Arab
ذات مرة، قال غوستاف لوبون: "ستكون الحرية في المستقبل كناية عن تباغض أبناء الوطن الواحد وتضاغنهم". ماذا يعني أن يهاجم مؤمنون بوطن/ ملة/ ثقافة/ تراب... بعضهم بعضاً؟ هل الكرة علف هوياتي آخر أمتن من أية فكرة أخرى أو صداقة وقرابة وطنية في المدينة؟ ما هو الوعد الذي يقدمه الوطن الكروي (وطناً بديلاً) لرعاياه حتى تتمكن منهم تلك القدرة الرهيبة على الإساءة والتدمير من أجله، حتى تدمير كل بنى الوطن الواقعي (ملعب مولاي عبد الله) ومفاخره الراهنة أمام بقية العالم؟
قال فريدريش نيتشه ذات مرة: "حتى يمكن أن نشيد معبداً ينبغي أن نهدم آخر". فما هي المعابد التي يشيدها المتحاربون في ساحة الملاعب الكروية، بشكل مشاغب، بتدميرهم لهذه الملاعب نفسها؟
الأمر معناه تأسيس لنوع جديد من القيم يتشيّد بمحو لوحة القيم القديمة. يتعلق الأمر بصياغة شكل جديد للتضحية بالمعنى العلماني، والاستشهاد بالمعنى الديني، حيث إن الإنسان مرهون بالتضحية من أجل قضية ما والكفاح من أجلها (إنسان من أجل...) بالمعنى الفينومينولوجي للكلمة. وحيث لا تكون له قضية جديرة بالتضحية، فإن كفاحه يتزحزح نحو مناطق يملؤها الفراغ، ويتجه مباشرة إلى باحة التافه واللامعنى.
يرى ماكس فيبر، في حديثه عن حرفة السياسي، أن السياسة معرّضة لخطيئتين: الأولى أن لا تكون للسياسي أية قضية يدافع عنها، والثانية أن لا يحسّ بأية مسؤولية.
ويبدو أن الجيل السياسي الحالي مصاب بالخطيئتين معًا، حيث لا قضية له. وبما أن الإنسان كائن سياسي بالضرورة، فإن الشباب العنيف في المدرجات يزيح هذه الطاقة إلى المدرجات والكرة ومشتقاتها من مبتكرات عصر الاستهلاك والانحراف الممنهج، حيث لا إحساس بأية مسؤولية تجاه أحد، سواء كان بنية مادية (ملاعب، حافلات...) أو أخلاقية (وطن، أمن، قانون، مواطنون...). كل هذه المدونات القانونية والأخلاقية توجد خارج الخدمة داخل الملعب. إن الأمر يتعلق ببلورة شكل جديد للانتماء، والولاء يحوّل الجمهور إلى كائنات حربية محضة.
الإنسان مرهون بالتضحية من أجل قضية ما. وحيث لا تكون له قضية جديرة بالتضحية، فإن كفاحه يتزحزح نحو مناطق يملؤها الفراغ، ويتجه مباشرة إلى باحة التافه واللامعنى
لم تعد الروابط الجماعية، قانونية أو اجتماعية، اليوم معملاً مفيداً لإنتاج قيم "العيش معاً"، بل أصبح كل تجمع أو تجمهر مشروع كارثة أو محضناً لإرادة إساءة كامنة في جسد كل فرد من الجماعة. هذا الفرد، ما إن يدخل الجماعة، حتى يتحول إلى غول كروي خطير على مستقبل الإنسانية، ما دامت الكرة فكرة إنسانية.
ما فتئ سيكولوجيو السياسة يؤكدون أن كل فوضى في جميع البلدان لن تؤدي إلا إلى مزيد من الطغيان والحكم المطلق. لذلك، لا يمكن أن نتأول شغب الملاعب أبداً بوصفه فعلاً ثورياً في خدمة الديمقراطية، فلا يمكن للفوضى أبداً إلا أن تبرر الطغيان وتعمّق، بشكل رهيب، طلباً شعبياً غريباً للدولة الأمنية.
إن العنف المنتج في الملاعب، خاصة حينما يكون موجهاً إلى جماعة تنتمي إلى الثقافة نفسها/ الوطن، حيث تتحول هذه الروابط القوية إلى روابط ضعيفة أمام قوة رابط القميص الكروي الضعيف في رهاناته، يجعل المسألة ذات بعد أنطولوجي أكثر منه مجرد مشاعر سيكولوجية، ويعيد طرح مسألة الصداقة والعداوة والكراهية طرحاً فلسفياً: فمن هو الصديق والعدو في ساحة معركة أرضها مدرجات ملعب كرة تحوّل فجأة إلى آلة لإنتاج العنف العمومي؟
شغب الملاعب لا يمكن أن نتأول شغب الملاعب أبداً بوصفه فعلاً ثورياً في خدمة الديمقراطية، فلا يمكن للفوضى أبداً إلا أن تبرر الطغيان وتعمّق، بشكل رهيب، طلباً شعبياً غريباً للدولة الأمنية.
إن ما رأيناه في ملعب مولاي عبد الله، وفي ملاعب أخرى، هو عنوان كبير لخيبة أمل عميقة في أنفسنا.
إنه ليس نزاعاً حول سلطة أو ثروة، أو حتى خطة مواطنة بديلة. إنه عنف عبثي ليس له من غاية سوى ذاته، متخذاً من ساحة كرة قدم مجرد فضاء مناسب لمهاجمة أشخاص مثلنا (الجمهور المضاد، الأمن، العمال...) نتشارك معهم كل شيء سوى تفضيلاتنا المتعية والهامشية.
لقد تبين أن ما نقوله حول أنفسنا لأنفسنا وللعالم صار مهدداً. فالظواهر مثل شغب الكرة في جل ملاعب العالم تهدم كل سرديات التقدم البشري التي ندعيها ونرتلها بشكل يومي وروتيني على بقية الكائنات في كل حين. ولا يبدو أن القضاء على الفوضى وهم؛ إذ لم تفلح كل تجارب القانون الحديثة في القضاء عليه.
إن النفوس تحتاج أيضاً إلى رشفة من التغيير، وليس فقط الأنظمة.
Related News
غوميز: الفتح يعاني من غياب التحفيز والمكافآت
aawsat
10 minutes ago
نيكو ويليامز يثير المخاوف في إسبانيا قبل المونديال
aawsat
24 minutes ago
خروقات ميدانية تقوض الهدنة بين روسيا وأوكرانيا
alaraby ALjadeed
24 minutes ago