Arab
ينتهي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، فتُنسى تماماً. يأتي ترامب إلى شرم الشيخ، ويؤسّس مجلساً للسلام، ويهاتف صديقه نتنياهو غير مرّة. يطلق النكات ويهاجم رؤساء الدول ويتوعّدهم برسوم جمركية أعلى. في أثناء هذا، وسواه كثير، تصبح غزّة على رفّ القضايا المؤجّلة حتى قبل الهجوم الأميركي - الإسرائيلي المشترك على إيران. تُرمى في البئر، فماذا يريد نتنياهو أكثر ليمضي في إبادته للغزّيين من دون رقيب من أيّ نوع؟ أن يصحو فإذا به على حدود الدنمارك يشكو من السأم وتكاثر البطّ والبجع في البحيرات؟
في حوار قديم مع صحيفة روسية، اشتكى أفيغدور ليبرمان، وهو حارس ملهى ليلي سابق أصبح وزيراً للدفاع، من أنّ الإسرائيليين ليسوا محظوظين بجوارهم، وأنّ "الخطأ الاستراتيجي" لموسى (عليه السلام) أنّه جاء ببني إسرائيل إلى الشرق الأوسط، وليس إلى حدود إيطاليا أو سويسرا. إذا كان هذا شأن ليبرمان، فماذا نقول عن الغزّيين والفلسطينيين عامّةً وقد ابتلوا بأسوأ احتلال في تاريخ البشرية؟
في تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، يجلس أبو يحيى حلّس في أحد شوارع مدينة غزّة، ويخلط أوراق "الملوخية" المجفّفة مع سائل النيكوتين، للحصول على مادّة خضراء تُلفّ سجائرَ يبيعها لاحقاً، وثمّة من يشتري، لأنّ سعر السيجارة الواحدة من التبغ العادي ارتفع 40 ضعفاً مقارنةً بما كان عليه قبل العدوان الوحشي على قطاع غزّة. وفي التقرير نفسه اقتباس من أبو محمّد صقر، وهو من سكّان غزّة، أنّه يُدخّن منذ كان في الثالثة عشرة من عمره، وهو الآن مضطر إلى تدخين سجائر الملوخية، و"لو وضعوا سُمّاً سندخّنه. لا حياة ولا مستقبل لنخشى على صحّتنا".
لو لم يخطئ موسى (عليه السلام)، كما رأى ليبرمان، ولم يأتِ بنو إسرائيل إلى فلسطين، لكان وضع "أبو محمّد" مختلفاً، وربّما عمل في تصدير الحمضيات إلى أوروبا أو في مصنع لتعليب السردين، وقضى إجازته الصيفية في مالطا أو اليونان، وهما من دول الجوار البحري، لكنّ سيّدنا موسى اختار فلسطين دون غيرها، ما دفع بعض أتباعه إلى التذمّر من جوارهم الفلسطيني والعربي بينما يقتلون هؤلاء الذين جاورهم من دون انقطاع.
السجائر طبعاً من آخر هموم الغزّيين، فلديهم ما يكفي من مصائب غادرتها البشرية بأسرها منذ القرون الوسطى، فلك أن تتخيّل أنّ إسرائيل لم تترك سلاحاً، باستثناء النووي، إلّا واستخدمته ضدّ الغزّيين بما في ذلك المياه نفسها. في تقرير لمنظّمة أطبّاء بلا حدود بعنوان "المياه سلاحاً"، نجد أرقاماً موثّقةً عن تدمير إسرائيل، كلّياً أو جزئياً، نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحّي في غزّة، وحديث عن تعرّض شاحنات المياه والآبار التابعة لها في قطاع غزّة لإطلاق النار أو التدمير، ما يخلق بيئةً مثاليةً لانتشار الأمراض.
هل ثمّة أحد يتذكّر أطروحة الجنرال الإسرائيلي المتقاعد غيورا آيلاند خلال العدوان على غزّة حول الأوبئة والأمراض التي يمكن أن تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية في قطاع غزّة؟ ألا يعيدنا هذا إلى موسى (عليه السلام)، واسمه بالمناسبة مشتقّ من الماء، ويعني الآتي أو المُنتشَل من الماء، وكيف أنّ الماء نفسه أنقذه حينما سقى لإحدى بنات الرجل الصالح، وكيف أنّ الماء الذي رُمي فيه رضيعاً كان محنةً، وحين سقى للآخرين غدا بشارةَ نبوّة، وزعامةَ قوم، وحملَ رسالة؟
من حقّ الغزّيين التذمّر أكثر من ليبرمان وتابعيه إلى يوم الدين، فهناك حرب غير رحيمة على الإطلاق تُشنّ ضدّهم بالسلاح والماء والقوارض والأوبئة، من دون أن يعرف كثيرون في هذا العالم، المشغول بمضيق هرمز، عنها شيئاً، لولا بعض ضمير هنا وهناك، ومهرجانات أو جوائز تُمنح لتلك الأرض المنكوبة بالاحتلال، أرض الخراب الذي يُراد له أن يتأبَّد، والنسيان الذي هو بئر معتمة لا قاع لها.
وثمّة من يقاوم بأنْ يظلّ في قيد الحياة، وثمّة من يطالب بأن يعرف ما يحدث في غزّة "الأرملة في ثياب الحداد"، ومن هؤلاء وسائل إعلام كبرى طالبت نتنياهو أخيراً بالسماح للصحافة الأجنبية بدخول قطاع غزّة وتغطية الموت الصامت والمهول فيها، ومنها شبكة سي أن أن وصحف نيويورك تايمز وواشنطن بوست والغارديان وإل باييس ولوموند و"بي بي سي"، وسواها.
نتنياهو لا يكترث، وترامب لا يعنيه الموضوع، فكلّ شيء "رائع" في الجبهة الإيرانية.

Related News
واشنطن ورهان الطاقة الليبي
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
هجمات إبريل تعيد رسم خطوط الاشتباك في مالي
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
هاجس الجزر يستنفر إيران
aawsat
18 minutes ago