شبح الاغتيالات يعود إلى عدن
Arab
1 hour ago
share
عادت جرائم الاغتيالات لتتصدر المشهد في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لتتحول شوارع المدينة مجدداً إلى مسرح لتصفيات دموية تجاوزت في وحشيتها أسلوب "كاتم الصوت" الذي طغى خلال موجة العنف بين 2015 و2025، وهي الفترة التي صُنفت فيها عدن بأنها أبرز ضحايا الانفلات الأمني وتداعيات الحرب. يوم الأحد الماضي سُجلت عملية اغتيال وُثقت بالصورة، إذ اعترض مسلحون يرتدون ملابس مدنية ويستقلون سيارة زرقاء سيارة مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، في حي إنماء السكني، واختطفوه تحت تهديد السلاح، قبل تصفيته، في جريمة أثارت موجة إدانات دولية ومحلية واسعة. وجاءت هذه العملية بعد أقل من أسبوعين على تصفية القيادي في حزب الإصلاح والتربوي عبد الرحمن الشاعر، الذي استهدفه مسلحون على متن سيارة بوابل من الرصاص أمام مدرسته في مديرية المنصورة، قبل أن يلوذوا بالفرار. هذا التصعيد لم يقتصر على الاغتيال المباشر، بل شمل استهداف القيادات العسكرية رفيعة المستوى. ففي 21 يناير/ كانون الثاني الماضي، نجا القيادي في قوات العمالقة العميد حمدي شكري، من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة كانت مركونة على جانب الطريق بمديرية دار سعد، أسفرت عن مقتل جنديين من مرافقيه، في مؤشر على عودة شبح الاغتيالات للمدينة. ونهاية الشهر الماضي أعلنت الأجهزة الأمنية في عدن "تمكنها من ضبط خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيالات"، وفقاً لوكالة الأنباء الحكومية "سبأ". وأوضح مصدر أمني مسؤول للوكالة يومها أن "العملية جاءت بعد رصد ومتابعة دقيقة، أسفرت عن القبض على عدد من العناصر المتورطة، وضبط مواد وأدلة مرتبطة بأنشطة الخلية الإرهابية وداعميها"، مشيراً إلى أن "التحقيقات الأولية كشفت عن مخططات لاستهداف شخصيات اجتماعية ودينية، في محاولة لإثارة الفوضى وزعزعة أمن العاصمة المؤقتة واستقرارها". واللافت أن عودة شبح الاغتيالات إلى عدن تزامنت مع احتدام الصراع بين مجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال، والمدعوم إماراتياً، وهو المجلس الذي أعلنت قيادات فيه حله مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، مع إقالة اثنين من قياداته من عضوية مجلس القيادة، واتهام رئيسه عيدروس الزبيدي بالخيانة العظمى، والبدء بخطوات لتجريده من النفوذ الأمني والعسكري الذي منحه السيطرة على عدن ومحافظات جنوبية لسنوات، فيما يصر التيار الذي يقوده الزبيدي على رفض قرار الحل. والملاحظ خلال العمليات الأخيرة هو التحول في تكتيكات التنفيذ، حيث نُفذت باحترافية عسكرية، متجاوزة الأسلوب والسيناريو الذي ساد خلال الأعوام السابقة، والمتمثل باستخدام الدراجات النارية والمسدسات كاتمة الصوت لضمان سرعة الانسحاب بعد التنفيذ. وفيما تم الاعتماد على السيارات المفخخة في استهداف المواكب المحصنة، كما حدث في محاولة اغتيال العميد حمدي شكري، تمت عملية اغتيال الشاعر وقائد عبر مسلحين يرتدون ملابس مدنية ويستقلون سيارات مدنية، في وضح النهار داخل مناطق حيوية محاطة بالنقاط الأمنية من كافة الجهات. عودة كابوس الاغتيالات إلى عدن وأعادت هذه الهجمات إلى الواجهة كابوس الاغتيالات الذي نهش جسد عدن لسنوات، وطاول رموزاً دينية وعسكرية وقادة في المقاومة، وسط مخاوف حقيقية من انزلاق عدن مرة أخرى نحو فوضى "التقييد ضد مجهول" وغياب النتائج الحاسمة في ملفات القتل السياسي التي باتت تضاعف حالة الاحتقان والاستياء الشعبي. وذكرت رابطة أسر ضحايا الاغتيالات في بيان، في 26 إبريل/ نيسان الماضي، أنه تم توثيق 250 حالة اغتيال منذ العام 2015، في عدن ولحج وأبين. كما رصدت منظم "أكليد"(ACLED) الأميركية بين 2016 و2018 وقوع 53 عملية ومحاولة اغتيال استهدفت رجال دين وشخصيات سياسية، أسفرت عن مقتل 32 شخصاً. كما وثقت منظمات دولية، منها "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، تورط تشكيلات مسلحة محلية تعمل خارج الهيكل المؤسسي للدولة في تنفيذ اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وإدارة سجون غير قانونية. وفي سياق التحرك لمواجهة الإفلات من العقاب، كشفت تقارير حقوقية عن لجوء شخصيات يمنية متضررة إلى القضاء الدولي، حيث رفع البرلماني ورئيس حزب الإصلاح في عدن إنصاف مايو، دعوى، في مارس/آذار الماضي، أمام محكمة فيدرالية في كاليفورنيا ضد ثلاثة جنود سابقين في القوات الخاصة الأميركية. وتتهم الدعوى هؤلاء الجنود بالعمل مرتزقةً لصالح الإمارات، والمشاركة في محاولة اغتيال مايو في ديسمبر/ كانون الأول 2015 ضمن برنامج ممنهج للاغتيالات المستهدفة. وبحسب مصادر حقوقية، استندت الدعوى إلى قانون المسؤولية عن الضرر للأجانب، الذي يمنح القضاء الفيدرالي الأميركي صلاحية النظر في دعاوى يرفعها أجانب بشأن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، ما يفتح الباب قانونياً لملاحقة الضالعين في هندسة العنف في اليمن. تحول في ملف الانتهاكات عبد الرحمن برمان: لجوء اليمنيين للقضاء الدولي يمثل تحولاً جذرياً في ملف الانتهاكات وأكد المحامي والحقوقي اليمني - الأميركي عبد الرحمن برمان، لـ"العربي الجديد"، أن لجوء اليمنيين للقضاء الدولي يمثل تحولاً جذرياً في ملف الانتهاكات، مشيراً إلى أن القضية التي رفعها إنصاف مايو، ورغم كونها ممارسة قانونية معتادة في الدول الديمقراطية، إلا أنها تمثل سابقة في التاريخ اليمني المعاصر لكسر حالة الإفلات من العقاب. وأضاف برمان: إننا أمام مشهد شبيه بما حدث في سجن أبو غريب بالعراق، فكما دانت المحاكم الأميركية شركة أمنية تورطت في تعذيب معتقلين بتعويض بلغ 44 مليون الدولار، فإن الشركات الأمنية (المرتزقة) التي عملت في عدن مارست القتل المباشر ودربت فرق الاغتيالات التي لا تزال تنشط حتى اليوم. وأوضح أن قضية إنصاف مايو ليست الوحيدة، فهناك قضية عبد الملك السنباني (يمني يحمل الجنسية الأميركية قُتل على يد مسلحين تابعين للانتقالي في محافظة لحج، في سبتمبر/ أيلول 2021)، والتي ستبدأ جلساتها في يناير/ كانون الثاني 2027، وهي قضية قوية لأنها مرفوعة من شقيقة الضحية التي تحمل الجنسية الأميركية ضد شركة "سباير" (الأمنية الأميركية الخاصة) وشركة أخرى قدمت دعماً لوجستياً. وعن أثر هذه الدعاوى في الشارع اليمني، أشار برمان إلى أن "هناك تحولاً كبيراً، فبعد الإعلان عن قضيتي السنباني ومايو، تلقينا اتصالات عديدة من عائلات ضحايا يسألون عن إجراءات الانضمام أو رفع دعاوى مماثلة. هذا التحرك يضع السلطات اليمنية وأجهزتها الأمنية في حرج بالغ، إذ يضطر المواطن للبحث عن العدالة في الخارج لفشل قضاء وطنه في حمايته أو إنصافه". وحول أسباب تعثر التحقيقات المحلية في عدن لفت برمان إلى أن "المشكلة ليست في نصوص القانون اليمني، فهو قانون جيد وقادر على حماية المواطنين، لكن العلة تكمن في غياب مؤسسات إنفاذ القانون، فطوال السنوات الماضية، سيطر عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي على أقسام الشرطة والنقاط الأمنية، وكان القاتل والممول والمستفيد يمسكون بزمام الجهاز الأمني، لذا كان من المستحيل ضبط الجناة". وأوضح أنه في عهد وزير الداخلية الأسبق أحمد الميسري (2017 ــ 2020)، حين استعادت الدولة حضورها جزئياً، تم القبض على قتلة الشيخ الراوي، واعترف المنفذون صراحة بأن هاني بن بريك (نائب رئيس "الانتقالي") وشخصاً إماراتياً يدعى أبو مبارك منحوهما السلاح والمال. ورغم وجود محاضر النيابة، إلا أن القضاء كان أضعف من أن يستدعي بن بريك للتحقيق معه بسبب سيطرة المليشيات الموالية للإمارات على المؤسسات حينها". وقال برمان: "اليوم تبدأ الحكومة بفرض سيطرة جزئية وإعادة بناء المؤسسات شيئاً فشيئاً، لكن التركة ثقيلة، والأمل الآن معقود على القضاء الدولي المستقل الذي لا تملك الحكومات سلطة الضغط عليه، لردع كل من مارس أو مول الاغتيالات في اليمن". عودة الاغتيالات لإثبات أن عدن غير آمنة عبد الله دوبلة: المليشيات التي فقدت سيطرتها تسعى عبر هذه العمليات لإعادة خلط الأوراق والتمهيد لاستعادة نفوذها بدوره، رأى المحلل السياسي عبد الله دوبلة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن عودة الاغتيالات تندرج ضمن محاولات القوى التي كانت مسيطرة سابقاً لإثبات أن عدن غير آمنة، مشيراً إلى أن هذه الظروف تشبه إلى حد بعيد تلك التي مهدت لسيطرة التشكيلات المرتبطة بالإمارات على المدينة خلال موجات الاغتيالات السابقة بين 2018 و2019. واعتبر أن "المليشيات التي فقدت سيطرتها مؤخراً تسعى عبر هذه العمليات لإعادة خلط الأوراق والتمهيد لاستعادة نفوذها، لكن هناك مدخلاً آخر لا يمكن تجاهله وهو جماعة الحوثيين، فإذا قمنا برصد العمليات منذ 2015 وحتى 2025، نجد أن النسبة الكبرى من الاغتيالات نفذتها عناصر مرتبطة بالإمارات أو خلايا تابعة للحوثيين، فالمسؤولية لا تخرج عن هذين الطرفين المستفيدين من خلخلة الأوضاع في عدن". وأشار دوبلة إلى أنه "في المرحلة الماضية، كانت الاتهامات تطاول الأجهزة الرسمية، حيث كانت شخصيات مثل يسران المقطري (قائد مكافحة الإرهاب سابقاً) وغيره جزءاً من المنظومة الأمنية، وكان الوجود الإماراتي يوفر غطاءً فعلياً لتلك العمليات. أما في المرحلة الجديدة، فرغم وجود تطور أمني لافت، إلا أن تركة الأجهزة التي بُنيت على يد الإمارات تجعل المهمة صعبة للغاية أمام السلطة الشرعية التي تحاول تثبيت حضورها بدعم سعودي". وشدد على أن "الإنجازات الأمنية تصطدم بتركة ثقيلة، فمعظم الاغتيالات السابقة تمت تحت إشراف أو غطاء القوى المسيطرة حينها، واليوم نجد تداخلاً في الأدوار، حيث تتقاسم الخلايا المرتبطة بالإمارات وتلك التابعة للحوثيين المسؤولية عن زعزعة استقرار العاصمة اليمنية المؤقتة".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows