Arab
تحول الجنيه السوداني من وعاء للقيمة ورمز للسيادة إلى "غنيمة حرب" تتقاسمها شبكات اقتصاد الظل وتجار الأزمات في السوق الموازية. ففي ظل الانهيار الحر للعملة وتآكل الاحتياطيات الرسمية، أحكمت "دولة الظل" قبضتها على مفاصل النقد الأجنبي، مستغلة تعطّل القنوات المصرفية والحرب الطاحنة المتواصلة في السودان والاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز لفرض أسعار فلكية تجاوزت حاجز 4300 جنيه للدولار. ومع تحول تطبيقات التحويلات البنكية إلى عملة بديلة، وتنامي عمليات تهريب الذهب لتمويل شبكات النزاع، بات الجنيه ضحية مافيا العملات؛ حيث يتغذى المضاربون على ندرة المعروض، والطلب الشرس لتمويل الواردات، محولين الأزمة المعيشية إلى أرباح صافية في سوق موازية تُدار خارج مظلة القانون.
اقتصاد الظل
أصبحت السوق الموازية في السودان هي المصدر الرئيس للعملات الأجنبية، في ظل التراجع المستمر لقدرة القنوات الرسمية على توفير النقد الأجنبي، متأثرة بانخفاض حاد في احتياطياتها، وتوسع دور الشبكات غير الرسمية في تداول العملات. ويشير هذا الواقع إلى أن الفجوة بين السعرين الرسمي والمتداول خارج النظام المصرفي قد اتّسعت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، فقد تراجعت الثقة في الجنيه مقابل تزايد الاعتماد على العملات الأجنبية في المعاملات اليومية والمدخرات. وحسب متوسط الأسعار، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 4310 جنيهات، بينما استقر سعره رسمياً في البنوك عند حدود 3170 جنيهاً، مما يكشف عن فارق شاسع يغذي حالة الارتباك النقدي.
ويرى مختصون أن السوق الموازية تقف حالياً عند "ذروتها التاريخية"، بينما يواصل النظام المصرفي الرسمي تثبيت أسعاره في حالة من "الجمود التنظيمي"، مما أدى إلى اتساع غير مسبوق في الفجوة بين المسارين. ويعكس هذا المستوى حالة من الاستقرار "عند القمة"، حيث لا تتراجع الأسعار رغم غياب قفزات صعودية جديدة مؤقتاً، نظراً لأن السوق تعاني نقصاً حاداً في المعروض، في حين يظل الطلب التجاري والمضاربات في أعلى مستوياتها.
فخ الاستيراد
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن السودان يواجه نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، تزامناً مع انخفاض الصادرات وتراجع الأنشطة الإنتاجية. وبات المستوردون يعتمدون بشكل شبه كامل على السوق السوداء لتأمين احتياجاتهم، مما يبقي الطلب مرتفعاً رغم حالة الركود الاقتصادي العام. ويصف متعاملون هذا "الاستقرار" الظاهري بأنه في الواقع "ثبات عند مستوى الانهيار"، إذ لا توجد مؤشرات على تحسّن قريب في قيمة العملة الوطنية، مع غياب أي تدخل رسمي قادر على توفير بدائل نقدية مستقرة أو كبح جماح السوق الموازية.
وفي هذا السياق المتوتر، جاء قرار حظر استيراد عشرات السلع ليضيف طبقة جديدة من التعقيد؛ فبدلاً من تخفيف الضغط على الدولار، يرى اقتصاديون أن القرار قد يفجّر موجة تضخم جديدة، في ظل غياب البدائل الإنتاجية المحلية. كما أن منع الاستيراد دون توفير بدائل قد يخلق اختناقاً في العرض، خصوصاً مع تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وعودة السكان إلى مناطق أكثر استقراراً، مما يزيد من وتيرة الطلب على السلع الأساسية.
مرحلة الانهيار الحر
في تصريحات لـ"العربي الجديد"، يقول الخبير المصرفي وليد دليل: "إن الجنيه ليس مجرد عملة، بل هو مرآة تعكس هيبة الدولة، ولكنه دخل الآن مرحلة الانهيار الحر". ويوضح دليل أن العملة فقدت تاريخياً أكثر من 80% من قيمتها خلال العامين الماضيين فقط؛ فبينما كان السعر الرسمي للدولار في حدود 600 جنيه، فإنه في الأسواق الموازية يتجاوز ذلك بمراحل، وسط فجوة هائلة تسببت في توقف المعاملات الرسمية.
ويضيف دليل أن معدلات التضخم التي تجاوزت حاجز 300% جعلت العملة الورقية تفقد وظيفتها باعتبارها وسيطاً للتبادل، فقد حلّت محلها "تطبيقات التحويلات البنكية" التي أصبحت هي "العملة الفعلية" في الأسواق. كما يرى أن "دولة الظل" واقتصاد الشبكات الموازية أصبحا يتحكّمان في مصير الجنيه، مؤكداً أن الحرب لم توقف التجارة، بل نقلتها إلى قنوات غير مرئية.
تجارة الذهب والتهريب
وفيما يتعلق بتجارة الذهب والتهريب، كشف دليل عن انخفاض صادرات الذهب الرسمية إلى 1.54 مليار دولار في عام 2025 (بعدما كانت تفوق المليارين)، مشيراً إلى أن الفرق يذهب لتمويل شبكات الحرب عبر التهريب، مما يحرم الخزينة العامة من العملة الصعبة. كما لفت إلى نشوء شبكات اقتصادية تتبع لأطراف النزاع، تسيطر على المعابر والموانئ، وتدير عمليات تجارية خارج مظلة البنك المركزي، في حين يعتمد السودانيون بنسبة هائلة على تحويلات المغتربين التي تجري "خارج النظام المصرفي"، عبر نظام التسليم باليد مقابل تحويل محلي، مما يحرم الدورة الرسمية من التدفقات النقدية.
وحول "رئتي الاقتصاد"، أكد دليل أن قطاعي الزراعة والصناعة تعرضا للتدمير؛ فقد بلغت خسائر القطاع الزراعي حوالي 100 مليار دولار، وخرجت نحو 72% من الأراضي المروية عن دائرة الإنتاج، مع انكماش صادرات السمسم والقطن والصمغ العربي إلى الثلث، كما أن تدمير مصفاة الجيلي كبّد السودان خسائر بـ3 مليارات دولار، وتحوّل السودان من بلد "منتج-مستورد" إلى بلد "مستورد بالكامل"، مما زاد الطلب الشرس على الدولار.
ويرى دليل أن الإجراءات الحكومية، مثل حظر استيراد بعض السلع، تظل "ميكانيكية"، بينما الأزمة في جوهرها "سياسية أمنية". وأكد أن 70% من الكتلة النقدية موجودة خارج الجهاز المصرفي، محذراً من سيناريو تحويل العملة إلى نقود بلا قيمة فعلية، والاتجاه الكامل إلى "الدولرة"، ما لم يجر التوصل لوقف إطلاق النار والحصول على دعم دولي.
الحد من سرعة الانهيار
من جهته، أكد المحلل الاقتصادي، هيثم فتحي، لـ"العربي الجديد" أن تراجع قيمة الجنيه منذ عام 2023 تزامن مع ارتفاع قياسي في أسعار المواد الأساسية، نتيجة دمار البنية التحتية ونزوح الملايين. وأوضح فتحي أن استقرار الجنيه مرهون بقدرة الحكومة الانتقالية على تنفيذ إصلاحات جوهرية، في مقدمتها إعادة هيكلة البنك المركزي وتعزيز استقلاليته، وتبني سياسات نقدية متوازنة، تبتعد عن "التوسّع غير المسؤول في طباعة النقود"، مع إطلاق مشروعات إعادة الإعمار لتحفيز الإنتاج.
أما الخبير الاقتصادي الفاتح عثمان محجوب، فيرى أن الجنيه تعرّض لانهيار مستمر بسبب فائض السيولة وقلة الإيرادات، إضافة إلى الطلب الضخم على النقد الأجنبي مقابل هبوط الصادرات إلى النصف. وأوضح أن التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط أثرت بشكل مباشر بسعر الصرف، حيث تراجع الجنيه بمعدلات أسرع.
ويعتقد محجوب أن مهمة الإجراءات الحكومية الحالية هي "الحد من سرعة الانهيار" وليس إيقافه، وهو ما يراه "مستحيلاً تقريباً" في ظل تضخم يقترب من 60% (على المستوى الشهري أو المتراكم وفق تقديرات مختلفة) وعجز فادح في ميزان المدفوعات. ومع ذلك، يثمّن محجوب جهود بنك السودان ووزارة المالية في تقليل السيولة وترشيد الاستيراد، معتبراً إياها إجراءات ضرورية لمنع وصول التضخم إلى أرقام كارثية.
تأثيرات الحرب في المنطقة
في السياق ذاته، يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية، محمد الناير، في حديثه لـ"العربي الجديد" أن تراجع العملة في بلد يشهد حرباً هو أمر "طبيعي"، لكن الأهم هو منع الوصول لمرحلة الانهيار التام. وأشار الناير إلى أن الضغط الأكبر على الجنيه لم يأتِ فقط من الداخل، بل تأثر بصورة سريعة بحرب الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الوقود، وإغلاق مضيق هرمز، مما زاد الطلب على النقد الأجنبي لتغطية تكاليف النقل والتأمين.
وشدد الناير على أن الإجراءات الحكومية تحتاج إلى "جهد استثنائي" يتجاوز السياسات التقليدية، داعياً إلى مضاعفة الجهود لإيقاف تهريب الذهب، وإنشاء سوق منظمة للاستفادة من عائداته، إلى جانب زيادة الإنتاج، وتقليل الواردات، وترشيد الإنفاق الحكومي، وهي خطوات أساسية لوقف تدهور العملة.

Related News
إنتر وقصة 10 ألقاب في كأس إيطاليا.. من 1939 إلى 2026
alaraby ALjadeed
38 minutes from now
«المسحل» يتوج الكويت الكويتي بلقب دوري التحدي الآسيوي
aawsat
2 minutes ago