ذعر في الأسواق | تخزين السلع يربك الحكومات... وأزمة غذاء تضرب آسيا
Arab
1 hour ago
share
مع دخول الحرب في المنطقة يومها الـ75، واستمرار تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، لم تعد تداعيات ذلك محصورة في أسعار النفط أو حركة الشحن البحري، بل تحولت إلى أزمة سلوك اقتصادي عالمي، عنوانها الأبرز: التخزين. فمن الوقود إلى الأسمدة، ومن الحقن الطبية إلى عبوات الوقود الاحتياطية، تتسابق الأسر والشركات والحكومات على تأمين ما تستطيع قبل أن تنفد الإمدادات أو تقفز الأسعار إلى مستويات أعلى، في موجة تعيد إلى الأذهان مشاهد الشراء الهلعي، أو ما يطلق عليها سياسة القطيع، خلال جائحة كورونا، لكنها هذه المرة تقوم على نقص حقيقي في سلع أساسية، لا على ذعر نفسي فقط. وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، أمس الأربعاء، تكافح الحكومات حول العالم معضلة مشتركة: كيف تمنع مكتنزي السلع من تعميق النقص في منتجات تبدأ من البنزين ولا تنتهي عند الحقن الطبية. ففي كوريا الجنوبية، اندفع المستهلكون إلى شراء أكياس القمامة البلاستيكية بعد إغلاق المضيق وتعطل سلاسل الإمداد، بينما أفرغ الأستراليون رفوف عبوات الوقود الاحتياطية، مع تنافس السائقين والمزارعين على تخزين الوقود في المناطق الريفية. وفي الصين، انتشرت عبر وسائل التواصل منشورات عن احتمال نقص الواقيات الذكرية، فيما امتدت العدوى إلى الشركات التي بدأت تخزن الإمدادات الحيوية لحماية عملياتها الإنتاجية. أسوأ من "كورونا" ويشير التقرير إلى أن الأزمة لم تعد فردية؛ إذ أطلقت الشرطة الكورية الجنوبية حملة ضد شركات يشتبه في احتكارها للحقن الطبية، في وقت يهدد فيه نقص مادة النافثا سلاسل إنتاج المستلزمات الطبية. وفي الهند، تحولت ندرة مشروب "دايت كوك" المعلب إلى ظاهرة اجتماعية، مع تنظيم حفلات مدفوعة له، بعدما منحت محدودية المعروض السلعة قيمة رمزية جديدة. وتقول إليزابيث كوستا، رئيسة الابتكار والشراكات في فريق الرؤى السلوكية البريطاني: "نحن نقدر الأشياء أكثر عندما تصبح محدودة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تضخم إحساس الناس بالندرة". غير أن الفارق الجوهري بين أزمة اليوم وأزمة الشراء الهلعي خلال جائحة كورونا، هو أن نقص النفط والسلع الأساسية يبدو حقيقيا هذه المرة. فالأسر تخشى ارتفاع الأسعار، والشركات تخشى توقف الإنتاج، والحكومات تخشى اضطراب الإمدادات. لذلك يصبح التخزين، من منظور كل طرف، قرارا دفاعيا مفهوما، لكنه على مستوى الاقتصاد الكلي يتحول إلى عامل مضاعف للأزمة، لأنه يسحب المعروض من الأسواق بسرعة، ويدفع الأسعار إلى مزيد من الصعود، ويترك الفئات الأضعف والدول الأفقر في مواجهة نقص أشد، وفق التقرير. وتكشف بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الحكومات لجأت خلال عام 2026 إلى حزمة واسعة من التدخلات لمواجهة أزمة الطاقة، تصدرتها الإجراءات الضريبية وسقوف الأسعار. وتوزعت التدخلات على دعم أسعار الطاقة، ودعم الدخل المرتبط بالطاقة، ودعم الدخل غير المرتبط بالطاقة، وإجراءات أخرى تشمل القيود التنظيمية والائتمان وقيود التصدير. وأظهرت البيانات أن الإجراءات الضريبية جاءت في المرتبة الأولى بأكثر من 50 إجراء في الدول الأعضاء وغير الأعضاء بالمنظمة، تلتها سياسات سقوف الأسعار، بما يعكس اتجاها حكوميا واسعا إلى تخفيف الصدمة مباشرة عن المستهلكين والشركات. لكن هذا الخيار لا يحظى بإجماع اقتصادي. فقد قال ماورو بيسو، كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن اندفاع الأفراد للشراء قبل ارتفاع الأسعار مفهوم، مضيفا: "ذهبت لملء خزان سيارتي بالوقود.. هذا تصرف طبيعي تماما". لكنه حذر من أن خفض الأسعار إداريا أو تثبيتها قد يزيد النقص، لا العكس. وقال: "سيكون من المهم السماح للمستهلكين بالتصرف وفق ما يرونه مناسبا، والتأكد من أنهم يواجهون السعر الحقيقي". وأضاف أن إبقاء الأسعار منخفضة لإرضاء المستهلكين على المدى القصير سيجعل حالات النقص أكثر احتمالا وأكثر حدة. أزمة غذاء في آسيا وتتداخل أزمة التخزين مع أزمة غذاء ناشئة في آسيا. فبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، السبت الماضي، دفعت الحرب مزارعين آسيويين إلى تقليص الزراعة أو التخلي عنها مع دخول مواسم البذر الرئيسية، بسبب قفزات أسعار الوقود والأسمدة والبلاستيك. وتروي الصحيفة قصة المزارعة التايلاندية سايثونغ جامجاي، التي انتهت من حصاد الأرز في 19 هكتارًا، لكنها قررت عدم الزراعة مجددًا، بعدما قدرت أن تكاليف الزراعة والحصاد ستبلغ 33 ألف دولار، بينما لن يتجاوز عائد المحصول المتوقع في أغسطس/آب المقبل 22 ألف دولار. ووصفت القرار بأنه خسارة مؤكدة، مضيفة: "لن نغرق مواردنا في هذا الوضع". ونقلت الصحيفة عن مسؤولين واقتصاديين وجماعات زراعية أن شبه توقف الشحن في الخليج العربي تسبب في صدمات إمداد رفعت تكاليف المزارعين في بداية مواسم زراعية حاسمة، ما ينذر بانخفاض حاد في المحاصيل خلال النصف الثاني من العام وما بعده. وخلال خطاب في روما، قال شو دونغيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، إن الحرب لم تخلق أزمة جيوسياسية فقط، بل أحدثت اضطرابا في قلب النظام الغذائي والزراعي العالمي. وتتركز خطورة الأزمة في اليوريا، وهي سماد نيتروجيني حاسم لزيادة الإنتاج الزراعي. فبحسب برانشي غويال، كبيرة المحللين في شركة أبحاث الأسواق سي آر يو غروب، فإن 30% من إنتاج اليوريا العالمي اختفى فعليا نتيجة تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط. وارتفعت أسعار اليوريا في السوق الفورية بنسبة 40% منذ فبراير/شباط الماضي، بينما تراجع إنتاج إيران من 182 ألف طن متري في الأسبوع الأخير من فبراير إلى 63 ألفا في الأسبوع الأول من مايو/أيار الجاري، وانخفض إنتاج قطر من 119 ألف طن إلى صفر، وتوقف إنتاج البحرين من 13 ألف طن إلى صفر، وفق البيانات الواردة في التقرير. وبدأت التداعيات الزراعية بالفعل في تايلاند والفيليبين وبنغلاديش وأستراليا، حيث يختار المزارعون تقليص الزراعة أو خفض استخدام الأسمدة، ما يعني انخفاضا مؤكدا في الإنتاج. وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة: "الآثار الآن أشد في آسيا، لكنها تتحرك بوضوح من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال". وأضاف أنه إذا لم تعد السفن المحملة باليوريا إلى الإبحار قبل زيادة طلبات الهند والبرازيل في يونيو/حزيران المقبل، فسيحدث فقدان كبير في الإنتاج عبر دول كثيرة، مع أثر اقتصادي قريب جدا مما حدث خلال جائحة كوفيد-19. وتكشف الصورة الميدانية في تايلاند عمق الفجوة بين التصريحات الرسمية والأسواق. فرغم إعلان وزارة التجارة التايلاندية امتلاك 343 ألف طن من اليوريا تكفي موسم الزراعة، قالت واشنطن بوست إن متاجر الأسمدة في أيوثايا وسوفان بوري نفدت منها اليوريا منذ أسابيع. وقال تجار إن البدائل الروسية لا تحظى بثقة المزارعين، بينما عاد أحد تجار الجملة بشاحنة فارغة بعد أربعة أيام من البحث عن كميات متاحة. وقالت المزارعة نام أوي، التي قررت زراعة 19 هكتارا فقط من أصل 32: "هذان الاثنان تشابكت أيديهما وصنعا الحرب. لا شيء طبيعيا بسببهم"، في إشارة إلى ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ارتباك الحكومات ومع اتساع الأزمة، تجد الحكومات نفسها بين خيارين صعبين: ترك الأسعار تعمل بوصفها أداة لترشيد الطلب، أو التدخل لحماية الفئات الأضعف. ففي نيبال، بدأت شركة النفط الحكومية بيع غاز الطهي في أسطوانات نصف ممتلئة لإطالة عمر الإمدادات، لكن ذلك أدى إلى نقص في الأسطوانات نفسها وظهور ممارسات تعبئة غير آمنة. وفي أستراليا، أطلقت الحكومة حملة إعلانية بقيمة 20 مليون دولار تحت شعار كل مساهمة صغيرة تحدث فرقا، لحث السائقين على تقليل استهلاك الوقود عبر تفريغ السيارات وضبط الإطارات وإزالة حوامل السقف. أما في بريطانيا، فتدعو بعض مراكز الأبحاث إلى الجمع بين دعم الأسعار وتغيير السلوك، مثل خفض ضرائب الوقود بالتزامن مع تقليل حدود السرعة. وفي المقابل، يرى جوليان جيسوب، كبير الاقتصاديين السابق في معهد الشؤون الاقتصادية، أن على الحكومات طمأنة الناس بأن الإمدادات ستظل كافية.. وستتمكنون من الحصول على ما يكفي، من دون التعهد بتثبيت الأسعار، لأن ارتفاع الأسعار غالبا ما يكون جزءا من الحل. وتزداد خطورة المشهد مع تحذيرات من وصول مخزونات البنزين ووقود الطائرات عالميا إلى مستويات حرجة للغاية قبل أشهر الصيف. وتقول يائيل سيلفين، كبيرة الاقتصاديين في شركة كيه بي إم جي: "الكثير من هذه الأزمة يتجاوز آليات السوق"، مستحضرة تجربة التنافس العالمي خلال الجائحة على معدات الحماية الشخصية واللقاحات. كما يرى لي دونغ، المحاضر في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة، أن ضوابط الأسعار والمشتريات قد تكون ضرورية، لكنه يحذر من أن هذه السياسات تحتاج إلى تصميم شديد الدقة. وتكشف موجة التخزين الحالية وانتشار الذعر في الأسواق عن انتقال الحرب من ميدان الجغرافيا السياسية إلى قلب الحياة اليومية والأسواق. فكل فرد أو شركة أو دولة تحاول حماية نفسها عبر التخزين، لكنها بذلك تسرع النقص الذي تخشاه. وبين رفوف الوقود الفارغة، وأسواق الأسمدة المتوترة، وحقول الأرز التي تترك بورا، تبدو الأزمة الاقتصادية للحرب أكثر اتساعا من صدمة أسعار عابرة. اختناقات التكرير وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود التخزين ونقص الإمدادات، لتصل إلى اختناقات متزايدة داخل قطاع التكرير العالمي نفسه. فبحسب تقرير نشره بنك غولدمان ساكس، الاثنين الماضي، تحاول شركات الطاقة رفع إنتاج وقود الطائرات لتعويض الاضطرابات المرتبطة بالحرب، مع اقتراب ذروة موسم السفر الصيفي، لكن ذلك قد يؤدي في المقابل إلى نقص أكبر في منتجات أخرى مثل الديزل والنافثا. وقال جيروم دورتمانز، الرئيس المشارك لتداول النفط والمنتجات عالميا في البنك، إن قطاع التكرير العالمي يحاول تعظيم إنتاج وقود الطائرات استجابة لارتفاع الأسعار، لكنه حذر من أن حل مشكلة وقود الطائرات قد يخلق مشكلات ونقاط اختناق أخرى داخل نظام التكرير. وأوضح البنك أن فقدان الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط كان ملموسا بالنسبة لسوق وقود الطائرات في أوروبا، رغم استمرار توافر مخزونات استراتيجية تسمح للقارة بالتعامل مع الأزمة لفترة مؤقتة. لكن إعادة توجيه المصافي لإنتاج مزيد من وقود الطائرات يعني سحب كميات أكبر من برميل النفط الخام نفسه على حساب منتجات أخرى، ما يبقي أسواق الوقود المكرر تحت ضغط حتى في حال استقرار أسعار الخام. ووفقا لغولدمان ساكس، فإن هذا الوضع قد يؤدي إلى استمرار ارتفاع أسعار الديزل والنافثا خلال الصيف، بالتزامن مع انتقال مخاوف الأسواق من نقص النفط الخام إلى أزمة اختناقات في التكرير واختلال توازن الوقود. وتزامنت هذه التحذيرات مع استمرار ارتفاع أسعار النفط بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإيران أحدث مقترحات التهدئة المتبادلة، إذ جرى تداول خام برنت قرب 106 دولارات للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط الأميركي نحو 100 دولار، بارتفاع تجاوز 4%.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows