تركيا الجديدة: توديع الأيديولوجيا أم اكتشافها؟
Arab
1 hour ago
share
في ساحات الجامعات التركية، وبين المقاهي المُزدحمة في إسطنبول وأنقرة، لم يعد المشهد كما كان قبل عقدين. فتحت صور مصطفى كمال أتاتورك التي ما زالت تُراقب الجدران، وعلى وقع أذانٍ يتسلّل من مآذن قريبة، يتشكّل جيل يبدو أقلّ انشغالًا بمعارك لم يخترها؛ جيل وُلِد بعد أن هدأت الصدامات الحادة بين الدولة ومجتمعها، لكنه ورث ذاكرة طويلة من التوتّر بين علمانية صلبة ومحافظة دينية صاعدة. غير أنّ ما يظهر اليوم لا يُعيد إنتاج تلك الثنائية، بل يتجاوزها بهدوء، نحو مساحة اجتماعية أكثر مرونة، تُرى في التفاصيل اليومية أكثر مما تُعلن في الخطابات. مع تأسيس الجمهورية عام 1923، لم يكن التحوّل مجرّد انتقال سياسي، بل مشروعاً لإعادة هندسة المجتمع من جذوره. جاءت العلمانية كإطار حاد لتنظيم المجال العام، وهو ما ترك فجوة رمزية ظلّت تعود كلّما برز سؤال الهُويّة من جديد، سواء في السياسة أو في الحياة اليومية. لكن اليوم، يبدو أنّ هذه الفجوة لم تعد تُملأ بالشعارات، بل بالممارسة اليومية الهادئة، أحيانًا من دون وعي نظري واضح بما يحدث. ففي رمضان هذا العام، بدا المشهد عصياً على القوالب الجاهزة. حيث تجد في ساحات الجامعات موائد إفطار طلابية بسيطة، حديث عن الامتحانات، ضحكة عابرة، وتمر يُمرَّر بين الأيادي. أحيانًا يصمت الجميع لحظة عند الأذان، ثم يعود كلّ شيء إلى بساطته الأولى. لم تعد الهُويّة تُدار كمعركة، بل كتجربة يومية قابلة للتعدّد ومع الليل، تفيض المساجد بالمصلين في مشهد كثيف لكنه هادئ، يمتدّ حتى الأرصفة أحيانًا في بعض الأحياء. لا يبدو أنّ هناك محاولة لقراءة هذا الامتلاء كـ"رسالة سياسية"، بل هو أقرب إلى حاجة جماعية للسكينة في مدينة لا تهدأ. المفارقة أنّ المدينة تعيش تناقضاتها بسلام نسبي؛ فبجانب المسجد المكتظ، تجد مقاهي مُمتلئة، وشبابًا يعيشون إيقاعهم الخاص. لم يعد التديّن خطابًا جماعيًا صارمًا، بل تجربة مُتعدّدة الطبقات، تتعايش مع بقية إيقاعات الحياة من دون أن تبتلعها أو تصطدم معها بالضرورة. الجامعات.. من "حصون الأيديولوجيا" إلى فضاءات التعايش تاريخياً، لم تكن الجامعات التركية فضاءات مُحايدة؛ فقد كانت يومًا ساحات لحظر الحجاب ومعارك هُويّة تركت أثرها على أجيال كاملة. أمّا اليوم، فقد تغيّر المشهد بصمت لافت؛ الطالبة المُحجّبة التي تناقش مشروع تخرّجها بجانب زميل لا تعنيه الشؤون الدينية تمرّ في القاعة بشكل عادي، وكأنّ ذلك أصبح جزءًا من طبيعة المكان لا استثناءً فيه. ولعلّ ما يلفت الانتباه أكثر هو حضور الشعائر الدينية داخل الفضاء الجامعي نفسه؛ ففي الأمسيات الرمضانية، تتحوّل مساجد الجامعات وساحاتها إلى أماكن مُكتظة بطلاب يؤدون صلاة التراويح أو القيام، في مشهد يجمع بين الهدوء والكثافة. لم يعد الطالب مُضطراً للفصل بين هُويّته الأكاديمية وواجباته الروحية؛ بل أصبح هذا الحضور جزءاً من إيقاع اليوم الجامعي. تخفت الأسئلة الحادة لصالح واقع يفرض التعايش كجزء من الحياة الجامعية نفسها  الهُويّة هنا لم تعد تُدار كمعركة، بل كتجربة يومية قابلة للتعدّد، حيث تخفت الأسئلة الحادة لصالح واقع يفرض التعايش كجزء من الحياة الجامعية نفسها. فلسطين.. البوصلة الأخلاقية الجديدة في هذا السياق، برزت القضية الفلسطينية كأحد أهم محاور التعبير الشبابي في تركيا، لكن بلغة مختلفة عن الماضي. في الجامعات والساحات، خرجت موجات تضامن واسعة، واللافت فيها هو اللغة التي رافقتها. لم تعد الشعارات محصورة في الخطاب السياسي التقليدي، بل برزت مفاهيم مثل الحقوق الإنسانية والعدالة الدولية وكرامة الشعوب، كإطار لفهم القضية والتعبير عنها. بعض المشاركين في هذه التحرّكات لم يكونوا ناشطين سياسيين أصلًا؛ بل طلابًا وجدوا أنفسهم أمام صور وأحداث جعلت الصمت يبدو غير مريح. تحولت فلسطين إلى مساحة أخلاقية مشتركة، يتقاطع فيها الوعي الإنساني مع الحسّ الاجتماعي، بعيداً عن الاصطفافات الحزبية الصلبة بهذا المعنى، تحولت فلسطين إلى مساحة أخلاقية مشتركة، يتقاطع فيها الوعي الإنساني مع الحسّ الاجتماعي، بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية الصلبة. بين النص الدستوري وحيوية الواقع رغم هذه السيولة الاجتماعية، تظلّ تركيا دستوريًا دولة علمانية بإرث مؤسساتي عريق. لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو الفجوة الهادئة بين النص والواقع. فالعلمانية لم تعد تُمارس كأداة صلبة لإعادة تشكيل المجتمع كما في السابق، بل كإطار قانوني أوسع يُتيح التعدّد داخل المجال العام. وفي المقابل، لا ينتظر المجتمع هذا الإطار كي يتحرّك؛ بل يُعيد تعريفه عمليًا من خلال تنوّع أنماط الحياة اليومية. في النهاية، لا تبدو تركيا في طريق قطيعة مع ماضيها، ولا في عودة إليه بصيغته القديمة؛ بل في مرحلة "ترميم هادئ" لهُويّتها. الأيديولوجيات لم تختفِ، لكنها فقدت مركزيتها الصدامية لصالح واقع أكثر تشابكاً. لم يعد السؤال الحقيقي اليوم هو: من ينتصر في معركة الهُويّة؟ بل أصبح: كيف يمكن لهذا النسيج المُزدحم بالتناقضات أن يتعايش في مساحة واحدة من دون أن ينكسر؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows