Arab
لفهم كيفية صناعة القرار في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا بدّ من معرفة أبرز رجال هذه الإدارة. وهنا يبرز وزير الحرب بيت هيغسيث، ليس فقط لأهمّية منصبه، بل لأنّه يجسّد فوضوية ترامب وفردانيته واستعراضيته، ويضيف إليها قدراً من الهوس الديني والافتتان بالرموز الصليبية؛ وهي توليفة تجعله واحداً من أخطر الوجوه في الإدارة الأميركية، وهو في رأس أقوى مؤسّسة عسكرية وأكثر جيوش العالم إنفاقاً.
نبدأ بما يتشاركه هيغسيث مع بقية رجال الرئيس، ومع ترامب نفسه: انعدام الخبرة التنفيذية في إدارة مؤسّسة بهذا الحجم. لا يختلف هيغسيث كثيراً عن نمط الدائرة القريبة من ترامب، من ستيف ويتكوف إلى جاريد كوشنر، إذ تتقدّم الثقة الشخصية والولاء على الخبرة السياسية والإدارية.
بدأ هيغسيث مسيرته بداية بدَت واعدةً؛ فهو تخرّج من جامعة برنستون عام 2003، وبعد انضمامه إلى الحرس الوطني خدم في غوانتانمو والعراق وأفغانستان، وحصل على وسامَي النجمة البرونزية. لكنّه سرعان ما أظهر سلوكاً سيطبع مسيرته حتى اللحظة. لاحقته اتّهامات تتعلّق بالسُّكر المفرط والتحرّش والاعتداء الجنسي وسوء الإدارة المالية، أدّت لاحقاً إلى إقصائه من إدارة منظَّمتَين تُعنيان بشؤون قُدامى المحاربين. لاحقاً مثّلت فضيحة تطبيق سيغنال ذروة نقص الكفاءة، حين تبيّن أنّه أرسل معلومات عملياتية حسّاسة تتعلّق بضربات اليمن عبر "سيغنال" على هاتفه المحمول، شملت أشخاصاً من عائلته، في حادثة وصفها محقّقون عسكريون بأنّها مثّلت خطراً محتملاً على حياة الجنود. لكن سلوك هيغسيث، والاتهامات التي طاولته، لم تكن عائقاً أمام تقرّبه من ترامب. فقد ساعده عمله، بوصفه ضابطاً متقاعداً ومقدّماً تلفزيونياً في شبكة فوكس نيوز (اليمينية) المفضّلة لدى ترامب، على الاقتراب من الرئيس. انخرط هيغسيث بفاعلية في ترويج الخطاب الدعائي اليميني الشعبوي، وفي تصوير خطر محدق بالأمّة من المهاجرين والمسلمين. بل يمكن القول إنّ خوض وزير الحرب مجال التلفزيون كان عاملاً أساسياً في إيجاد واحدة من المشتركات مع ترامب، خصوصاً أنّ ترامب نفسه صعد سياسياً من بوابة تلفزيون الواقع.
يعرف هيغسيث ماذا يريد الرئيس سماعه، ويعرف كيف يحاكي ترامب في تصوير إنجازات وهمية أو مضخّمة
لكنّ هذه المسيرة المضطربة ليست كافيةً لتفسير سرّ تمسّك ترامب بهيغسيث، رغم حجم الفضائح والانتقادات. فهناك أمر مهمّ في رجال الرئيس، يتميّز به هيغسيث على نحو خاص: ترامب جمع في ولايته الثانية طاقماً إدارياً لا يقول: "لا" للرئيس. وتحوّلت الإدارة، بدلاً من أن تكون مكاناً للتكنوقراط والسياسيين الذين يقولون للرئيس ما يحتاج إلى سماعه، إلى نادٍ يقول فيه الجميع للرئيس ما يريد سماعه. فليس المهمّ هنا الحصافة أو حكمة القرارات، بل مدى رضا الرئيس عن الأداء والقرارات، بغضّ النظر عن العواقب ومصالح الأمن القومي وأصول السياسة.
من هذا المدخل يمكن فهم خوض ترامب مغامرة الحرب مع إيران. تلك المغامرة التي تجنّبها رؤساء سابقون، بمن فيهم جورج بوش الابن الذي خاض حرب العراق ومشروع تغيير الأنظمة من دون أن يذهب إلى مواجهة مباشرة مع طهران. فلم يتردّد بوش، ثمّ أوباما وبايدن لاحقاً، في الامتناع عن الذهاب إلى حرب مباشرة لإسقاط النظام الإيراني، لا بالضرورة اقتناعاً بأخلاقية عدم التدخّل، بل لأنّ الحسابات الأميركية الخالصة كانت تشير إلى كلفة حرب كهذه وعدم ضمان نتائجها.
حسب ما كشفت "نيويورك تايمز" في روايتها لكواليس ما قبل الحرب، لم يكن الطاقم المحيط بترامب يجرؤ بما يكفي على قول "لا" للرئيس. ورغم التحفّظات التي نُقلت عن شخصيات مثل جي دي فانس وماركو روبيو ومسؤولي الاستخبارات على تقديرات نتنياهو وخطّته، فإنّ المعارضة لم تتحوّل إلى حائط صلب يغيّر حسابات ترامب أو قناعته بالنصر السهل الذي روّجه نتنياهو. أمّا هيغسيث، فلم يبد تحفّظاً جوهرياً، بل انساق مع أوهام رئيسه بأنّه سيحقّق ما عجز عنه أسلافه.
يمثّل هيغسيث مرحلة السلطوية التي باتت تثبت أركانها في النظم الغربية
يحرص هيغسيث على عقد مؤتمراته الصحافية في توقيت يعرف سلفاً أنّ ترامب يشاهد فيه قناة فوكس نيوز في الصباح الباكر. فهو يعرف ماذا يريد الرئيس سماعه، ويعرف كيف يحاكي ترامب في تصوير إنجازات وهمية أو مضخّمة. فقد تحدّث بعد ضربات يونيو/ حزيران 2025 (حرب الـ12 يوماً) عن تدمير القدرات النووية الإيرانية، رغم أنّ تقارير استخباراتية أوّلية تحدّثت عن انتكاسة محدودة، ثم عاد في الحرب المفتوحة عام 2026 ليقول إنّ المهمة لم تنتهِ، وإنّه يجب مواصلة الضغط العسكري. وراح يروّج صورة نصر كامل لا تؤيّدها التقديرات الميدانية. بلغ هذا النهج ذروته في جلسات الكونغرس في إبريل/ نيسان 2026، حين وصف المعارضين للحرب (ديمقراطيين وجمهوريين) بأنّهم "أكبر عدو تواجهه البلاد"، متجاوزاً إيران نفسها في لائحة أعدائه. أصبحت هذه التصريحات مثار سخرية في واشنطن والعالم، وبدا هيغسيث مهتمّاً بإقناع رجل واحد فقط: ترامب.
يستمرّ وزير الحرب في عقد صلوات شهرية لموظفي الوزارة، وفي عرض خطاب ديني ممزوج بالمشهد العسكري، ويكرّر عبارات عن "العنف الساحق" و"كلّ طلقة تصيب هدفها". كذلك يحبّ التباهي بوشومه المُستلهَمة من عبارة "Deus Vult"، أي "الربّ يريد ذلك"، وقد فسّرها بأنّها مرتبطةٌ بصرخة فرسان المسيحية المتّجهين إلى القدس، في استحضار واضح للحروب الصليبية. وفي الأثناء، يمارس هواية اكتسبها خلال الحرب: إزاحة الجنرالات والضبّاط الكبار الذين لا ينسجمون مع خطّه، وقد بلغ عدد من أُقيلوا أو أُجبروا على التقاعد 24 جنرالاً وقائداً كبيراً.
هيغسيث توصيف واقعي لحال الإدارة الأميركية: كثير من الشعبوية وقليل من الكفاءة، فائض من العنصرية ونقص في النزاهة، قدر مبالغ فيه من الكذب والتملّق، ونقص في حصافة رجل الدولة أو انعدامها. هيغسيث يمثّل مرحلة السلطوية التي باتت تثبت أركانها في النظم الغربية. المشكلة ليست في هيغسيث وحده، بل في كلّ رجال الرئيس.

Related News
روسيا تعلن اعتراض أكثر من 50 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو
aawsat
10 minutes ago
عام على حكومة ميرز... قاطرة أوروبا تتعثر
alaraby ALjadeed
19 minutes ago
الاعتذار بين الأخلاق وميزان القوة
alaraby ALjadeed
51 minutes ago