الصلاة والمسبحات الإلكترونية، والعمرة وسياحتها الفاخرة، وموائد رمضان وأكلاته المترفة... إلخ. لكنّ هذه الشعائر تحتاج إلى إعادة نظر حقيقية وعميقة وجريئة تعيدها، ما أمكن، إلى مقاصدها الروحية الأولى.
أنثروبولوجياً، نعثر دوماً على ترابط متين بين الطقوس الدينية والاحتفاء والموائد، ولكن قد يحتاج الأمر إلى إعادة تفكيك قاسية حتّى لا تتحوّل تلك الطقوس إلى إذلال معمّم للمؤمنين تحت سطوة البضاعة وهيمنة التسليع.

Related News
وفد عراقي مشترك إلى طهران لبحث الهجمات على كردستان
aawsat
17 minutes ago
8 يونيو موعداً لانعقاد أولى جلسات البرلمان السوري
aawsat
49 minutes ago