Arab
لا يمكن فصل افتتاح معرض الدوحة الدولي للكتاب، اليوم الخميس، عن سياقه المحلي والإقليمي، إذ تشهد المنطقة تراجعاً حاداً في المناسبات الثقافية أمام ضغط الأحداث السياسية الراهنة. ولعل هذه الدورة الخامسة والثلاثين من المعرض التي انطلقت في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، هي المناسبة الثقافية الكبرى الأولى التي تُقام في الخليج العربي منذ اندلاع الحرب الأخيرة، وقد افتتحها رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وهو ما يجعل انعقادها بهذا الحجم رسالة في ذاتها، سواء قُرئت بوصفها إصراراً على استمرار الحياة الثقافية، أو إعلاناً بأن الكتاب لا يزال حاضراً حين تغيب أشياء كثيرة أخرى.
وفي تصريحات سابقة، قال غانم العلي، وكيل وزارة الثقافة القطرية، إن "قطر تولي المعرض اهتماماً استثنائياً في ضوء الظروف الراهنة، لما يمثله من رافد أساسي في نشر الثقافة والمعرفة". وفي السياق، أكد مدير المعرض جاسم البوعينين، أن الدورة الحالية "تأتي في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة"، مضيفاً أن الظروف الاستثنائية لم تزد المنظمين إلا إصراراً على التمسك بالرسالة الحضارية للمعرض.
تشارك في هذه الدورة 520 دار نشر من 37 دولة عربية وأجنبية
وقد اتخذت الدورة الحالية موقفاً جريئاً. ففي العادة يفضل تأجيلها حتى انجلاء الأحوال السياسية، إلا أنها جاءت شبه خالية من حضور عربي فاعل، لا أسماء كبرى في الندوات، ولا محاور فكرية تليق بلحظة تعيش فيها المنطقة أزمة كبرى. البرنامج الثقافي المصاحب بدا كأنه صُمّم لمعرض من نوعٍ آخر لا لمعرض كتاب: ورش عن بناء العلامة الشخصية، وجلسات عن إتيكيت التحدث والإلقاء، ومحاضرات في الكاريزما القيادية وأنماط الشخصية، وأخرى عن توظيف الفكر الإبداعي في العمل المؤسسي. وحتى الجلسات التي حملت عناوين أدبية من قبيل: "كيف تكتب القصة القصيرة" ظلّت أقرب إلى حصص تدريبية منها إلى نقاش أدبي حقيقي.
520 دار نشر
وتستمر فعاليات معرض الكتاب حتى الثالث والعشرين من الشهر نفسه. تشارك في هذه الدورة 520 دار نشر من 37 دولة عربية وأجنبية، موزعة على 910 أجنحة، وتُعرض أكثر من مليون وثمانمئة وخمسين ألف نسخة تضم 231 ألف عنوان، مع تدشين 143 كتاباً جديداً، وتنظيم 46 جلسة حوارية، و69 ورشة عمل، وأكثر من أربعين ندوة على المسرح الرئيسي. ويصف القائمون على المعرض هذه النسخة بأنها الكبرى في تاريخ معارض الكتاب بالدوحة.
ومما يلفت الانتباه أن هذه الدورة تنعقد من دون تحديد ضيف شرف، وهو تقليد درج عليه المعرض منذ عام 2010 حين استضاف الولايات المتحدة، ثم توالت دول من بينها تركيا وإيران واليابان وبريطانيا وألمانيا وروسيا وفرنسا والسعودية وسلطنة عُمان، وكانت فلسطين ضيف شرف الدورة الرابعة والثلاثين الأخيرة.
على جري عادته، من المنتظر أن يخصص المعرض جملة من الفعاليات الثقافية التي تشمل ندوات ومحاضرات وورش عمل في مجالات متعددة، على مدار يفتح ساعات عمله من التاسعة صباحاً إلى العاشرة مساءً طوال أيام الأسبوع، ويوم الجمعة من الثالثة عصراً.
البرنامج الثقافي
وتتقاسم عدة أماكن لإقامة الندوات والورش، ومنها على المسرح الرئيسي ندوة "ذاكرة الأدب ونصّه الحي" تكريماً للكاتب القطري أحمد عبد الملك الذي رحل في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي. وشملت إصداراته مجالات النثر الفني، والقصة القصيرة، والنصوص المسرحية، وضمنها "رسالة إلى امرأة تحترق"، و"مهاجر إلى عينيك"، و"شيء من الهمس"، و"الغرفة 405"، و"أوراق نسائية"، و"امرأة الفصول السريعة"، إلى جانب "المعري يعود بصيراً"، و"مدينة القبور"، و"لطائف الكلام"، إضافة إلى "وشوشات الروح"، و"نوافذ على شرفة الروح" و"عذابات غزة" و"عندما تغادر الأشرعة"، وقد عبّرت هذه الأعمال عن انشغاله بالذات الإنسانية وهواجسها النفسية والاجتماعية. كما تعقد ندوة بعنوان "تعريب العلوم الحديثة والتقنيات المتطورة: رؤى وجهود"، وفي الصالون الثقافي كذلك لقاءات وتدشين إصدارات جديدة.
وبدأت باكورة لقاءات الصالون في اليوم الأول من المعرض مع ندوة بعنوان "البعد الثقافي في الدراما المسرحية"، وشارك فيها الكاتبان القطريان حسن رشيد ومرزوق بشير. وضمن الفعاليات المصاحبة لهذه الدورة، يُقدَّم أوبريت "فتح الخير" يوم السبت 16 مايو/ أيار، على مسرح المياسة في مركز قطر الوطني للمؤتمرات.
الكتابُ لا يزال حاضراً حين تغيب أشياء كثيرةٌ أخرى
ومن أبرز ما تتضمنه هذه الدورة جائزة معرض الدوحة الدولي للكتاب في فروعها الثلاثة: الناشر القطري، والمؤلف القطري، والمؤلف الدولي، فضلاً عن مشاركة واسعة من دور النشر العربية والأجنبية وسفارات الدول المختلفة. ويُولي المعرض في هذه الدورة اهتماماً لافتاً بالأطفال والناشئة، إذ تُخصَّص لهم مساحة موسّعة تجمع أبرز دور نشر كتب الطفل، وتتضمن فعاليات تفاعلية تستهدف إبراز المواهب وتعزيز القراءة، كما يواصل البيان.
كما افتتح معرض صور فوتوغرافية ضم الأعمال الفائزة في مسابقة "اقرأ" التي تشرف عليها وزارة الثقافة، يشارك فيها مصورون محليون وعرب وأجانب، وموضوع الصور دائماً لقطات يظهر فيها طرفان الإنسان والكتاب.
وأطلقت وزارة الثقافة القطرية مبادرة المكتبة المتنقلة، التي تجوب مناطق الدولة في جولات ميدانية، تشمل اثنتي عشرة مدرسة وست عشرة حديقة عامة، إلى جانب الأحياء والشوارع الحيوية، بهدف نقل أجواء المعرض إلى قلب المجتمع قبل انطلاقه. والمعرض الذي انطلق عام 1972، بمشاركة عشرين داراً فقط تحت إشراف دار الكتب القطرية، تضاعفت مشاركاته ستاً وعشرين مرة خلال أربعة وخمسين عاماً، وتحول من فعالية تُعقد كل عامين إلى موعد سنوي ثابت منذ 2002.

Related News
البديوي: المرحلة تفرض «تكاملاً عملياً» لمواجهة التحديات
aawsat
10 minutes ago