تعز تغرق في العتمة... وشركات كهرباء خاصة تجني أرباحاً طائلة
Arab
1 hour ago
share
منذ أن شنّت مليشيات الحوثي حربها على مدينة تعز، وفرضت عليها حصاراً خانقاً عام 2015، لم تكن قذائف القصف هي الوحيدة التي مزقت المدينة، بل طاول الدمار شريان حياتها والخدمات العامة فيها، وعلى رأسها قطاع الكهرباء الذي خرج عن الخدمة تاركاً تعز في عتمة شاملة. ومع تدمير أجزاء واسعة من الأصول والمحطات الحكومية، وجد السكان في الطاقة الشمسية ملاذاً فردياً مؤقتاً، قبل أن تطل في عام 2018 ظاهرة الكهرباء التجارية التي دشنت عملها بفساد غير مسبوق. ففي مشهد من الاستغلال، وضعت شركات خاصة يدها على الشبكات والمعدات العامة المملوكة للدولة، وحولتها إلى أدوات لجني أرباح طائلة، متماديةً في فرض تسعيرات خيالية تجاوزت سبعة أضعاف السعر العالمي، ليتجاوز الأمر حدود الاستثمار ويتحول إلى جباية قسرية لم يستطع الصمود أمامها حتى أصحاب الحرف البسيطة. وكانت هذه الفواتير الباهظة هي الرصاصة الأخيرة التي أطلقت على أحلام الكثيرين، ومنهم عادل عبدالرحمن الذي وجد نفسه مضطراً لإغلاق محل بيع الآيس كريم الذي يعيل منه أسرته. يقول عبدالرحمن، لـ"العربي الجديد": عندي محل لبيع الآيسكريم، وهو مصدر دخلي الوحيد، ويعتمد العمل فيه بشكل رئيس على ثلاجات التبريد، وكنت أتفاجأ إنه يتم رفع سعر الكهرباء بشكل دائم حتى وصل سعر الكيلو واط إلى 1400 ريال (الدولار = 1560 ريالاً)، وهذا سعر كبير جداً، ووجدت نفسي عاجزاً عن توفير تكاليف الكهرباء، بالإضافة للتكاليف الأخرى من إيجار وأجور عمال وغيرها، وكنت أرفع سعر بضاعتي مع كل ارتفاع بتكاليف الكهرباء، حتى وصلت في الأخير إلى إغلاق المحل. ولا تتوقف المأساة عند حدود المشاريع الصغيرة، بل تمتد لتصيب عصب الحياة اليومية، إذ سببت فواتير الكهرباء الباهظة في رفع كلفة رغيف الخبز والخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة ومراكز الغسل الكلوي، مما حول الكهرباء من خدمة أساسية إلى أداة تشريد اقتصادي تنهك جيوب المواطنين وتعمق الأزمة المعيشية لآلاف الأسر في المدينة المحاصرة. ويعود ظهور شركات توليد الكهرباء التجارية في تعز إلى منتصف عام 2018، حين أُسست أول شركة تجارية (يمن كو) عبر عقد تأجير غير قانوني للشبكة الحكومية، وهو الإجراء الذي اعترض عليه مهندسو وموظفو المؤسسة العامة واعتبروه تجاوزاً لصلاحيات وزارة الكهرباء. وتخضع مدينة تعز اليوم لسيطرة عدة شركات كبرى لتوليد الكهرباء التجارية، تتقاسم أحياء المديريات الثلاث (القاهرة، المظفر، صالة) بنظام يشبه الإقطاعيات الخدمية، حيث تدير هذه الشركات شبكة واسعة تضم حوالي 60 ألف مشترك. وفي مدينة تنهشها الأزمات المعيشية، تفرض شركات توليد الكهرباء التجارية سطوتها بأسعار باهظة تضع تعز في قائمة أغلى المدن استهلاكاً للكهرباء، إذ بلغ سعر الكيلوواط الواحد للقطاع المنزلي 1300 ريال يمني (حوالي 0.83 دولار)، فيما يرتفع للقطاع التجاري ليصل إلى 1400 ريال (حوالي 0.90 دولار). وتتجلى فداحة هذا الاستنزاف عند مقارنته بالمعايير الدولية، حيث يبلغ متوسط السعر العالمي لوحدة الكهرباء المولدة من محطات الوقود التقليدي نحو 0.12 دولار، ما يعني أن المواطن في تعز يدفع ما يقارب سبعة أضعاف السعر العالمي. ولا تتوقف المعاناة عند حدود الاستهلاك الفعلي، بل تفرض هذه الشركات نظام فواتير (نصف شهرية) تُثقل كاهل المشتركين برسوم إضافية ثابتة تبلغ ألف ريال تحت مسمى رسوم خدمات، كما يدفع المشترك 100 ألف ريال عند إدخال الخدمة تحت مسمى "رسوم عداد" في إجراء غير قانوني يراه السكان استنزافاً منظماً يتجاوز القدرة الشرائية المنهارة أصلاً بفعل تدهور العملة المحلية، وارتفاع الأسعار، ويؤكد غياب الرقابة الحكومية على هذا القطاع الحيوي. وتُظهر الأرقام فجوة هائلة بين ما يحتاجه السكان وما يتم توليده فعلياً، فبينما تضخ الشركات التجارية حوالي 14 ميغاوات فقط، فإن الاحتياج الفعلي لمديريات تعز الثلاث والمناطق المجاورة لها يقفز إلى 50 ميغاوات في حال توفرت خدمة حكومية بأسعار معقولة، هذا العجز الهائل يضع السلطة المحلية أمام تساؤلات حتمية حول أسباب تخليها عن مسؤولياتها. وعلاوة على الاحتكار السعري، تبرز معضلة فنية تتمثل في تهالك الشبكة العامة التي تستخدمها تلك الشركات. وعن هذه النقطة يقول رئيس قسم هندسة الطاقة المتجددة بجامعة تعز، مختار علي العمراني، لـ"العربي الجديد" إن "رفع السلطات المحلية راية العجز عن أخذ زمام المبادرة وتحمل مسؤوليتها يضع علامات استفهام كثيرة وغير مبررة، فإغلاق محطة عصيفرة وعدم السماح للمهندسين بتشغيلها تصرف غير مفهوم، وباعتقادي أن تشغيلها بوضعها الحالي أهون بكثير على المواطنين من جحيم أسعار الشركات التجارية". ووفق العمراني فإن الأولوية تكمن في تحديث هذه الشبكة واستبدال الأسلاك والمحولات قبل التفكير في تشغيل أي محطات جديدة، معتبراً أن "الاستسلام للشركات التجارية والقيام بدور المتفرج من السلطات الحكومية خيانة، وأي تأخير لا يخدم سوى تعقيد المشهد أكثر". ويرى أن الحلول الهندسية موجودة ولكنها تصطدم بالعائق الإداري، موضحاً أن بإمكان المؤسسات الحكومية في تعز (مثل الجامعة والمدارس والمستشفيات) وحدها أن تدعم الشبكة بنحو 20 ميغاوات من الطاقة الشمسية في أوقات النهار لو توفرت الإرادة السياسية، لكن استعادة المنظومة تتطلب تغييراً شاملاً في قيادة السلطة المحلية، وما دون ذلك ليس سوى ترقيع لن ينهي نفق الخصخصة المظلم". وفي مواجهة هذه التطورات، لم ينفِ مدير عام مؤسسة الكهرباء بتعز، خالد عبد المجيد، وجود فيتو يعرقل عودة المنظومة الحكومية، مؤكداً في حديثه لـ "العربي الجديد" أن "أي توليد حكومي له من يعيقه، وهم أصحاب المصلحة في الوضع القائم، والمستفيدون من غياب الدولة هم من يعرقلون تشغيل المحطات". وكشف عبد المجيد عن وضع كارثي تعيشه المؤسسة التي باتت بلا موارد حقيقية، حيث تكتفي الشركات التجارية بدفع مبالغ زهيدة لا تتجاوز سبعة ريالات للكيلوواط مقابل استخدام الشبكة العامة، وهي مبالغ لا تكفي حتى لترميم مبنى المؤسسة المدمر أو دفع رواتب الموظفين، في ظل بسط الشركات على الشبكة منذ ثماني سنوات وسط صمت رسمي طويل. ويصف عبد المجيد المشهد بأنه معركة غير متكافئة، حيث تخوض المؤسسة نزاعات قضائية مع تجار يرفضون سداد الديون المتراكمة عليهم منذ سنوات، واصفاً بعضهم بأنهم "كل واحد عامل نفسه دولة". وأشار إلى أن الحل يتجاوز القدرات الهندسية للمؤسسة، فاستعادة محطة عصيفرة أو البحث عن بدائل طاقة أرخص من الديزل (كالغاز أو الطاقة الشمسية) يحتاج إلى إمكانيات دولة وقرارات حازمة من السلطة المحلية ووزارة الكهرباء ومجلس القيادة الرئاسي، مؤكداً أن "المؤسسة رفعت كافة الدراسات والاحتياجات الفنية للجهات المختصة، إلا أن غياب التمويل يقف حائلاً دون استكمال الصيانة الضرورية". وبشأن الحلول الفورية، أوضح مدير مؤسسة الكهرباء أن محطة عصيفرة لا تحتاج إلى نفقات كبيرة لتدخل الخدمة بمتوسط توليد يصل إلى 10 ميغاوات في حال توفر وقود الديزل عبر البرنامج السعودي، لكنها تظل حلولاً ترقيعية في ظل الحاجة لشركات استشارية متخصصة لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة من الحرب والإهمال. واختتم عبد المجيد حديثه بنبرة تحمل الكثير من الإحباط، معتبراً أن "غياب الإرادة في حسم ملف الكهرباء التجارية وعدم جدية المعنيين في إنفاذ القانون، جعل من قضية كهرباء تعز مشكلة عويصة تتطلب إسناداً من أعلى هرم السلطة لكسر احتكار التجار واستعادة سيادة الدولة على هذا القطاع". وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد وضبط الانفلات السعري، أقرت السلطة المحلية في تعز، مصفوفة تسعيرية جديدة وملزمة، جرى إقرارها عبر اللجنة الفنية برئاسة وكيل أول المحافظة عبد القوي المخلافي، قبل أن يدخلها المحافظ نبيل شمسان حيز التنفيذ بتوجيهات حازمة. وتكشف وثيقة رسمية صادرة عن تكتل ملاك محطات التوليد التجارية في تعز (حصلت العربي الجديد على نسخة منها) عن حجم الفجوة والمساومة بين السلطة المحلية والمستثمرين، ففي الوقت الذي تدفع فيه السلطة نحو خفض الأسعار، يرفض الملاك ذلك بذريعة الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل والديزل. واللافت في الوثيقة هو العرض البديل الذي قدمه ملاك المحطات (الأنوار، تعز المركزية، باقر، النهضة، ويمن كو)، حيث اقترحوا تسليم مولداتهم للمؤسسة العامة للكهرباء لتشغيلها، مقابل منحهم حصة صافية تبلغ 400 ريال عن كل كيلوواط يتم توليده، على أن تلتزم الدولة بتوفير الوقود والقيام بالصيانة. هذا المقترح يضع علامات استفهام كبرى حول رغبة هذه الشركات في خصخصة الأرباح وتأميم التكاليف، فبينما يطالبون بـ 400 ريال كفائدة صافية للكيلوواط الواحد، يُجبر المواطن على دفع أضعاف هذا المبلغ لتغطية بقية التكاليف التي يرفض المستثمرون تحملها، في ظل بنية تحتية متهالكة ومولدات صغيرة تتعرض للأعطال المتكررة. ومع صدور قرارات خفض التعرفة إلى 900 ريال، يبرز السؤال الجوهري حول قدرة السلطة على فرض هيبتها، ففي ظل غياب الحلول البديلة، تظل المدينة تحت رحمة إضراب الشركات الذي قد يغرق المدينة في ظلام دامس، مما يستدعي تفعيل قانون الطوارئ لإجبار تلك المحطات على التشغيل لضمان استمرارية الخدمة. وفي ظل هذا الانسداد وغياب الإرادة الرسمية، لم يجد المواطن بداً من التوجه نحو الطاقة البديلة خياراً للنجاة، رغم تكلفتها المرتفعة التي تصل إلى ضعف الأسعار العالمية بسبب الحاجة لأنظمة تخزين (بطاريات ليثيوم) مكلفة، في ظل غياب شبكة حكومية موحدة تسمح بربط الألواح عبر عدادات مباشرة كما هو الحال في دول العالم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows