Arab
تشير مجموعة من التقارير الدولية الصادرة في الربع الأول من عام 2026، وفي مقدمتها تقارير بيت الحرية Freedom House ومؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن "مراسلون بلا حدود" Reporters Sans Frontières، إلى تحولات ملموسة في بنية الحريات والسلطة في سورية؛ إذ تعكس هذه التقارير قراءة كمية ونوعية لمرحلة انتقالية تتسم بإعادة تشكيل المجال العام وتفكك أنماط السيطرة الشمولية بعد إسقاط نظام الأسد.
هناك تسجيل تحسّن محدود لكنه دالّ في عدة مؤشّرات، خاصة تلك المرتبطة بالحرّيات السياسية والمدنية وحرّية الصحافة، إذ يكتسب الانتقال في تقييم سورية ضمن مؤشّر بيت الحرية من 5/100 في عام 2025 إلى 10/100 في عام 2026 أهمية خاصة، إذ يمثل تضاعفا رقميا واضحا، ويضع سورية ضمن الحالات التي شهدت تحسنا نسبيا سريعا بالنظر إلى وضعها دولةً خرجت من حرب دامية، مع بقائها ضمن فئة الدول غير الحرّة، وهو ما يعكس تراجعا في شدة القمع المركزي أكثر مما يعكس تحولا ديمقراطيا مكتملا على اعتبار المعايير المعتمدة في تقييم الدول، وفي مقدّمتها القمع والسيطرة الأمنية التي تؤثر بالضرورة على باقي المجالات.
في موازاة هذا، يُعد التحول في ترتيب سورية ضمن مؤشّر حرية الصحافة العالمي إحدى أبرز القفزات الإحصائية خلال عام 2026؛ إذ انتقلت سورية من المرتبة 177 عالميا في 2025 إلى المرتبة 141 من أصل 180 دولة في عام 2026، أي بتحسن بلغ 36 مرتبة خلال عام فقط، وهو من أكبر التحسينات السنوية المسجلة عالميا في هذا المؤشّر. ويأتي هذا التقدم بعد سنوات طويلة من تموضع سورية في ذيل الترتيب العالمي، ما يمنحه دلالة رقمية وسياسية واضحة على تغير بيئة العمل الإعلامي.
لا يعكس التحسّن على مؤشّر "مراسلون بلا حدود" انتقالا إلى بيئة إعلامية حرّة بالمعنى المؤسّسي، بقدر ما يعبر عن إعادة توزيع للقيود وتخفيف نسبي في مركزيتها
وتعكس هذه القفزة، عند قراءتها ضمن منهجية المؤشّر وسياقها البنيوي، تحوّلات جزئية أكثر من كونها تحوّلاً جذرياً، فمؤشّر "مراسلون بلا حدود" يعتمد على عدة أبعاد تشمل البيئة السياسية، والإطار القانوني، وسلامة الصحافيين، والاستقلالية الاقتصادية، وتعدّدية الإعلام. وقد شهدت بعض هذه الأبعاد تحسنا نسبيا، خاصة في ما يتعلق بتراجع الضغط الأمني المباشر وتراجع استهدافات الصحافيين والإعلاميين والمراسلين وظهور فاعلين إعلاميين جدد، إلا أن عناصر أخرى لا تزال تعاني من هشاشة واضحة، في مقدّمتها غياب إطار قانوني موحد، واستمرار تعدد السلطات التي تفرض قواعد مختلفة على العمل الصحافي، وغياب الصحافة المستقلة والمجلات الخاصة وغياب المنتديات والجمعيات، وعدم وجود نقابة معنية بالعمل الصحافي.
وبذلك، لا يعكس التحسّن على مؤشّر "مراسلون بلا حدود" انتقالا إلى بيئة إعلامية حرّة بالمعنى المؤسّسي، بقدر ما يعبر عن إعادة توزيع للقيود وتخفيف نسبي في مركزيتها، مقابل نشوء أنماط ضبط جديدة محلية ومتفاوتة، منها الصحافي المواطن وصعود نجم المؤثرين واختلاط الناشطية السياسية بالصحافة والتحوّلات المرتبطة بالمحتوى الرائج (الترند) وتفاعلات الحكومة الحالية معها وانخراط المسؤولين في المشهد الإعلامي والإخباري واستحداث مكاتب العلاقات العامة والمكاتب الإعلامية في المؤسّسات السورية. هذا ما يجعل القفزة الرقمية تعبيرا عن مرحلة انتقالية يتراجع فيها الاحتكار الكامل للإعلام، وتتوسّع فيها المساحات المتاحة للتعبير، من دون أن تترسخ بعد منظومة قانونية ومهنية قادرة على ضمان استدامة حرية الصحافة، على الرغم من إطلاق مدونة السلوك الصحافي.
ما يظهر في هذا التحول بالتقييمات انكشاف بيئة سياسية متقلبة وغير مستقرّة، تُعاد فيها صياغة العلاقات السلطوية عبر عمليات تفاوض مستمرة بين فاعلين متعددين؛ ويقدم الربع الأول من عام 2026 صورة أوضح لهذه اللحظة، حيث تتراجع مركزية الدولة بالمعنى التقليدي، وتتشكل مساحات نفوذ متداخلة تعكس موازين قوى متغيرة، سواء في شمال شرق سورية، أو في الجنوب السوري أو في المناطق الوسطى والساحل أو حتى في إدلب ذاتها باعتبارها جذر الإدارة الحالية. يعكس التحسن العددي تراجعا في مستوى القمع الشامل، ويواكبه، بالنتيجة، تشكل أدوات سيطرة جديدة أقل مباشرة وأكثر ارتباطا بإدارة المجتمع وضبطه عبر آليات محلية ومتدرجة.
يشكّل تفكك البنية الأمنية الشمولية التي أرساها نظام الأسد التحول الأبرز في تفسير التغيرات التي رصدتها المؤشرات الدولية، إذ أفضى الانهيار السريع في ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى إنهاء نموذج السيطرة الأمنية المغلقة، وفتح المجال أمام إعادة صياغة وظائف الدولة، وخاصة في المجالين الأمني والإداري. ومع بداية عام 2026، بدأت الإدارة الجديدة بإعادة تشكيل المنظومة الأمنية على أسس مختلفة، حيث جرى تفكيك الأجهزة ذات الطابع الاستخباراتي الثقيل، مقابل تطوير أجهزة شرطية جديدة ذات طابع تنظيمي وخدمي، تُعنى بضبط الأمن الداخلي وإدارة الحياة اليومية، بدلا من التحكم السياسي الشامل الذي ميّز المرحلة السابقة.
ضمن هذا التحول، أعيد تعريف وظيفة الأمن من أداة للهيمنة السياسية إلى أداة لإدارة الاستقرار، مع بروز نماذج ضبط محلية أكثر ارتباطا بالمجتمع، وتزايد الاعتماد على آليات الضبط الإداري على طريق تنظيم الفضاء العام، بالرغم من صدور تقارير حقوقية دولية تدين انتهاكات انخرط بها الأمن العام السوري لا سيما في السويداء جنوب البلاد صيف 2025، وهذا بحسب وزارة الداخلية السورية. كما رافق هذا تطوير تدريجي لهياكل أمنية تسعى إلى تحقيق قدر من المهنية والانضباط، مع محاولات للحد من التداخل بين العمل الأمني والعمل السياسي والمصالح الاقتصادية أو الشبكات غير الرسمية.
بالتوازي، شهدت البيئة الاقتصادية انفتاحا نسبيا، حيث بدأت تظهر سياسات تهدف إلى إعادة تنشيط الأسواق المحلية، وتشجيع المبادرات الخاصة، وإعادة ربط الدورات الاقتصادية بين مناطق الدولة خصوصا بعد الاتفاق الخاص بدمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالجيش الوليد. وقد ساهم تراجع القيود الأمنية المركزية في تسهيل الحركة المدنية وإعادة تنشيط المجالس والندوات السياسية وبروز توجه واضح نحو الاحتواء السياسي، مع بروز محاولات لتنظيم النشاط الاقتصادي ضمن أطر أكثر وضوحا مع تعزيز أفكار المحاسبة والشفافية. وفي هذا السياق، تراجعت هيمنة اقتصاد الظل بوصفه النمط الوحيد للتبادل، مع بقائه حاضرا، ولكن ضمن حدود أكثر انضباطا، نتيجة لتنامي الحاجة إلى موارد مستقرة وتمويل مستدام لعمليات الحوكمة الناشئة. وعليه، فإن التحسن الذي تعكسه المؤشرات العالمية لا يرتبط فقط بتراجع القمع، بل يعكس أيضا عملية إعادة بناء وظيفي لمؤسسات الأمن والاقتصاد والإعلام والمجتمع، بما يواكب متطلبات مرحلة انتقالية تتجه نحو قدر أكبر من التنظيم والانفتاح.
تتضح جغرافية السلطة في البلاد بشكل أكبر خلال هذه المرحلة، حيث تتكرس مناطق نفوذ شبه مستقرة ضمن خريطة أكثر انتظاما من السابق
ضمن هذا السياق، يظهر ارتفاع مؤشر "بيت الحرّية" بوصفه نتيجة مباشرة لانحسار جهاز الإكراه المركزي؛ إذ يتيح غياب هيمنة أمنية وسياسية موحدة نشوء مساحات من الانفتاح النسبي، غير أن هذه المساحات ترتبط بظروف محلية وتتطور ضمن حدود تفرضها السلطات القائمة. خلال الأشهر الأولى من عام 2026، اتجهت الإدارة الجديدة نحو تعزيز الطابع التنظيمي للحكم، من خلال توسيع صلاحيات المجالس الإدارية والمحافظات، وتنظيم الموارد، وسنّ القوانين (مع أن معظمها يسبب حساسية ومواقف صادمة من الجمهور، إلا أنها تبقى تنظيمية أمام هذه المنظمات الدولية) وإعادة هيكلة أجهزة الدولة ضمن أطر أكثر استقراراً. تعكس هذه العملية انتقال المرحلة الانتقالية نحو نمط حكم يسعى إلى تحقيق توازن بين السيطرة وإدارة التفاعلات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
تستمر الحقوق السياسية في وضع محدود للغاية، ويؤكد الربع الأول من عام 2026 هذا المسار عبر غياب أي ترتيبات انتخابية أو دستورية واضحة وغياب الأحزاب وغياب النشاط البرلماني؛ إذ تتبنّى الإدارة الجديدة خطاباً يرتكز على المستقبل السياسي دون تقديم آليات تنفيذية محددة، ما يؤدي إلى ترسيخ نمط من الحكم المؤجل زمنيا، حيث تستمد السلطة مشروعيتها من مجرد وعود مستقبلية وتحتاج إلى وقت للتنفيذ بحسب فرص الاستقرار في البلاد، في حين تتكرس ممارسات الحكم في الحاضر. ينتج عن ذلك شكل من الاستقرار المؤقت القائم على إدارة الزمن السياسي بدلا من حسمه.
تتضح جغرافية السلطة في البلاد بشكل أكبر خلال هذه المرحلة، حيث تتكرس مناطق نفوذ شبه مستقرة ضمن خريطة أكثر انتظامًا من السابق؛ ففي الشمال الشرقي، يعزز الاتفاق بين قسد والحكومة في دمشق ترتيبات تهدف إلى تنظيم العلاقة الأمنية والإدارية والاجتماعية سواء على صعيد قوانين تجنيس الأكراد وإدماجهم أو حتى القوانين الإدارية، مع تأكيد مشترك بالحفاظ على وحدة سورية والسعي لإعادة دمج هذه المناطق ضمن إطار وطني أوسع.
أما في الجنوب، ولا سيما في السويداء، فيظهر غياب توجه واضح ومحدّد في سياسات الإدارة الجديدة، رغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد وحدة الأراضي السورية، حيث تترافق هذه الحالة مع بروز تباينات وخلافات مع شخصيات محلية مؤثرة مثل حكمت الهجري، خصوصا أن الأخير أعلن منذ بداية تشكيل الحكومة الجديدة رفضه أي مسار سياسي تحاول به هذه الحكومة عكس تعقيد المشهد المحلي وصعوبة إدماجه ضمن ترتيبات انتقالية مستقرة؛ وفي ظل محاولات من جهاز الحرس الوطني الذي يشرف عليه الهجري إحداث خروق وفوضى في الجنوب لا سيما في ما يتعلق بالاغتيالات وإعادة فتح مسار تهريب المخدرات للضغط على دول الجوار لتحريك ملف السويداء. تنتج عن هذا التوزيع الجغرافي للسلطة تجربة غير متجانسة للمواطنة، حيث تختلف أنماط الحقوق والقيود باختلاف الموقع الجغرافي، ضمن سياق انتقالي تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الفاعلين المحليين ومشروع الدولة.
على مستوى المجال العام، يشهد الربع الأول من عام 2026 تطورا ملحوظا نحو ترسيخ ممارسات إعلامية ومدنية أكثر استدامة، إذ تتوسع المبادرات الإعلامية المستقلة، وتزداد وتيرة العمل الاستقصائي، خاصة في ما يتعلق بتوثيق جرائم انتهاكات نظام الأسد خلال 14عاما وفتح المجال أمام المنظمات الدولة للدخول وإجراء تحقيقات وتفعيل أدوات رصد ومتابعة، أو توثيق الانتهاكات في الساحل والسويداء في مارس/ آذار ويوليو/ تموز 2025 ما يساهم في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. يترافق هذا الانفتاح مع حدود ضمنية، حيث يُسمح بالنقد ضمن سقوف معينة، وتظهر استجابات انتقائية تجاه الخطاب الذي يمس بنية السلطة. وهنا، تشكل قضية حرية الصحافة في سورية خلال الربع الأول من عام 2026 من أكثر المجالات التي تعكس طبيعة التحول المركّب الذي تعيشه البلاد، حيث تتقاطع القفزات الكمية في المؤشرات الدولية مع استمرار قيود بنيوية عميقة؛ إذ سجّل تقرير "مراسلون بلا حدود" لعام 2026 تقدما غير مسبوق لسورية، كما أشار التقرير إلى تحسن في المؤشرات السياسية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بعمل الصحافة، مع تراجع مستوى الضغط السياسي المباشر على الصحفيين. ويتقاطع ذلك مع تحسّن تقييم الحريات العامة في تقارير بيت الحرية في مؤشّر يعكس تحولات ملموسة في بيئة الحريات.
يعكس هذا التقدّم تحوّلات فعلية في البيئة الإعلامية، حيث عادت مؤسسات إعلامية محلية ودولية إلى العمل داخل سورية، وبدأ الصحافيون باستعادة مساحة مهنية كانت مغلقة عقوداً خلال حكم نظام الأسد. كما شهدت البلاد توسّعا في المبادرات الإعلامية المستقلة ومنصات النقاش والمنتديات التلفزيونية وصعود نجم البودكاست والمنتديات الإلكترونية، إضافة إلى تنشيط دور الصحافة والتلفزيون وتوسيع قاعدة البرامج الحوارية.
يعكس الواقع الميداني مشهدا إعلاميا معقدا يمتد عبر مناطق مختلفة، حيث تخضع الممارسة الصحافية لتداخلات أمنية وتنظيمية ومجتمعية تفاعلية تؤثر على الوصول إلى المعلومات وإنتاج المحتوى
كما برزت محاولات لتنظيم العمل الإعلامي من خلال إصدار مدونات سلوك مهنية تهدف إلى ضبط الأداء وتعزيز المعايير الأخلاقية. بقيت هذه المدوّنات ضمن إطار إرشادي، ويتسم الالتزام بها بطابع انتقائي، خصوصاً لدى الصحافيين المرتبطين بالسلطات المحلية أو القوى المسيطرة. كما تُستخدم أحيانا كأدوات لتنظيم الخطاب العام من دون أن تؤسّس لبيئة مهنية مستقلة، وتبقى عرضة للتسييس أو التوجيه بما يتناسب مع موازين القوة القائمة.
مع ذلك، يكشف التحليل المتعمّق أن هذا التحسن يعكس مرحلة انتقالية غير مستقرّة أكثر مما يعكس استقراراً مؤسّسياً راسخاً لحرية الصحافة. فالتصنيف العام لا يزال يضع سورية ضمن البيئات عالية الخطورة للعمل الصحافي، نتيجة استمرار القيود البنيوية والتنظيمية، وفي مقدمتها غياب إطار قانوني موحد يضمن استقلالية العمل الإعلامي، إلى جانب تعدّد السلطات التي تفرض أنظمة متباينة على الصحافيين والمؤسّسات الإعلامية. تستمر ظاهرة التضييق على الصحافيين بأشكال متعدّدة، تشمل حالات اعتقال أو احتجاز مؤقت، وذلك على امتداد الجغرافية السورية، بما فيها المناطق التي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية والسويداء حيث سيطرة المجلس الوطني العسكري. كما تُفرض قيود على التغطية الميدانية، خصوصاً في القضايا الحساسة أو عند العمل خارج الأطر التنظيمية المفروضة، إلى جانب تعرّض بعض المواد الإعلامية للحذف أو المنع في سياق إدارة المجال العام، وهو ما يعكس استمرار ارتباط حرية الصحافة باعتبارات أمنية وسياسية متغيرة.
يبقى التقييم النوعي لكل المؤشّرات العالمية موضوعيا وتقنيا، حيث لا تزال سورية من دون نقابات ترعى حقوق الصحافيين وتنظم عملهم وتحدد معايير العمل الصحافي الحقيقي بما يضمن حرية الصحافة والدفاع عن مصالح الصحافيين، وهو ما يكشف فجوة بين التحسّن الإحصائي والتحول البنيوي؛ فاستقلالية التحرير لا تزال محدودة، والاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية هشة، مع استمرار تأثير النفوذ السياسي في رسم حدود الخطاب.
يعكس الواقع الميداني مشهدا إعلاميا معقدا يمتد عبر مناطق مختلفة، حيث تخضع الممارسة الصحافية لتداخلات أمنية وتنظيمية ومجتمعية تفاعلية تؤثر على الوصول إلى المعلومات وإنتاج المحتوى. وتؤدي هذه البيئة إلى ترسيخ أنماط من الرقابة الذاتية ورقابة إلكترونية لا سيما مع تصاعد الخطاب التحريضي والخطاب الجنسي على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل استمرار حالات التضييق واشتراط الحصول على تصاريح للعمل الميداني، خاصة في مجالات التصوير والتوثيق. في هذا السياق، أثار قرار وزارة الإعلام بمنع منصات "جسور نيوز" و"هاشتاغ" و"الدليل" جدلا واسعا حول حدود تنظيم العمل الإعلامي، خصوصاً مع ربطه بمسائل الترخيص والمحتوى. وقد عادت بعض هذه المنصات إلى العمل، كما في حالة "جسور نيوز" ما عكس تأثير الضغط المهني والرأي العام في تعديل بعض القرارات.
بالتوازي، توسّع حضور صناع المحتوى الرقمي (مؤثرون ونشطاء وصحافيون مواطنون وغيرهم) دون التزام واضح بمدونة السلوك، ما ساهم في إعادة تشكيل المجال الإعلامي بشكل غير منظم. كما يستمر غياب صحافة مكتوبة مستقلة، مع محدودية المؤسسات الإعلامية نتيجة قيود التمويل والترخيص، وهو ما يحد من تطور بيئة إعلامية مهنية مستقرة.
وتوثّق المعطيات الميدانية 11 انتهاكاً خلال الربع الأول من عام 2026، شملت إصابة خمسة إعلاميين واعتقال واحتجاز أربعة، منهم الصحافي أحمد جمعة، إلى جانب تسجيل حالات اختفاء مثل الصحافية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان وقد توزعت هذه الانتهاكات جغرافياً، مع تسجيل خمس حالات في مناطق سيطرة قسد، وأربع في الرقة وثلاث في حلب، ما يعكس تعدّد مصادر المخاطر وتداخلها.
يواجه الإعلام المستقل في هذا السياق تحديات هيكلية عميقة، في مقدمتها ضعف التمويل وغياب الحماية القانونية، إلى جانب استمرار الشكوك الأمنية تجاه المؤسسات غير المرتبطة بالسلطة. وتعتمد منصّات عديدة على دعم خارجي أو شبكات المغتربين، ما يحد من قدرتها على التحول إلى مؤسسات مستقرة، في حين تواصل بعض الوسائل الإعلامية المرتبطة بالسلطات العمل ضمن منطق تعبوي أو شبه دعائي، بما يعيد إنتاج أنماط من الإعلام الموجّه بصيغ جديدة. وبالتالي، يعكس قطاع الصحافة في سورية خلال الربع الأول من عام 2026 مفارقة واضحة تتمثل في تقدم كمي ملحوظ في المؤشرات الدولية مقابل واقع مهني وقانوني لا يزال في طور التشكل. فقد توسّعت مساحة التعبير وتعددت المنابر الإعلامية، وازدادت قدرة الصحافيين على العمل نسبيا، ضمن بيئة سياسية مجزأة تتداخل فيها الحرية مع القيود، والاستقلال مع التبعية، في مشهد يعكس تعقيد المرحلة الانتقالية وإعادة تشكيل العلاقة بين الإعلام والسلطة.
وعلى مستوى الحراك الاجتماعي؛ يتخذ مسارا أكثر تنظيما مقارنة بالفترة التي أعقبت سقوط النظام مباشرة، حيث تتجه الاحتجاجات نحو التركيز على قضايا خدمية واقتصادية وإدارية؛ تتحول هذه التحركات إلى أدوات تفاوض بين المجتمع والسلطات، وتكشف استجابات متفاوتة تتراوح بين الاستيعاب والضبط، في ظل غياب إطار قانوني ناظم؛ وربما يستدعي وضع قوانين للتنظيم وحماية الحق بالتظاهر السلمي، خصوصاً بعد إلغاء قانون الطوارئ الذي كان نظام الأسد قد أرساه وبالتالي ستكون من السهل حماية الحق بالتظاهر والاعتصامات؛ مع تأكيد مبدأ الحماية خصوصا من أنصار الحكومة والمتشددين، ورفض فكرة "شارع مقابل شارع". تعكس الاعتصامات التي شهدتها بعض المناطق في الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) للمطالبة بإصلاحات إدارية واجتماعية والتراجع عن بعض القرارات التي أثقلت كاهل السوريين الذين يأملون أن تتحسن أوضاعهم بعد زوال نظام الأسد تحولا مهما في بنية المجال العام، حيث تعبّر عن قدرة المجتمع على استخدام الفضاء العام كأداة للتعبير والضغط واستعادة معنى الساحة السورية التي شكلت عصب الاحتجاجات خلال 14 عاماً. تعكس هذه الظاهرة تراجع القيود الصارمة التي سادت خلال فترة حكم بشار الأسد، وتنسجم مع التحسن المسجل في مؤشّرات الحرّيات المدنية. في الوقت ذاته، تتحدد هذه التحرّكات ضمن بيئة مرنة تخضع لتقديرات السلطات المحلية، ما يجعلها جزءا من دينامية مستمرة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة.
تُظهر مراجعة بيانات المؤشرات التي تعرض الحالة السورية وتواكبها تحسناً ملحوظاً في إدراك الحريات المدنية، خصوصاً في مجالي حرية التعبير والتجمع، مع بقاء هذه الحريات ضمن نطاق غير مؤسسي
يلاحظ أن حركة التنقل في سورية تسجل تحسّناً نسبياً مع إعادة فتح بعض الطرق وتراجع كثافة الحواجز، ما يسهم في إعادة ربط أجزاء من الاقتصاد السياسي والاجتماعي للبلاد، وتتشكل أنماط محدودة من العودة السكانية، مدفوعة بإمكانية الحركة أكثر من استقرار الأوضاع. تعكس هذه الديناميات بداية إعادة تشكل الروابط الاجتماعية والاقتصادية، ضمن بيئة لا تزال تواجه تحدّيات بنيوية كبيرة. تتجه السلطات الناشئة نحو تبني مقاربات براغماتية تحافظ على درجة من التعدّدية ضمن حدود مدروسة، مدفوعة باعتبارات الاستقرار الداخلي والتوازنات الخارجية. تظهر هذه السياسات في شكل مرونة نسبية تجاه التنوع الديني والثقافي، مع استمرار حالة من الحذر لدى بعض الفئات الاجتماعية.
