رئيسة المكسيك بين ضغوط ترامب وعنف الكارتلات وتراجع الشعبية
Arab
1 hour ago
share
قبل أسابيع قليلة من استضافة المكسيك جزءاً من مباريات كأس العالم لكرة القدم 2026 بالشراكة مع الولايات المتحدة وكندا، تواجه الرئيسة المكسيكية اليسارية، كلوديا شينباوم، واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ وصولها إلى السلطة في أكتوبر/تشرين الأول 2024. فالرئيسة، التي دخلت القصر الرئاسي باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة المكسيك، وسط نسب تأييد قياسية قاربت 70% في أشهرها الأولى، تجد نفسها اليوم محاصرة بأزمات أمنية واقتصادية وسياسية متداخلة، تهدد بتقويض صورة الاستقرار التي حاولت تسويقها قبل الحدث الرياضي الأكبر في العالم. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع شعبية شينباوم إلى نحو 51%، وهو أدنى مستوى لها منذ تنصيبها، في ظل تنامي القلق الشعبي من استمرار العنف المرتبط بكارتلات المخدرات، وارتفاع معدلات الاختفاء والقتل، إضافة إلى تباطؤ الاقتصاد وعودة الحديث عن الفساد داخل حزبها الحاكم "مورينا". اتهامات أميركية وضغوط اقتصادية تلقت حكومة الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم ضربة سياسية قوية بعدما وجهت وزارة العدل وإدارة مكافحة المخدرات الأميركيتان اتهامات إلى حاكم سينالوا، روبين روشا مويا، وتسعة مسؤولين آخرين، بمساعدة كارتلات المخدرات على تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. ويعد روشا مويا من أبرز حلفاء الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، المعروف بـ"أملو"، والدوائر النافذة في حزب "مورينا" الحاكم، كما أشارت تقارير إعلامية في 2024. ورغم نفي المتهمين، وضعت القضية شينباوم أمام خيار صعب: التعاون مع واشنطن، بما يعني الإقرار بوجود اختراقات داخل السلطة، أو رفض الضغوط والدخول في مواجهة مع إدارة دونالد ترامب، الذي صعّد لهجته تجاه المكسيك ملوحاً بالرسوم الجمركية والتدخل ضد الكارتلات. وتتزامن الأزمة مع اقتراب مراجعة اتفاقية التجارة الحرة "USMCA"، وسط مخاوف من استخدام المفاوضات لفرض تنازلات أمنية وسياسية على مكسيكو سيتي. اقتصادياً، تبدو الصورة هشة؛ إذ انكمش الاقتصاد المكسيكي 0.8% في الربع الأول من العام، فيما لم يتجاوز النمو السنوي 0.2%. كما تحاول الحكومة خفض العجز المالي إلى 4.1% من الناتج المحلي، لكن إجراءات التقشف بدأت تضغط على شعبية شينباوم مع تباطؤ الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة. وفي تحول أثار غضب ناشطي البيئة، فتحت شينباوم، وهي عالمة مناخ سابقة، الباب أمام التكسير الهيدروليكي لتقليل الاعتماد على الغاز الأميركي، في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية والتجارية التي تواجهها حكومتها. أمنياً، تواجه الرئيسة اختباراً أكثر خطورة مع تصاعد حرب الكارتلات، بعد مقتل زعيم كارتل خاليسكو، نيميسيو أوسيغويرا سرفانتس، المعروف بـ"إل مينشو"، في عملية نفذتها القوات الخاصة المكسيكية. وكان "إل مينشو" يعد أحد أخطر أباطرة المخدرات في العالم، وزعيماً لكارتل "خاليسكو الجيل الجديد"، الذي تصفه تقارير أمنية بأنه أقرب إلى "تنظيم شبه عسكري" يمتلك طائرات مسيّرة ومدرعات وأسلحة ثقيلة. وعُرف "إل مينشو" منذ فترة طويلة بأنه من أكثر أباطرة المخدرات عنفاً في المكسيك، وهو أسوأ حتى من زعيمي العصابات سيئي السمعة "إل تشابو" و"إل مايو"، وكلاهما خلف القضبان حالياً في الولايات المتحدة. وحتى بعد مقتله، لا يزال يحتفظ بهذه السمعة. وتشير دراسة بحثية صدرت عام 2023 إلى أن وصف كارتل "خاليسكو الجيل الجديد" كمنظمة لتهريب المخدرات فقط قد يكون مضللاً، نظراً لنفوذه السياسي والاقتصادي الواسع، وسيطرته على مناطق كاملة، وقيامه بوظائف تشبه وظائف الدولة، ما يجعله أقرب إلى "حكومة شبه عسكرية" على أرض الواقع. وجاء رد الكارتل سريعاً ودامياً؛ إذ شهدت أكثر من 20 ولاية هجمات منسقة شملت إحراق حافلات وسيارات، وقطع طرق، واشتباكات مسلحة، فيما تحولت مدن رئيسية مثل غوادالاخارا إلى ساحات توتر أمني، رغم استعدادها لاستضافة مباريات في كأس العالم. وأسفرت أعمال العنف، وفق تقديرات أولية، عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم عناصر من الحرس الوطني ومدنيون، كما أغلقت مدارس ومتاجر في عدد من الولايات. نهاية سياسة "العناق لا الرصاص" ويرى مراقبون أن شينباوم بدأت فعلياً التخلي عن استراتيجية سلفها أملو، التي عرفت بشعار "العناق لا الرصاص"، والقائمة على تجنب المواجهة المفتوحة مع الكارتلات. فخلال أول مائة يوم من حكمها، اعتقلت السلطات نحو 7700 شخص يشتبه بانتمائهم للعصابات، مقارنة بـ31 فقط خلال الفترة نفسها من عهد أملو، كما صادرت السلطات ضعف كميات الأسلحة والمخدرات تقريباً مقارنة بالفترة السابقة، بحسب تقرير لـ"ميكسيكو ديلي نيوز" في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. غير أن هذا التحول يعيد إلى الأذهان تجربة الرئيس الأسبق، فيليبي كالديرون، الذي أطلق "الحرب على المخدرات" بين 2006 و2012، وهي الحرب التي أسهمت في سقوط أكثر من 60 ألف قتيل وتحول أجزاء واسعة من البلاد إلى مناطق نزاع مفتوح. واتهمت شينباوم الرئيس الأسبق كالديرون بأنه "كان يتصرف خارج القانون تحت حالة طوارئ لم يعلنها رسمياً"، مؤكدة، بحسب ما نشرته نيويورك تايمز في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن العمليات الأمنية الحالية، بقيادة وزير الأمن عمر غارسيا حرفوش، ستجري ضمن الأطر القانونية. لكن محامي دفاع اتهموا حكومتها بخرق القانون عبر تسليم عناصر من الكارتلات إلى الولايات المتحدة دون أوامر تسليم رسمية، فيما سلمت المكسيك خلال السنوات الأخيرة 92 من أعضاء العصابات تحت ضغط إدارة ترامب، وذلك وفقاً لتقارير نشرت في يناير/كانون الثاني الماضي. واليوم، يوجد في المكسيك أكثر من 132 ألف شخص مسجلين مفقودين، في واحدة من أكبر أزمات الاختفاء القسري في العالم، بينما تشير تقديرات إلى أن الكارتلات باتت تسيطر فعلياً على مناطق كاملة وتملك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً واسعاً. ومع اقتراب انطلاق المونديال، تحاول الحكومة المكسيكية طمأنة العالم بأن الوضع الأمني "تحت السيطرة"، لكن المشهد يبدو أكثر تعقيداً. فالمكسيك تدخل الحدث العالمي وهي عالقة بين ضغوط ترامب، وأزمة اقتصادية متفاقمة، وكارتلات تتصرف كدول موازية، فيما تراهن شينباوم على أن قبضتها الأمنية وشعبيتها المتبقية ستمنعان تحول هذه الأزمات إلى بداية تآكل حكمها مبكراً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows