مسلسل "اللعبة"... الكوميديا في فخ التكرار
Arab
1 hour ago
share
منذ انطلاقه قبل سنوات، استطاع مسلسل "اللعبة" للمخرج معتز التوني أن يرسّخ لنفسه موقعاً خاصاً داخل الكوميديا التلفزيونية المصرية، معتمداً على فكرة بسيطة: صداقة تتحول إلى منافسة مفتوحة عبر سلسلة من الألعاب والتحديات التي تتصاعد في غرابتها وتعقيدها. في جزئه الخامس، الذي يعرض حالياً عبر منصة شاهد، يعود العمل محمّلاً برهان مزدوج، وهو الحفاظ على جماهيريته من جهة، وتفادي الوقوع في فخ الاستهلاك الذاتي من جهة أخرى. يدرك المشاهد مبكراً أن ثمة محاولة واضحة لتجديد آلية اللعبة نفسها، سواء عبر إدخال عناصر معاصرة مرتبطة بالتكنولوجيا أو عبر تطوير شكل التحديات والعقوبات. فقد شهدت الحلقات الجديدة تصعيداً في طبيعة المنافسات، بما يمنح السرد إيقاعاً متجدداً نسبياً. لكن هذا التطوير لا يخفي حقيقة أن البناء الدرامي ظل أسيراً للصيغة الأولى، والمتمثلة في ثنائية مازو ووسيم، وفريقين، وتحديات، ثم عقوبات. يطرح هذا سؤالاً حول حدود التجديد داخل قالب مغلق. فالمسلسل يراهن على تنويع التفاصيل أكثر من إعادة بناء الفكرة، وهو خيار ينجح أحياناً في خلق لحظات كوميدية طازجة، لكنه يظل مهدداً بالتكرار. أحد أبرز عناصر قوة المسلسل عبر أجزائه السابقة كان الاعتماد على كيمياء الممثلين، خصوصاً الثنائي هشام ماجد وشيكو. هذا العنصر لا يزال حاضراً في الجزء الخامس، إذ يستمر إلقاء الإفيهات السريعة والتفاعل العفوي بين الشخصيات، لتصبح رافعة أساسية للضحك. لكن الكوميديا هنا باتت أكثر اعتماداً على اللازمة المتكررة، أو على المواقف الممتدة التي تُبنى للوصول إلى نكتة واحدة، ما قد يبطئ الإيقاع أحياناً. هذه الإشكالية ظهرت تدريجياً منذ الجزء الثالث، لكنها تصبح أوضح مع استمرار السلسلة. وإذا كان الجزء الأول قد تميز بخفة مفاجئة، فإنّ الأجزاء اللاحقة، بما فيها الخامس، تبدو أوعى بنجاحها، ومن ثم أميل إلى إعادة إنتاجه، بدلاً من المغامرة بتغييره. عند وضع الجزء الخامس في سياق السلسلة، يمكن رصد ثلاث مراحل واضحة، فالجزء الأول والثاني اعتمدا على تأسيس الفكرة وبناء عالم "اللعبة"، مع كوميديا تعتمد على المفاجأة. أما الجزءان الثالث والرابع، فقد توسعت فيهما نطاق التحديات، مع بداية ظهور ملامح التكرار. وها هو الجزء الخامس يسعى جاهداً إلى التجديد داخل القالب نفسه. غير أن الميزة الأساسية في الموسم الجديد، الذي تجاوزت حلقاته المعروضة النصف، أنه أكثر إنتاجية من ناحية الأفكار داخل الحلقة الواحدة، إذ لا يكتفي بتحدٍّ واحد، بل يمر بعدة مستويات، ما يمنح المشاهد إحساساً بالحركة المستمرة. لكن في المقابل، تقل مساحة التطور الدرامي للشخصيات، التي تبدو ثابتة تقريباً، وكأنها تؤدي أدواراً داخل لعبة لا تتغير قواعدها. لا تمكن قراءة الموسم الخامس من "اللعبة" بمعزل عن سياق الإنتاج، خصوصاً صعود المنصات الرقمية. عرض العمل خارج الموسم الرمضاني يعكس تحوّلاً في خريطة المشاهدة، فأصبحت الدراما ممتدة على مدار العام ولا ترتبط بموسم محدد. هذا التحول أتاح للأعمال الدرامية أن تتحرر من قيود عدد الحلقات التقليدية، وأن تراهن على جمهور يبحث عن محتوى ترفيهي سريع وقابل للمشاهدة المتتابعة. كما منح صُنّاع الدراما الفرصة لتقديم أجزاء متعددة من دون انتظار موسم الذروة، والمرتبط غالباً بشهر رمضان. لكن في الوقت نفسه، تفرض المنصات منطقاً إنتاجياً مختلفاً، فالنجاح يُقاس بالأرقام والمشاهدات، ما يدفع إلى استثمار الأعمال الناجحة عبر مواسم متتالية. وهنا نسأل: هل استمرار "اللعبة" حتى الجزء الخامس ناتج عن ضرورة فنية، أم عن منطق السوق؟ ينتمي مسلسل "اللعبة" إلى موجة متزايدة من المسلسلات العربية التي تعتمد على تعدد المواسم، وهي ظاهرة كانت سابقاً مرتبطة بالإنتاج الغربي. هذا التحول يعكس تغيراً في طبيعة التلقي، فالجمهور يبدو أنه يبحث عن شخصيات يعود إليها باستمرار، كونها محتوى مضموناً ومجرباً. غير أن هذه الظاهرة تحمل مخاطرة واضحة، وهي تآكل الفكرة. فكلما طال عمر العمل، زادت احتمالات التكرار أو فقدان الدهشة. بعض التعليقات الجماهيرية تشير إلى هذا الانقسام، فهناك من يرى أن المسلسل ما زال ممتعاً وخفيفاً، بينما يعتبر آخرون أن الأجزاء الأولى كانت أكثر حيوية. هذا الانقسام ليس سلبياً بالضرورة، بل يعكس تحوّل المسلسل إلى منتج مستمر يستهلكه الجمهور بطرق مختلفة، فهناك من يتابعه بدافع الألفة، وآخرون بدافع التوقع. يبدو نجاح الجزء الخامس من "اللعبة" مؤكداً مستوى المشاهدة والتفاعل، خاصة مع تصدره الاهتمام على المنصات وتزايد النقاش حول حلقاته. لكن النجاح الجماهيري لا يحسم بالضرورة القيمة الفنية، كما قد يفتح نقاشاً حول كيفية إدارة هذا النجاح. المسلسل يقف حالياً في منطقة وسطى، فهو لم يفقد جاذبيته بالكامل، لكنه لم يعد مفاجئاً كما كان. وهو وضع مألوف في الأعمال ذات الأجزاء المتعددة، إذ يتحول التحدي من إثبات الذات والانتشار إلى الحفاظ على النجاح الجماهيري المتحقق. إذا استمر "اللعبة" في مواسم جديدة، فسيكون أمامه خياران، إما تعميق البناء الدرامي للشخصيات، وإدخال تحولات في علاقاتها، وإما الذهاب إلى مغامرات شكلية أكبر في طبيعة اللعبة نفسها. في شكله الحالي، يظل المسلسل أقرب إلى برنامج كوميدي درامي منه إلى دراما تقليدية، ما يمنحه مرونة، لكنه في الوقت نفسه يحد من قدرته على التطور. الجزء الخامس من مسلسل "اللعبة" هو استمرار محسوب لعمل يعرف جمهوره جيداً، ويجيد مخاطبته، لكنه لم ينجح بعد في كسر دائرته الخاصة. وفي حال التفكير في أجزاء أخرى جديدة من المسلسل، يصبح التحدي هو إيجاد سبب حقيقي لوجوده.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows