عن خطف النساء السوريات
Arab
1 hour ago
share
في سورية اليوم، لا يبدو اختفاء النساء حادثةً أمنيةً فقط، بل يبدو كأنه التعبير الأكثر صدقًا عن شكل البلاد نفسها. فالبلاد التي يختفي فيها القانون، يختفي فيها الناس أيضًا. والبلاد التي تُدار بالخوف، تتحول فيها المرأة إلى الكائن الأكثر هشاشةً، لأن السلطة المرتبكة تبدأ دائمًا من الجسد الذي تستطيع السيطرة عليه بسهولة. ولهذا، حين تتصاعد قصص اختفاء الفتيات، والخطف، والانتهاكات الجنسية، لا يمكن التعامل مع الأمر كأنه مجرد انفلات أمني عابر. إنها علامة سياسية أيضًا. علامة على طبيعة المجتمع الذي يُعاد تشكيله أمامنا، وعلى نوع السلطة التي تُبنى، وعلى صورة المرأة التي يُراد لها أن تعيش داخل هذا الشكل الجديد من سورية. في السويداء، خرجت شهاداتٌ وتقاريرُ عن انتهاكات جنسية واعتداءات على نساء خلال الأحداث الأخيرة. قابلتُ بعضهن، رأيتُ كيف زُرع القلق في أحداقهن. وفي الساحل، يكبر الخوف حول اختفاء الفتيات بطريقة تشبه الكوابيس التي لا يجرؤ أحد على تسميتها كاملةً. لكن الفضيحة السورية الحقيقية ليست فقط في الجريمة نفسها، بل في هذا الصمت الواسع الذي يحيط بها. في المجتمعات السليمة، تهزّ جريمةٌ واحدة ضميرَ البلاد. أما في سورية، فقد أصبح على المرأة أن تختفي مرتين كي يلتفت أحد: مرةً حين تُختطف، ومرةً حين تُمحى قصتها داخل الضجيج السياسي والطائفي والإعلامي، والخلاف الديني بين معنى السبي والخطف. وكأن المرأة السورية لا تستحق العدالة بوصفها إنسانًا، بل فقط حين تصلح قصتها للاستثمار السياسي. وهنا تحديدًا تتكشّف البنية الحقيقية للعنف في سورية. العنف ليس فقط رصاصةً، أو خطفًا، أو اغتصابًا. العنف هو تحويل المرأة إلى كائن فاقد الحضور السياسي والأخلاقي الكامل. إلى كائن يُسمح له أن يتألم، لكن لا يُسمح له أن يشارك في تعريف البلاد. لهذا لا يبدو تغييب النساء عن المشهد السياسي اليوم تفصيلًا إداريًا أو خللًا عابرًا في التمثيل. إنه جزء من رؤية كاملة للمرأة. في مجلس الشعب، يبدو حضور النساء هزيلًا بصورة لا تشبه أبدًا حجم النساء الحقيقي في المجتمع السوري. وفي المجال العام، يتصاعد خطابٌ دينيٌّ واجتماعيٌّ يُعيد المرأة تدريجيًا من مواطِنة إلى "موضوع أخلاقي" يجب تنظيمه. حتى الفضاءات العامة لم تعد بريئة. في بعض المحاضرات والأنشطة، توضع لافتاتٌ تحدد "مكان النساء"، وكأن البلاد بعد كل هذا الخراب لم يبقَ لديها ما تفكر فيه سوى كيفية ترتيب النساء داخل القاعات. لكن المسألة أعمق من مجرد مقاعد منفصلة. إنها محاولة لإعادة تعريف المرأة السورية داخل الوعي العام. أي أن تكون المرأة "مقبولة" فقط حين تكون صامتةً، محتشمةً، بعيدةً عن القرار، غير مُزعجة سياسيًا، وغير مرئية أكثر من اللازم. وهذا بالضبط ما تفعله السلطات الهشّة دائمًا. حين تعجز عن بناء دولة عادلة، تبدأ ببناء نظام أخلاقي صارم حول النساء. تراقب أجسادهن بدلًا من مراقبة الفساد. وتناقش لباسهن بدلًا من مناقشة القانون. وتحدد أماكن جلوسهن بينما البلاد نفسها بلا مكان آمن. يا للسخرية. في بلد اختفى فيه آلاف البشر في السجون، وصارت فيه الأمهات يعرفن أبناءهن من صور الجثث، ما يزال بعض الخطاب الديني والاجتماعي يتعامل مع المرأة باعتبارها الخطر الأكبر على المجتمع. أيُّ مجتمع هذا الذي يخاف من المرأة أكثر من خوفه من الظلم؟ ثم تأتي الفضيحة الأكثر مرارةً: ذلك الصمت الذي مارسته بعض الأصوات النسوية تجاه قضايا الخطف والانتهاكات. كأن بعض النسوية العربية لم تعد معنيّةً بالمرأة نفسها، بل بالصورة السياسية التي يجب الحفاظ عليها. فإذا تعارض وجعُ امرأةٍ مع السردية المفضّلة سياسيًا، جرى تليين الألم، أو التشكيك به، أو دفنه تحت طبقات من التبرير البارد. وهكذا تجد المرأة السورية نفسها وحيدةً حتى داخل قضيتها. وحيدةً أمام الخاطف. وأمام المجتمع. وأمام السلطة. وأحيانًا… أمام النساء أيضًا. لكن أخطر ما في الأمر كله، أن سورية تبدو اليوم كأنها تُعيد إنتاج الاستبداد بلغة جديدة فقط. فالاستبداد أحيانًا يبدأ من الطريقة التي يُنظر بها إلى المرأة. من تحويلها إلى كائن تحت الوصاية. ومن إقناعها تدريجيًا بأن حضورها الكامل في السياسة والفكر والحياة العامة أمرٌ زائد عن حاجة البلاد. لكن البلاد التي تعتبر المرأة تفصيلًا زائدًا… تتحول هي نفسها إلى خطأ تاريخي كامل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows