غزة ولبنان: كيف يدفع الصحافيون ثمن نقل الحقيقة؟
Arab
1 hour ago
share
بين غزة ولبنان، لا يمكن قراءة المشهد الإعلامي بوصفه نشاطاً مهنياً محايداً، بل باعتباره امتداداً مباشراً لبنية الصراع الإقليمي وتوازنات القوة في شرق أوسط تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع الهندسة السياسية للإدراك العام. فالمعلومة هنا ليست مجرد خبر، بل عنصر داخل معادلة أوسع من "إدارة الرواية"، حيث تتنافس الفاعليات الدولية والإقليمية على احتكار تفسير الحدث، وتوجيه معناه، وتحديد نطاق ما يُرى وما يُخفى. في هذا السياق، تتحول الصحافة من وظيفة نقل إلى ساحة اشتباك رمزي، تُمارَس فيها القوة عبر السرد لا عبر السلاح فقط، وعبر التأطير الإعلامي لا عبر الحدث ذاته. فغزة، بما تمثله من حالة حصار مستمر وصراع مفتوح، تُنتج نموذجاً مكثفاً لـ"الإعلام تحت النار"، حيث تتقاطع الاستهدافات الميدانية مع محاولات السيطرة على الصورة والرواية في آنٍ واحد. أما لبنان، بما يحمله من تشابك سياسي داخلي وتداخل إقليمي، فيقدم نموذجاً آخر لـ"تعدد السرديات"، حيث لا تُفرض الرواية بالقوة المباشرة فقط، بل تُعاد صياغتها عبر الاصطفافات السياسية، والتمويل الإعلامي، والاعتبارات الأمنية. ضمن هذا المشهد، لا يعود الصحافي مجرد ناقل للواقع، بل يصبح فاعلاً غير مباشر داخل بنية الصراع على الشرعية. فكل تقرير، وكل صورة، وكل شهادة، تدخل في دائرة التأويل السياسي، وتُستخدم أو تُعاد قراءتها ضمن صراع أوسع على تشكيل الوعي الجمعي. وهنا تحديداً تتجلى الإشكالية المركزية: كيف يمكن نقل الحقيقة في فضاء تُعاد فيه هندسة الحقيقة نفسها باستمرار وفق موازين القوة؟ إن الحديث عن ثمن نقل الحقيقة في غزة ولبنان ليس حديثاً عن المخاطر المهنية فقط، بل عن موقع الصحافة داخل نظام عالمي غير متكافئ في إنتاج المعرفة وتوزيعها؛ نظام تُقاس فيه قيمة الخبر أحياناً بمدى توافقه مع السرديات المهيمنة، لا بمدى قربه من الواقع. ومن هنا تنشأ المفارقة القاسية التي يعيشها الصحافي: أن يؤدي وظيفة الشهادة في بيئة تُصعّب أصلاً الاعتراف بالشهادة نفسها، أو تُخضعها للتأويل السياسي قبل أن تكتمل. لم يعد العمل الصحافي في هذا السياق مجرد ممارسة مهنية ضمن حق دستوري في حرية التعبير، بل تحوّل إلى فعل سياسي بالمعنى البنيوي للكلمة: إنتاج للمعنى داخل بيئة تتنازعها الدعاية الحربية، وإدارة الإدراك العام، وهندسة الوعي الجمعي. فالحقيقة هنا ليست مجرد معطى يُنقل، بل ساحة صراع بين سرديات متنافسة: سردية الدولة، وسردية المقاومة، وسردية المجتمع الدولي، وسردية الضحية التي تتكاثر وجوهها بتكاثر النار.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows