Arab
يبدو الإعلام اللبناني في وادٍ، وواقع الحرب وقسوته في وادٍ آخر. تنشغل التلفزة التقليدية اللبنانية بحسابات الربح والخسارة بين الأطراف في تبسيط لواقع معقّد يصعب تفكيكه أو الإلمام بتفاصيله. تحكم الضبابية حياة اللبنانيين في كلّ مستوياتها: "بالنسبة لبكرا شو؟"... ولا أحد قادر على الإجابة عن هذا السؤال. في الإعلام، تجاذب تبسيطي بين طرفي ثنائية تتغذّى بعضها من بعض، تختصر أبشع مشاهد الواقع اللبناني وتلغي إنسانيته التي نجحت في احتواء أعتى الأزمات حتى الآن. خطاب تخويني يستند إلى رؤية رومنسية للمقاومة باعتبارها فعل انتحار غير محسوب، يقابله خطاب يروّج السلام مع إسرائيل، وكأنّه شربة ماء ستعيد عقارب الساعة إلى ماضٍ محته آلة الحرب الإسرائيلية الوحشية. في الوقت نفسه، يناقش الإعلام الإسرائيلي مسألة ما يسمّى بـ"إسرائيل الكبرى" موضوعاً عادياً، أسوة بتطبيع التعاطي مع عمليات الاستيلاء على الأراضي في الضفّة الغربية على أيدي عصابات المستوطنين.
يسيطر خطابان في الإعلام اللبناني، تخويني برى في المقاومة انتحاراً، يقابله خطاب يروّج السلام مع إسرائيل، وكأنّه شربة ماء ستعيد عقارب الساعة إلى ماضٍ محته آلة الحرب الإسرائيلية
خارج هذَين الخطابَين المسيطرَين على هواجس الإعلام اللبناني، يوميات من القهر والغضب والخوف من المستقبل، لا تزال خجولةً أو مهذّبةً في المعالجة، وكأنّ الإعلام لا يريد الخوض في قسوتها أو الاعتراف بها. ذلّ التهجير القسري والتشريد ومرارة الفقد من تجريف قرى بكاملها وتحويلها إلى أماكن غير قابلة للحياة، ومعها محو الذاكرة والتاريخ الجمعي والعائلي والفردي. حصد تحقيق لموقع إخباري حول تأييد السلام مع إسرائيل ردّات فعل واسعة، إذ علّقت إحداهن بأنّها تريد السلام مع إسرائيل حتى تتمكّن من السهر والرقص (بارتي) في إسرائيل، خصوصاً أنّ الأخيرة، في رأيها، تحترم النساء. لعلّ الصبية، التي نالت قدراً من التنمّر، لا تعي أنّ ثقافة الـ"بارتي"، ومعها وهم القدرة على الاستمرار، مهما كانت الأوضاع سيئةً، انتهت. وقد يكون من الأفضل ألّا تعود.
أمّا عن احترام النساء، فبحسب وكالة الأمم المتحدة للنساء، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 38 ألف امرأة وفتاة في غزّة منذ "7 أكتوبر" (2023)، بمعدّل نحو 47 امرأة وفتاة يوميّاً. في المقابل، حول الخطاب الثاني الشهداء إلى "سعداء" ينعمون بهناء الجنّة باعتبار أنّ موتهم هو "ترقية" حصلوا عليها مقابل الشقاء الذي عاشوه في أرض تحوّلت عنوةً إلى ساحة للحرب. في التهليل لسلام وهمي مع دولة إبادة، وفي رفض الاعتراف بالخسارة، ومنع الضحايا من التعبير عن خسارة لا يمكن تعويضها، بتهمة الخيانة أو الارتهان للعدو، يرقص الطرفان على جثث الضحايا التي سقطت (وتسقط)، والبيوت التي تهاوت (وتتهاوى) مثل صناديق "الكرتون" في مشهدية رعب، ووحشية سادية، قد يصعب التعافي من أثرها. يقول لي صديق من الطائفة الشيعية، المعنية بالدرجة الأولى بالحرب باعتبارها ضحيتها الأولى، إنّه "منكمش" على نفسه بعدما باتت الحرب الدائرة في الإعلام، كما في السياسة والاجتماع، بين الخطابين حاجزاً في وجه قدرته على التعبير عن أيّ موقف مختلف. عندما يحلّ الخوف، لا مكان للاختلاف.
