Arab
يفتح كتاب "على درب الغول: سيرة غيرية - مذكرات سليمان منصور" (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2026) نافذة على حياة أحد أعمدة الحركة التشكيليّة الفلسطينية المعاصرة. الكتاب الذي أعدّته الباحثة رنا عناني بناءً على حوارات ممتدة مع منصور، هو تأريخ بصري واجتماعي لفلسطين من خلال عيني فنان عاش التحولات الكبرى منذ النكبة وصولاً إلى اليوم.
تبدأ الحكاية من ريف بيرزيت، حيث تشكلت علاقة منصور (1947) بالأرض. يصف منصور في مذكراته طفولةً مطعمة بالفقد، بعد رحيل جده ووالده، وهي المرحلة التي قادته إلى مدارس الأيتام في بيت لحم وبيت جالا. هناك، وفي وسط تلك الصعاب، اكتشف الفن بوصفه آلية للمداواة. يبرز في الكتاب دور الأستاذ الألماني فليكس تايس الذي اكتشف موهبته، لتبدأ رحلة أكاديمية وفنية قادته لاحقاً ليصبح رمزاً وطنياً.
يطرح سليمان منصور رؤيته لمفهوم الفنان المناضل من خلال استعارة "درب الغول"، إذ يرى أن طريق الفن في فلسطين يشبه القصص الشعبية؛ يخرج البطل وحيداً ليواجه أهوالاً تفوق طاقته. "الغول" هنا ليس مجرد كائن خرافي، بل هو تجسيد للاحتلال والاستعمار، وللحظات الانكسار، ولمحاولات تدجين الريشة. يرى منصور أن قيمة الفنان لا تكمن في تجنب السقوط، بل في الإصرار على استكمال الرحلة إلى "قصر السلطان" (رمزاً للوصول إلى الحقيقة أو الحرية)، مؤكداً أن الفن هو الذي يمنح الفنان تعويضاً عن الأهوال التي يمر بها، ويحول ألمه إلى بصمة باقية في حياة شعبه.
اللافت في المذكرات هو السياق الذي ولدت فيه أيقونة "جمل المحامل" (1973). يوضح الكتاب كيف تحولت هذه اللوحة من مجرد عمل فني إلى بوستر يزيّن بيوت الفلسطينيين، معبراً عن ثقل القدس التي يحملها الإنسان الفلسطيني على ظهره أينما حلّ. لقد نجح منصور في تحويل الفن من صالات العرض النخبوية إلى لغة يومية يفهمها الفلاح والعامل والطالب. كذلك يفرد الكتاب مساحة هامة لدور منصور النقابي، وتأسيس "رابطة الفنانين الفلسطينيين" في السبعينيات. يروي منصور بتفاصيل شيقة كيف كانت الاجتماعات تُعقد تحت أعين الاحتلال، وكيف كان الفن أداة لتثبيت الهوية في وجه محاولات الطمس.
حوّل الفن إلى لغة يومية يفهمها الفلاح والعامل والطالب
ولعل أهم المنعطفات الفنية التي يبرزها الكتاب هي مرحلة "نحو التجريب والإبداع" إبان الانتفاضة الأولى. هنا، لم يكتفِ منصور بالرسم عن الثورة، بل جعل من أدواته ثورة بحد ذاتها؛ فمن خلال مقاطعة المواد الفنية الإسرائيلية، اتجه نحو الأرض حرفياً، مستخدماً الطين والحناء والتبن. هذا التحول لم يكن جمالياً فحسب، بل كان إعلاناً عن الالتحام الروحي والمادي بالتراب الفلسطيني، وتحويل "طين الأرض" إلى مادة صلبة تقاوم المحو والنسيان.
تتنقل المذكرات بين مراحل فنية متعددة، من الرمزية السياسية الصارخة التي استخدم فيها رموزاً مثل شجر الزيتون، البرتقال، والمرأة بالثوب المطرّز، إلى "الفن المشهدي" الذي وثق فيه القرى والسناسل الحجرية. يروي منصور في الكتاب كيف تطور وعيه الفني من استلهام الحكايات الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة" إلى بلورة فن واقعي يخدم القضية الوطنية دون السقوط في المباشرة الفجة.
