روّاد بحر صور... إصرارٌ على الحياة رغم الغارات جنوبي لبنان
Arab
1 hour ago
share
يعكس شاطئ صور في جنوب لبنان، مشهداً حقيقياً لشعب لم يعرف يوماً كيف يختار بين الحياة والحرب، فاضطر إلى العيش بهما معاً. وبالرغم من الهدنة الهشّة استعادت المدينة روّاد بحرها، من دون أن تردعها الغارات عن مواصلة الحياة. على شاطئ صور، جنوبي لبنان، يبدو المشهد، بالنسبة إلى كثيرين، كأنّه خارج قليلاً عن المنطق، أو أقرب إلى مشهد سريالي لمَن يزور المدينة للمرة الأولى هذه الأيام. روّاد البحر يمضون نهارهم بشكل طبيعي تقريباً، فيما يُسمع القصف الإسرائيلي من القرى المجاورة، والطائرات الحربية تشقّ السماء فوق رؤوسهم بين الحين والآخر. أطفال يركضون حفاة فوق الرمل الساخن، شبّان يلعبون لعبة "الراكيت" قرب المياه، نساء يوزّعن القهوة والطعام تحت المظلات، وأصوات الضحك ترتفع قبل أن يقطعها فجأة دوي غارة إسرائيلية بعيدة، أو ذلك الطنين الحادّ لمسيّرة إسرائيلية لا تكاد تغادر الأجواء. أحياناً، يرفع بعض الجالسين رؤوسهم للحظة، ينظرون نحو جهة إحدى البلدات الجنوبية التي أصابتها غارة، أو يحاولون التقاط لمحة سريعة للطائرات والمسيّرات، ثم يعودون إلى أحاديثهم كأنّ شيئاً لم يكن، ليس لأنّ الخوف غاب، بل لأنّ الحياة هنا تعلّمت منذ سنواتٍ طويلة أن تسير بمحاذاة الخوف، لا خارجه. بالنسبة إلى أهل صور، ربّما هذا هو المشهد الأكثر حقيقة للمدينة الجنوبية الساحلية. مشهدٌ يشبه الجنوب نفسه؛ ذلك المكان الذي لم يعرف يوماً كيف يختار بين الحياة والحرب، فاضطرّ إلى العيش بهما معاً. هنا، لا تتوقف الحياة بالكامل حتى في أكثر اللحظات قسوة. المقاهي تفتح أبوابها، الناس تنزل إلى البحر، الأولاد يسبحون، والعائلات تفرش طعامها على الرمل، فيما تدور أخبار الغارات والشهداء في الأحاديث نفسها، بين فنجان قهوة وآخر. ومع ما يُشبه الهدنة الهشّة، عاد كثير من أبناء صور إلى مدينتهم. صحيح أن المدينة لم تفرغ يوماً بالكامل خلال الحرب، لكنها استعادت في الأيام الأخيرة شيئاً من إيقاعها المعتاد. المقاهي على الكورنيش استعادت زبائنها تدريجياً، وباعة الذرة والعصير عادوا إلى أماكنهم المعروفة، فيما بدأ شاطئ المدينة يستقبل روّاده بالتزامن مع الاستعدادات لافتتاح الموسم الصيفي في البلاد، ولو على وقع الغارات الإسرائيلية التي لا تزال تُسمع من القرى المحيطة. عاد الناس إلى البحر قبل حلول فصل الصيف، لا بوصفه فعل تحدٍّ كبير أو بطولة مُعلنة، بل لأنّهم يعودون مع ارتفاع درجات الحرارة إلى المكان الوحيد الذي ما زال يمنحهم شعوراً طبيعياً بالحياة، إلى عاداتهم القديمة، وإلى الجزء الأكثر ثباتاً في مدينة تغيّرت فيها أشياء كثيرة خلال الأشهر الماضية. في صور، البحر ليس تفصيلاً عابراً، ولا مجرد مساحة للترفيه الصيفي، هو ذاكرة المدينة نفسها، يكفي أن يُذكر اسم صور حتى يحضر ذلك الشاطئ الطويل في المخيّلة، بخِيمِه الرملية، والكورنيش البحري، والعائلات التي تمضي الصيف كله تقريباً قرب الماء. علاقة أهل المدينة بهذا البحر ليست علاقة موسمية أو سياحية فحسب، بل علاقة عمر كامل. هنا تعلّم كثيرون السباحة للمرة الأولى، وهنا أمضوا طفولتهم ومراهقتهم، وعاشوا قصص الحب الأولى، ووجدوا دائماً مساحة للهروب من حرّ الصيف وضيق البيوت وانقطاع الكهرباء، وها هم اليوم يعودون إليه بوصفه المتنفّس الوحيد من إيقاع الحرب الثقيلة. وفي بعض اللحظات، يبدو التناقض صارخاً إلى حدّ مربك. صوت انفجار يأتي من جهة إحدى القرى الحدودية، فيما يركض طفل خلف كرة قرب