يبقى المجال القانوني أحد أكثر الجوانب تأخّرا، حيث تتعدد الأنظمة القضائية وتتباين معاييرها وفق السلطة المحلية؛ مع محاولات الرجوع إلى قوانين وضعها نظام الأسد في أحيانٍ كثيرة من دون تعديلها، وغياب عقوبات رادعة، لا سيما في مسار العدالة الانتقالية وتفعيل مبادئها؛ لتتزايد النقاشات حول العدالة والمساءلة، خصوصاً مع توافر وثائق وشهادات عن المرحلة السابقة، من دون أن تترافق مع إنشاء مؤسسات مركزية قادرة على تحويل هذه المطالب إلى مسارات قانونية واضحة. يبرز هنا تباين واضح بين التوقعات المجتمعية والإمكانات المؤسسية.
وبمراجعة (واستذكار) نتائج المؤشر العربي الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن سورية عام 2025، ضمن هذا الإطار، لا يزال لدى السوريين ارتفاع مستويات الاهتمام السياسي، مقابل محدودية القنوات المؤسسية للمشاركة؛ ليعكس هذا الواقع في 2026 انتقالاً من العزلة السياسية إلى التفاعل الحذر مع المجال العام، حيث يختبر المجتمع حدود الانخراط السياسي ضمن بيئة غير مستقرة قد تفضي به إلى محاذير أمنية منها خطر تقديم بلاغات كيدية أو دعوى قضائية نتيجة تداخل سلطة الجمهور المؤيد للسلطة مع صلاحيات السلطة بحد ذاتها وتنصيب هذا الجمهور نفسه بمنصب المحاسب والمراقب، ما يجعل مسار العدالة والتصويب طويلاً.
تُظهر مراجعة بيانات المؤشرات التي تعرض الحالة السورية وتواكبها تحسناً ملحوظاً في إدراك الحريات المدنية، خصوصاً في مجالي حرية التعبير والتجمع، مع بقاء هذه الحريات ضمن نطاق غير مؤسسي. يفتقر هذا الانفتاح إلى إطار قانوني ناظم، في ظل غياب النقابات المستقلة، ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة، والهيئات التنظيمية والرقابية القادرة على ضمان استدامته. ويترافق هذا مع انتشار تصورات بشأن الفساد وضعف المحاسبة وتغليب العلاقات الشخصية في التوظيف، إلى جانب إتاحة المجال لبعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق لتولي مواقع ضمن الإدارة الجديدة تحت مبرّرات الكفاءة، ما يعكس وعيا مجتمعيا بحدود هذا الانفتاح ويثير تساؤلات حول اتجاهات عمل السلطة الحالية.
في المقابل، يظهر استعداد اجتماعي واضح لتبني التعددية السياسية وقبول التنوع الحزبي والفكري، إلا أن هذا الاستعداد لا يجد قنوات مؤسسية تتيح ترجمته إلى تمثيل فعلي. ويتعمق هذا التباين مع استمرار غياب النقابات المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني القادرة على أداء دور الوسيط بين المجتمع والسلطة، حيث تعاني هذه الكيانات من ضعف في بنيتها القانونية وتعدد القيود المفروضة على نشاطها، ما يحد من قدرتها على التنظيم والتأثير. في الوقت نفسه، يؤدّي غياب مؤسسات تشريعية منتخبة إلى تركيز عملية صنع القرار ضمن دوائر محدودة، وهو ما يوسّع الفجوة بين المجتمع والسلطة، ويحد من إمكانيات بناء حياة سياسية منظمة وقادرة على استيعاب هذا الانفتاح الاجتماعي المتزايد. في المحصلة، تكشف تطورات الربع الأول من 2026 عن انتقال سورية إلى مرحلة تتّسم بإعادة تشكيل أنماط الحكم ضمن بيئة متعددة الفاعلين. يتجسد هذا التحول في تراجع السيطرة المركزية، وظهور انفتاح اجتماعي مُدار، واستمرار غياب البنية المؤسسية القادرة على استيعاب هذا الانفتاح. يعكس ارتفاع المؤشّرات الكمية للحريات تحوّلات حقيقية في طبيعة المجال العام، ويواكبه استمرار التحديات المرتبطة ببناء نظام سياسي مستقر وقابل للاستدامة.

Related News
تعثر مفاوضات واشنطن وطهران يُبقي النفط فوق 104 دولارات
aawsat
11 minutes ago
الذهب يستقر وسط ترقب لبيانات التضخم الأميركي وتحركات ترمب
aawsat
11 minutes ago