يعيد واقع الانقسام الحادّ ما طرحته المنظّرة السياسية شانتال موف حول النزاعات التنافسية التي تقوم على التحاور مع الآخر بوصفه خصماً لا عدوّاً. ترى أستاذة النظرية السياسية البلجيكية أنّ هذا النمط من التعدّدية التنافسية هو نموذج لديمقراطية يُقبل معها الصراع على السلطة والانقسامات بوصفها سمةً ثابتةً للحياة السياسية، لا مشكلةً يجب معالجتها. وبذلك، لا تهدف السياسة الديمقراطية إلى التوصّل إلى إجماع عقلاني نهائي متوافق عليه بين الأطراف، بل إلى تنظيم الصراع بين الخصوم الشرعيين. قد لا ينطبق هذا التوصيف، وهو معني أساساً بالديمقراطيات الغربية المستقرّة حيث مؤسّسات الدولة فاعلة، على الواقع اللبناني، إذ يمتلك أحد الأطراف قدرةً عسكريةً ونسقاً تنظيمياً تجاوزا الدولة، وساهما في إلغائها. إلا أنّ الاعتراف بالآخر خصماً، لا عدوّاً، هو شرط حتمي لأيّ تعايش في الاختلاف، وهو يفترض بالضرورة مساحةً في الإعلام لتلك التعدّدية تفترض تمثيل الآخر باعتباره خصماً لا عدوّاً، رغم حدّة الاختلاف الذي قد لا يسمح بأيّ توافق في المستقبل. فعل التبسيط، وما يرتبط به من شيطنة في الإعلام القديم والجديد، يصبحان أكثر خطورةً عندما يتجاوز الفاعل السياسي الاستهداف لمجموعة بكاملها، وهو في ذلك امتداد لعمليات نزع الإنسانية التي شاهدناها (ونشاهدها) في الحرب على غزّة وفي تغطيتها الإعلامية.
أمام الإعلام تحدّي البحث عن خطاب بديل، بما لا يلغي الآخر
اقترح، أخيراً، الكاتب والأكاديمي زياد ماجد مقاربةً سمّاها "الخطّ الثالث" للخروج من الاصطفاف، ونالت المبادرة نقداً باعتبارها عودة إلى وسطية لم تنتج سوى ميوعة وضبابية، وإضعاف لمؤسّسات الدولة. واعتبر آخرون أنّ ما اقترحه مجرّد تنظير ثقافي نخبوي غير واضح المعالم، ولا يعني من يتعرّضون لضغوط واقع الحرب المعاش وللاهتراء السياسي والاجتماعي والاقتصادي الناتج منها، وهم الذين يدفعون ثمنه. ولعلّ "الطريق الثالث" المنشود، في حال كانت بلورته ممكنةً خارج الشعارات، يبدأ عبر فتح شاشات التلفزة برامجها الحوارية لنقاش ما قد يكون خياراً بديلاً يكسر حالة الاصطفاف. ليس من باب التذاكي أو التكاذب أو تلميع الاختلافات الحادّة، بل بالتعبير عن هذه الاختلافات بصورها المختلفة، من دون تهذيب، ولكن برفق يحترم بالدرجة الأولى بؤس الناس ومعاناتهم ويسمح لهذا الشقاء أن يعبّر عن نفسه بالحزن الذي يستحقّه، باعتباره خسارة وطنية للجميع، بعيداً من أدبيات التطبيل أو التحريض والشتيمة، وأحياناً الشماتة.
في خضمّ معارك التخوين والشيطنة، على عاتق الإعلام تحدّي البحث عن خطاب بديل، بما لا يلغي الآخر، بل يسمح بالحوار معه، أو أقلّه القبول بوجوده، والاستماع له، بعدّه خصماً، حتى ولو كانت القلوب، أو الذاكرة، أو المخاوف، أو جميعها، تراه عدوّاً، لتفتح البرامج الحوارية وغيرها من المنصّات الإعلامية الباب أمام حزن الناس وغضبها كما هو، من دون كبت البكاء على الخسارة، ومن دون استخدام هذه التعبيرات لصالح خطاب سياسي تحريضي بات ممجوجاً. تستحقّ هذه الأصوات الاستماع إليها والاعتراف بإنسانيتها، من دون أن تلغي إنسانية غيرها.

Related News
واشنطن ورهان الطاقة الليبي
alaraby ALjadeed
16 minutes ago
هجمات إبريل تعيد رسم خطوط الاشتباك في مالي
alaraby ALjadeed
16 minutes ago