المياه. شابٌّ يرفع صوت الموسيقى من هاتفه المحمول، بينما تمرّ طائرة حربية في السماء. رجالٌ ونساءٌ يجلسون تحت المظلات، يتبادلون أخبار الحرب والنزوح والبيوت المهدّمة، ثم ينتقل الحديث فجأة إلى الذكريات والصيف والبحر. على الشاطئ، تبدو الحياة وكأنها تُصرّ على الاستمرار رغم كلّ شيء. عائلات كاملة تُحضر معها الطعام من المنزل، وبرادات المياه، والفواكه، والقهوة، وألعاب الأطفال، وتمضي ساعات طويلة قرب البحر. بعضهم يقول إنّ البقاء داخل المنازل لم يعد يُحتمل أصلاً، خصوصاً أن أصوات القصف تُسمع هناك أيضاً، وأن الخوف نفسه يلاحقهم أينما ذهبوا. تقول زينب دبوق التي قصدت الشاطئ برفقة أولادها الثلاثة: "إذا بقينا خائفين داخل المنازل، فماذا يبقى للأطفال؟ هم يريدون أن يعيشوا، ولا ذنب لهم في كل ما يحدث". كانت تجلس على كرسي بلاستيكي صغير، تراقب أبناءها وهم يركضون نحو المياه، فيما كانت تتفقد هاتفها بين لحظة وأخرى لمتابعة أخبار الغارات والإنذارات. تضيف لـ"العربي الجديد": "أشعر بالقلق طبعاً، لكنّني لا أريد أن أظلم أولادي. أحاول أن أُخفّف عنهم قليلاً، حتى وإن كنتُ أتابع الأخبار طوال الوقت". غير بعيد عنها، كان طفلان يحاولان طمر شقيقهما الأصغر بالرمال، وهما يضحكان بصوت عالٍ، فيما كان عدد من المراهقين يقفزون نحو المياه غير آبهين بشيء. وعلى طرف الشاطئ، كان رجل أربعيني يركض بمحاذاة البحر. يقول لـ"العربي الجديد" إنّه نزح إلى بيروت خلال الأشهر الماضية، لكنّه عاد فور هدوء القصف نسبياً. يضيف، وهو يلتقط أنفاسه: "لم أستطع تحمّل البُعد عن صور، حتى البحر هناك لم يكن يشبه بحر مدينتنا". ويستقبل شاطئ صور الرملي، الذي يضمّ عشرات الخيم، آلاف الزوار يومياً خلال فصل الصيف، ترتفع أعدادهم في عطلات نهاية الأسبوع. ولا يقتصر الروّاد على أبناء المدينة، إذ يقصد الشاطئ أشخاص من بيروت ومناطق لبنانية مختلفة، إضافة إلى المغتربين الذين يشكّلون جزءاً أساسياً من ذاكرة الصيف في صور، ويعود كثير منهم كل عام خصيصاً من أجل هذا البحر. يقول مصطفى إبراهيم، وهو من أبناء المدينة، إنّ الموسم الصيفي تأخر هذا العام بسبب الوضع الأمني، لكن الناس سرعان ما عادت إلى الشاطئ. "بدأنا ننزل يومياً تقريباً. أهل صور لا يستطيعون تخيّل الصيف من دون البحر"، يتابع مصطفى وهو يراقب روّاد البحر. ويضيف لـ"العربي الجديد": "حتى خلال أصعب الفترات، كان الناس يقصدون الكورنيش البحري للمشي. فالبحر بالنسبة إلينا ليس رفاهية، بل جزء من حياتنا اليومية". أمّا علي سلمان، الذي قصد البحر برفقة ابنه الصغير منذ ساعات الصباح، فيقول لـ"العربي الجديد" إنّ البحر بالنسبة إليه جزء من التربية نفسها، وفيما كان الطفل يجرّ عوامته الملوّنة نحو الماء، كان علي يردّد القول: "عشتُ طفولتي هنا، واليوم يعيش ابني الأمر نفسه. أردتُ أن يرتبط بهذه المدينة كما ارتبطنا نحن بها، رغم كل ما يحدث حولنا". ويتابع بغصّة: "لا أحد يعتاد الحرب فعلاً، لكن الناس هنا تحبّ الحياة، وتعشق البحر. وعندما تُتاح لهم فرصة صغيرة للحياة، يتمسّكون بها على الفور". في صور، لا يبدو الذهاب إلى الشاطئ فعلاً استثنائياً، حتى في زمن الحرب. كأنّ أهل المدينة كلّما ضاقت بهم البلاد أكثر يعودون تلقائياً إلى البحر، إلى المكان الوحيد الذي ما زال يُشبههم كما هو. البحر الذي، رغم المسيّرات والغارات والخوف، ما زال قادراً على جمع الناس حوله، ولو لساعاتٍ قليلة، كي يتذكّروا أنّ الحياة لم تتوقف بالكامل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows