الهجرة عبر الأطلسي... ملاذُ الفارّين إلى أوروبا من جحيم شرق المتوسط
Arab
1 hour ago
share
يقبل مهاجرون أفارقة على الهجرة إلى أوروبا عبر مسار بحري خطر، يبدأ من غرب القارة ويعبر المحيط الأطلسي، وصولاً إلى جزر الكناري الإسبانية، بعدما تفاقمت تهديدات العصابات وعنف الحكومات في شرق البحر المتوسط. - بعد أشهر من الحيرة والتردّد، حسم الشاب السنغالي برهام كاه أمره، وقرّر خوض غمار مسار الهجرة البحري الممتد من سواحل مدينة دكار باتجاه جزر الكناري الإسبانية ومنها إلى أوروبا. ورغم أن الرحلة أقصر زمنياً من المسارات البرية - البحرية الأخرى، لكنها محفوفة بمخاطر مميتة، فالرياح الأطلسية العاتية تتربص بقوارب متهالكة لم تعد صالحة حتى لغرضها الأساسي في الصيد، فكيف بالإبحار لمسافات شاسعة في ظلّ ظروف جوية قاسية؟ ومع هذا يقول كاه لـ"العربي الجديد"، إنّ نصيحة صديقٍ له وصل إلى إسبانيا في عشرة أيام فقط كانت في محلّها، يضيف: "في الحقيقة كان مقترحاً جيداً"، وبالتأكيد كفة الطريق البحري راجحة، في مقابل المسارات البرية من السنغال مروراً بدولة مالي أو بوركينا فاسو المجاورتَين لبلاده، ومن هناك إلى النيجر، ثم خوض غمار الصحراء الكبرى التي تربط النيجر بالأراضي الليبية وما فيها من عصابات الجريمة المنظمة ومراكز التعذيب والاحتجاز وإن نجا المهاجر من كل ما سبق سيصل إلى أوروبا عبر البحر المتوسط كما فعل هو بشكل أسهل وأسرع من الناحية الغربية، لهذا يعتقد الشاب الثلاثينيّ أن "الطريق عبر الأطلسي صار بديلاً ناجعاً مقارنة بمسار المتوسط". ويدخل قرار كاه ومن سبقوه كما من سيلحقون به، ضمن عملية تحول استراتيجي في مسارات وتدفقات الهجرة غير الشرعية، إذ تشير دراسة بعنوان "الاتّجار بالبشر وتهريب المهاجرين في غرب أفريقيا: الجهات الإجرامية الفاعلة"، نُشرت في 22 يوليو/تموز 2025 بمجلة Social Sciences الأكاديمية السويسرية، إلى أنّ تضييق الرقابة في وسط وشرق المتوسط، أدى إلى بروز "مسار الأطلسي" وجهةً شعبيةً جديدة تنطلق من السنغال وموريتانيا وغامبيا، خاصّة بعد القيود الإيطالية الصارمة التي تُلزم سفن الإنقاذ بالتوجه لموانئ محدّدة وإعادة المهاجرين الذين يجري اعتراضهم إلى دول ثالثة، وحظر عبور سفن الإنقاذ التابعة لمنظمات غير حكومية محلية ودولية إلى المياه الإيطالية. وتأكيداً على توسع المسار الجديد، تنقل الدراسة عن الحالات المستطلعة آراؤهم، بأنه بات الملاذ الأخير لفئات هشة، منها القصر الذين ينحدر أغلبهم من السنغال وغينيا وساحل العاج، فراراً من التجنيد القسري في الجماعات المسلحة، وكذلك الفتيات اللواتي يهربن من شبح الزواج القسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي. طلب يفوق العرض وصل العشريني السنغالي مودوا إنياس إلى جزر الكناري مطلع عام 2023، ليصبح واحداً من بين 39.910 مهاجرين قدموا من بلاده على متن قوارب صغيرة، بحسب بيانات الشبكة الأوروبية لحقوق اللاجئين وطالبي اللجوء (تحالف يضم 124 منظمة غير حكومية) الصادرة في الأول من يناير/كانون الثاني 2024. بينما سجل عام 2025 وصول 17.788 مهاجراً إلى جزر الكناري بطريقة غير نظامية بعد عبورهم من سواحل غرب وشمال أفريقيا، بانخفاض قدره 62% مقارنة بعام 2024، حسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، ضمن تقرير "غرب أفريقيا: طرق الهجرة غير النظامية إلى أوروبا". على كلٍ، لم ينس إنياس مخاطر الرحلة التي خاضها ورفاقه عبر قارب خشبي متهالك، لكنّه يقول إنها لا تقارن مع ما حدث لأخيه مالك خلال هجرته براً عبر مالي إلى النيجر ومن هناك إلى ليبيا بهدف الوصول إلى أوروبا عبر المتوسط، إذ فشل في إكمال الرحلة إلى الوجهة النهائية، بسبب تعرضه للتعذيب في مركز احتجاز بمدينة بنغازي شرقي ليبيا لمدة ثلاث سنوات. بعد عودته، فضَّلَ مالك البقاء في بلاده على المحاولة مجدداً مضيفاً لـ"العربي الجديد" :"نصحت شقيقي بعدم خوض التجربة خوفاً من تعرضه لمكروه في الصحراء الكبرى، أو الوقوع في فخ الاحتجاز لدى المليشيات الليبية". المخاوف هذه ينقلها تقرير "طرد وبيع المهاجرين من تونس إلى ليبيا"، الصادر عن مجموعة الباحثين (استخدم اسماً مستعاراً جماعياً، لحمايتهم وتمكينهم من مواصلة عملهم بحرية في تونس) في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وإجمالاً توصل المشاركون إلى "شيوع تجارة بيع البشر عبر الحدود، بالإضافة إلى الترابط بين بنية اقتصاد الهجرة غير الشرعية والخطف والفدية في السجون الليبية". في 29 يناير 2025، عُرض التقرير آنف الذكر على البرلمان الأوروبي ليثير نقاشاً واسعاً وتحديداً ما جاء فيه حول أنّ "تونس اعترضت 100 ألف مهاجر غير شرعي منذ عام 2023 وحتى توقيت صدوره، 80% منهم ينتمون إلى دول جنوب الصحراء الكبرى، ووقع ترحيل أغلبهم إلى ليبيا والجزائر"، لهذا يعزو التقرير "الانخفاض الحاد في أعداد الوافدين بحراً عبر إيطاليا، إلى العنف ضد المهاجرين وكثافة عمليات اعتراض المهاجرين في البحر". وهكذا فإنّ ذيوع الوقائع السابقة دفعت المهاجرينَ الأفارقة إلى تفضيل مسار الأطلسي كما يروي قبطان قارب الصيد الأسماك، مور أنجاي، والذي ترك نشاطه الأساسي وصار يعمل في نقل المهاجرين من شواطئ السنغال إلى جزر الكناري، موضحاً أن المهاجرين الذين ترحلهم السلطات الموريتانية يتحركون إلى نقاط ساحلية سنغالية ويتجمع فيها مهاجرون من جنسيات عديدة ينتظرون دورهم، قائلاً: "الطلب يفوق العرض حالياً على الساحل السنغالي". الفرار من الخوف إلى النوم بدأ كاه خطوته الأولى في البحث عن مهرب ممن ينظمون رحلات الهجرة غير الشرعية بالتعاون مع صيّادين على معرفة جيدة بالمسار على "الطريق الممتد من مناطق مختلفة على طول سواحل غرب وشمال غرب أفريقيا إلى جزر الكناري، والذي يعد طريقاً بحرياً رئيسياً للمهاجرين واللاجئين بطول 2000 كيلومتر" وفق ما وثقه معد التحقيق عبر إفادات سبعة مهاجرين غير قانونيين، ومنهم كاه الذي توصل إلى رقم هاتف مهرب في مدينة سانت لويس على الساحل الشمالي الغربي للسنغال، ليتلقى رداً بأنه يستعد لتنظيم رحلة إلى جزر الكناري، وطلب منه دفع 400 ألف فرنك غرب أفريقي XOF (يوازي المبلغ 720 دولاراً أميركياً) شاملة مصاريف الطعام والشراب خلال فترة الرحلة، وهو ما فعله كاه، إذ ذهب إلى منزل المهرب ودفع له المبلغ واتفق معه على موعد الرحلة التي انطلقت في العاشر من مارس/آذار 2021. يصف كاه مشاعره بمجرد وصوله إلى مكان السفر قائلا :"انتابني خوف شديد، فقد رأيت قارباً متهالكاً قيل إنّه سيقلنا في رحلتنا إلى جزر الكناري. تساءلت كيف يمكنه عبور الأطلسي بهذه الحمولة الكبيرة من البشر؟. لكنها مخاطرة كان لا بدّ من خوضها"، ولمواجهة رعبه وحتى لا يسيطر عليه، كان يفرّ من الخوف إلى النوم هروباً من أهوال الرحلة على متن قارب يترنّح يميناً يساراً بفعل الرياح القوية في المحيط، مضيفاً أنه عانى كغيره من شدة البرد والجوع الشديد، فخلال عشرة أيام من الإبحار المنهك، اقتصر قوتهم على البسكويت والكسكسي. ولئن وصل كاه سالمًا إلى جزر الكناري. عاد العشريني السنغالي الحسن انجينغ أدراجه مع مهاجرين آخرين بسبب ارتفاع الأمواج التي كادت أن تُغرق قاربهم، حسبما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفا:" كان قرار العودة صائبًا بعد انحراف القارب عن مساره في اليوم الرابع منذ بدء الرحلة، خشيةَ الغرق خاصة بعد تفاقم الجوع مع انتهاء مياه الشرب والطعام". وتعجز القوارب الخشبية المتهالكة عن مقاومة التيارات البحرية القوية في الأطلسي، وفق القبطان أنجاي، مضيفاً أن رحلات الهجرة عبر قوراب صغيرة متهالكة تحمل أكثر من طاقتها الاستيعابية صار معتادا ولم يعد المهربون يهتمون بما قد يقع بعد جمع المال. عداد الموت يتصاعد في رحلته الأولى عبر الأطلسي، فشل مودوا إنياس في الوصول إلى جزر الكناري، والسبب، وقوع انفجار في أحد خزانات الوقود الخاص بالقارب، ما أدى إلى حالة هلع وهيجان بين المهاجرين، خاصة بعد انشقاق القارب إلى نصفَين، كما يقول، مشيراً إلى نجاة 100 مهاجرٍ، بفضل التدخل السريع للبحرية الوطنية السنغالية التي أنقذتهم على بعد خمسين كيلومتراً من ساحل مدينة أمبور M'Bour المطلة على الأطلسي جنوب دكار. وتتكرر هذه الوقائع "فالرحلة عبر الأطلسي تعد مخاطرة كبيرة"، كما يقول رئيس منظمة أفق بلا حدود (غير حكومية سنغالية تعمل في مجال الدفاع عن حقوق المهاجرين) أبو بكر سيي، الذي يوضح لـ"العربي الجديد" أن المهاجرين يواجهون مخاطر جمّة تعرّض سلامتهم للخطر، ما قد يخلق بؤرة جديدة لضحايا قوارب الموت خاصة مع تزايد أعداد الراغبين في خوص المسار الجديد واستغلال المهربين لكل ما توفر من قوارب مهترئة. ومع هذا لا تزال أعداد القتلى أقل من نظيرتها في شرق ووسط المتوسط، إذ تعرض 1062 مهاجراً غير قانوني للغرق أثناء محاولتهم الوصول إلى جزر الكناري خلال عام 2024، لكن تزايد الأعداد يجري بوتيرة لافتة، ففي عام 2025، سُجّلت 54 حالة غرق للقوارب قبالة سواحل جزر الكناري والمغرب وموريتانيا، أسفرت عن وفاة أو اختفاء 1214 مهاجراً، بحسب بيانات تقرير "غرب أفريقيا: طرق الهجرة غير النظامية إلى أوروبا". 54 حالة غرق لقوارب الهجرة قبالة سواحل جزر الكناري وموريتانيا والمغرب وبحسب التقرير فإن تزايداً ملحوظاً للمهاجرين عبر الطريق الجديد منذ عام 2020، أدى إلى تفاقم المخاطر والوفيات وحالات الاختفاء نتيجة غرق وانجراف القوارب على طول ساحل الأطلسي، ومن بين هؤلاء الضحايا الأخوان، أمبي ومالك جوف، اللذان فقدا في البحر أثناء رحلتهما من سواحل دكار إلى جزر الكناري في منتصف عام 2025، كما تروي والدتهما واد أتيام. هشاشة القوات البحرية يستغل المهربون غياب الرقابة في معظم الدول الأفريقية التي تنطلق من سواحلها رحلات المهاجرين، كونها لا تملك أجهزة عسكرية وأمنية قوية، وأهمها زوارق الدورية المزودة بأنظمة متطورة قادرة على مراقبة ما يجري في البحر، كما يقول المهرب بشير صال، قائلاً: "أرتب رحلات بحرية للمهاجرين بعد استيفاء العدد عبر سماسرة معاونين أدفع لهم 90 دولاراً عن كل مهاجر وبدوره يدفع لي 700 دولار شاملة مصاريف الرحلة". غير أنه في بعض الأحيان، تنجح البحرية السنغالية أثناء بدء الرحلة تحديداً وقبل دخولها وسط المحيط، في مداهمة القوارب، بحسب ما ذكره صال. وبالرغم من كل الصعوبات التي تواجه عملهم، يؤكد جبريل جاورا رئيس قسم العمليات في البحرية الوطنية السنغالية أنهم نجحوا في اعتراض 82 قارباً على متنها تسعة آلاف مهاجر غير شرعي في عام 2023، كما اعترضت القوات 29 قارباً بداخلها 4198 مهاجراً في عام 2024، وفي العام الماضي أوقفت 39 سفينة تقلّ 2900 مهاجر غير شرعي. إلّا أن مهاجرين كثراً ينجحون في تجاوز قواتها كما يقول برهام كاه، مضيفاً: "الحذر مطلوب أثناء الرحلات هذه، إذ تدخل القوارب في مسارات خطرة، ولولا تدخل العناية الإلهية وتمكّن قبطان القارب من حل مشكلة في نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لما وصلنا إلى وجهتنا"، ويتابع: "لدى وصولنا إلى جزر الكناري استقبلتنا البحرية الإسبانية التي تتولى تأمين الحدود الجنوبية للبلاد قبالة سواحل أفريقيا، وتقدم الإسعافات الأولية والغذاء والماء للمهاجرين عبر تعاون مع الصليب الأحمر، بعدها تحصل الشرطة الوطنية على البصمات ويجري تسجيل البيانات الشخصية في مراكز الاستقبال، لتحديد الهوية، ثم الفحص الأمني لمعرفة ما إذا يشكل الشخص خطراً أو لديه سجل جنائي". يتابع كاه، "كنت محظوظاً بتفهم السلطات الإسبانية لأسباب هجرتي، ومنحي الإقامة بعد خمسة أعوام من الوصول"، قائلاً: "أقنعتهم بأنّ أفراد قبيلة الفلان (أكبر المجموعات العرقية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا) التي أنتمي لها يتعرضون لمضايقات عرقية في إقليم ماتم Matam شمال شرقي السنغال على الحدود مع موريتانيا ومالي، فجرى منحي إقامة مؤقتة، واليوم أعمل على بناء حياة جديدة".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows