Arab
يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه اليوم، وهو يحاول إجبار إيران على الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، في مأزق صنعه بيده عام 2018 خلال ولايته الأولى، عندما قرر الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران لعام 2015، والذي وقعته أيضاً دول بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، ما سمح لطهران بعدما انتهجت سياسة تقليص التزاماتها تجاه الاتفاق تدريجياً، بتخصيب اليورانيوم عند نسبة 60% بكمية تقدر بنحو نصف طن، بعد أن كانت قد تخلت طواعية عن 11 طناً من اليورانيوم منخفض التخصيب، بموجب الاتفاق الذي أبرم في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، عام 2015.
ففي الثامن من مايو/ أيار 2018، وقف ترامب في الغرفة الدبلوماسية بالبيت الأبيض ليعلن للعالم انسحابه من الاتفاق النووي، زاعماً في خطاب استمر لمدة 11 دقيقة أن الاتفاق يسمح لإيران بما يُطلق عليه "الاختراق النووي"، أي إنتاج يورانيوم بنسبة تخصيب تصل إلى 90%. اليوم وبعد أكثر من ثماني سنوات من ذلك التاريخ يضع هذا الانسحاب ترامب في مأزق، ففي الوقت الذي لا تبدو فيه شهيته مفتوحة لاستكمال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تقيّده نتائج هذا الانسحاب بعد أن خصّبت طهران اليورانيوم بالفعل، نتيجة القرار، فيما يكرر حالياً أن هدفه هو منع إيران من تخصيب اليورانيوم وامتلاك سلاح نووي (نسبة تخصيب 90%).
دور نتنياهو في الانسحاب من الاتفاق النووي
ومثلما كان لبنيامين نتنياهو، عندما كان أيضاً رئيساً لحكومة الاحتلال، الكلمة العليا في دفع ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي الذي كان يمنع إيران من تخصيب اليورانيوم (كان سقف التخصيب لا يتجاوز 3.67%) ويضع منشآتها النووية تحت رقابة صارمة من المؤسسات الدولية المتخصصة، خدعه نتنياهو مرة أخرى العام الحالي. وقاده، رغم نفي ترامب وإدارته، إلى حرب أميركية إسرائيلية تحت مزاعم أن طهران على بعد أسابيع من إنتاج قنبلة نووية، تتنافى مع التقديرات الاستخباراتية الأميركية والعالمية، وبأهداف غير واقعية لم تنجح القوة العسكرية الكبرى والأضخم عالمياً في تحقيقها، وسط تقديرات لخبراء عسكريين وسياسيين أن واشنطن تخسر الكثير من هذه الحرب.
في 14 يوليو/ تموز 2015، توصلت الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي أطلق عليه خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) أو الاتفاق النووي الإيراني، واعتُمد رسمياً في 18 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، والذي سمح بتطبيق البروتوكول الإضافي للاتفاق، والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بدورها للتأكد من استخدام إيران المواد النووية لأغراض سلمية. وفي 20 يوليو 2015، تبنى مجلس الأمن هذه الخطة، بموجب القرار رقم 2231. دخل الاتفاق حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2016، وفتحت إيران أبواب منشآتها النووية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأجرت التعديلات اللازمة على برنامجها النووي مع منح الوكالة حق التفتيش، وفي المقابل وافقت واشنطن وحلفاؤها من الدول الأوروبية، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، على رفع العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي. والتزمت إيران بتفاصيل الاتفاق وسجلت حتى عام 2018 مخزونات من اليورانيوم المخصب تقدر بـ123.9 كليوغراماً، وبنسبة تخصيب ثابتة عند 3.67% خاضعة للرقابة الدولية بشكل صارم، وفق إطار زمني كان يمتد حتى عام 2030.
وشحنت إيران في ديسمبر/ كانون الأول 2015، 11 طناً من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا، كجزء من الاتفاق، وهو ما وصفه وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري آنذاك، بأنه من أهم الخطوات التي اتخذتها دولة في منطقة الشرق الأوسط للوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي. كما وافقت إيران آنذاك على "التخلص من مخزونها من اليورانيوم متوسط التخصيب، إضافة إلى الحد من المخزون منخفض التخصيب على مدى الـ15 عاماً المقبلة"، و"ضمان أن يكون برنامجها النووي سلمياً". دافع أوباما في مقابلة بثت قبل أيام على شبكة سي بي أس الأميركية، عن الاتفاق الذي وقعه، والذي يهاجمه ترامب بشكل متكرر، موضحاً أن جهاز الموساد (جهاز الاستخبارات والمهمات الخاصة الإسرائيلي) وأجهزة الاستخبارات الأميركية أكدت نجاح الاتفاق في وقف البرنامج النووي الإيراني بشكل سلمي دون الذهاب لحرب. وأضاف أن "الاتفاق لم يستهدف تغيير النظام (الإيراني) ولم يكن له علاقة بنشاط وكلاء إيران". وقال: "حققنا هدفنا بالفعل، لقد حصلنا على 97% من اليورانيوم المخصب دون إطلاق صاروخ واحد، ولم يكن علينا قتل مجموعة من الناس أو إغلاق مضيق هرمز".
إسرائيل لم تكن راضية عن نجاح الاتفاق الذي أبرم في عهد باراك أوباما
لكن إسرائيل لم تكن راضية عن نجاح الاتفاق، فاستقبل ترامب في الخامس من مارس/آذار 2018، نتنياهو الذي كان حينها رئيساً للحكومة، والذي حرضه على نقض الاتفاق، مقدماً له ما زعم آنذاك أنها وثائق جمعتها الاستخبارات الإسرائيلية عن البرنامج النووي السري في إيران. ثم قبل أيام من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، خرج نتنياهو في مؤتمر صحافي ينشر صوراً يدعي فيها أن إيران تكذب بشأن برنامجها النووي. ومع سيطرة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن وصقور الحرب وعلى رأسهم جون بولتون مستشار ترامب للأمن القومي في ذلك الوقت، أعلن ترامب انسحاباً أحادياً للولايات المتحدة من الاتفاق.
وبانسحاب واشنطن، وإعادة فرضها العقوبات، سرّعت إيران تخصيب اليورانيوم، وحدّت من وصول المفتشين الدوليين إلى منشآتها النووية. تزامن ذلك مع عدة محاولات متكررة لإحياء الاتفاق النووي باءت بالفشل، وكان أحدها من قبل الرئيس السابق جو بايدن (محادثات غير مباشرة مع إيران في فيينا). وبلغت كمية اليورانيوم الإيراني المخصب حتى مارس/آذار 2026 نحو 440.9 كيلوغراماً بنسبة تخصيب 60%، مع وجود كميات أخرى عند مستويات تخصيب مختلفة مثل 20% و5% طبقاً لبعض التقارير. وفي يونيو/ حزيران 2025 شنت واشنطن هجمات عسكرية على المواقع النووية في إيران (وسط عدوان مشترك مع إسرائيل)، وأعلن ترامب أنه تم تدميرها بشكل كامل وأنها تحتاج سنوات لإعادة تشغيلها. ومثلما أقنعت إسرائيل ترامب في فترته الرئاسية الأولى بالانسحاب من الاتفاق عام 2018، زار نتنياهو ترامب في ديسمبر 2025، وفبراير/شباط الماضي، وقدم له خطة تتضمن إسقاط النظام الإيراني والقضاء على البرنامج الصاورخي لطهران، إلى جانب رسومات (توضيحية) حدد فيها أعداد الأكراد (المعارضين) الذين سيعبرون الحدود والمواطنين الإيرانيين الذين سيتظاهرون داخل إيران. وصوّر له أن هذه الحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي، ستكون خطوة إضافية لترسيخ مكانته زعيماً عالمياً بعد اختطاف الجيش الأميركي الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو من كاراكاس، مطلع يناير 2026.
مأزق أهداف الحرب على إيران
في نهاية فبراير أعلن ترامب شن هجمات عسكرية أميركية إسرائيلية على إيران تستهدف إسقاط النظام والقضاء على برنامجها النووي وتدمير البرنامج الصاروخي والبحرية الإيرانية والقضاء على وكلائها في المنطقة. ودعا الشعب الإيراني للاستيلاء على السلطة، معتبراً أنها "لحظة نادرة يلبي فيها رئيس أميركي نداءهم" قبل أن يهاجمهم في مرحلة لاحقة لعدم استماعهم له. بحلول شهر إبريل/ نيسان الماضي، تراجعت جميع أهداف ترامب، بعدما أظهرت تقارير عدم دقة تقديرات الموساد التي فضلها ترامب على تقديرات أجهزة الاستخبارات الأميركية ونصائح مستشاريه بالبيت الأبيض، إلى جانب عدم قدرة واشنطن وتل أبيب على إسقاط النظام في إيران ولا القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني. واعتبر أن هدفه من هذه الحرب هو فقط "منع إيران من الحصول على سلاح نووي".
وتزامن ذلك مع استخدام إيران ورقة مضيق هرمز، والتحكم بحركة السفن فيه، ما أدى لإغلاق أهم ممر للملاحة في العالم والذي يمر منه أكثر من 20% من النفط والغاز العالمي. وقد امتد هذا التأثير إلى أسعار الوقود في الولايات المتحدة مما جعل هذه الحرب غير شعبية (مرفوضة) لدى جزء من الأميركيين، وذلك مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني، لتجديد جميع مقاعد مجلس النواب الـ435، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ الـ100. في الثامن من إبريل الماضي، أعلن ترامب عن وقف مؤقت لإطلاق النار مع إيران، لمدة أسبوعين للوصول إلى اتفاق بينهما بوساطة باكستانية. وهدد خلال هذين الأسبوعين بإعادة طهران إلى العصر الحجري مع تهديدات بتدمير البنية التحتية والجسور ومحطات الكهرباء والطاقة إذا لم تستجب إيران لمطالبه. لكن لم تفلح التهديدات المتكررة في إجبار إيران على الخضوع لمطالب واشنطن. ومع رفضه تمديد الهدنة بشكل رسمي، فرض ترامب حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في هرمز، فيما لا يزال يهدد بالتصعيد إذا لم يتم إبرام اتفاق يرضيه.
يصر ترامب وفريقه على عدة مطالب رئيسية، بعضها يسمح بإعادة الأمور على الأقل إلى ما قبل الانسحاب من اتفاق عام 2018
ويصر ترامب وفريقه على عدة مطالب رئيسية، بعضها يسمح بإعادة الأمور على الأقل إلى ما قبل الانسحاب من اتفاق عام 2018، أولها الحصول على ما يقارب نصف طن من اليورانيوم المخصب عند 60% الذي تم تخصيبه عند هذه النسبة وبهذه الكمية بسبب الانسحاب من الاتفاق. وثانيها إطار زمني أطول من مدة الـ15 عاماً في اتفاق 2015. أما ثالثها فوقف التخصيب، لأن موافقة إيران على هذا الشرط ستمكنه -بطريقته- من تسويق أنه نجح في إضافة شرط لم يكن ضمن اتفاق أوباما. وآخرها أن تذكر إيران صراحة أنها لن تمتلك سلاحاً نووياً. ولا توافق إيران على شروط إدارة ترامب، ما يضع الأخيرة في ورطة لأن أي شروط أخرى غير هذه الشروط، لا تسمح لترامب بأي مخرج. وبالتالي تضع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ترامب في مأزق، فمن ناحية لا يستطيع إنهاءها من دون اتفاق لإغلاق طهران مضيق هرمز وإعلانها تحكمها في مرور السفن به، كما لا يستطيع -حتى هذه اللحظة- إنهاء هذه الحرب بالاتفاق فقط على فتح المضيق وإنهاء الحصار على السفن الإيرانية وتأجيل الملف النووي، وذلك لأنه سيصطدم بكمية اليورانيوم المخصب التي تسبب فيها هو شخصياً بانسحابه من الاتفاق النووي.

Related News
طرق المثقف
alaraby ALjadeed
3 minutes ago
ترمب: لن أصبر كثيرا على إيران
aawsat
10 minutes ago
أسطول جديد ينطلق من تركيا لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة
france24
15 minutes ago