Arab
في "رؤى وذات"، تستوقفني الكاتبة صافي ناز كاظم بعبارة تقطر ذكاءً ونفاذاً، وهي تشرح كيف يمارس الإنسان "فلسفة الإلغاء" تجاه واقعٍ لا يطيقه. تقول في مقالتها (ليس حنيناً إلى الماضي، لكنه: بحث عن الحلم): "عندما يدير الإنسان ظهره لمرحلة لا تعجبه، فيغمض عينيه بقدر الإمكان عن إفرازاتها الثقافية والفنية ونتائجها السياسية والبشرية متبعاً منهج (الإلغاء) لكل ما يزعجه، يحتاج إلى وسائد يملأ بها الفراغ من حوله: يسند ظهره، ويتكئ عليها من هذا الجانب وهذا الجانب، أو يمد فوقها ساقه ليرتاح. هذه الوسائد يختارها الإنسان عادة من ماضيه السعيد".
يا لجمال التوصيف! ولكن، دعونا نتأمّل هذا "الاتكاء" بمنظار الواقع الفجّ، حيث تحوّلت "الوسادة" من أداة للراحة إلى "جهاز إنعاش" وطني شامل. إنّنا نمارس الاستلقاء بقدسيةٍ تضاهي طقوس الصوفية، لا زهداً في الدنيا، بل قرفاً منها. نحن جيلٌ لا يواجه، بل "ينكفئ". لا يهم ما الذي يحدث في الخارج؛ ثورات، أزمات اقتصادية، أو ثقوب أوزون؛ المهم أنّه كلّما صفعنا الواقع بخبرٍ سياسيّ غليظ، أو بخيبةٍ عاطفية، لا نذهب للميادين، بل نلوذ بغرف النوم، فالحلّ دائمًا يبدأ بوضعية "الاستلقاء".
نحن نلجأ إلى النوم كفعلِ تمرّدٍ صامت؛ حين ننكسر، تصبح الوسادة جبيرةً لروحنا المشروخة، وحين نصرخ، لا نجد أوفى منها كاتماً للصوت يبتلع عويلنا كي لا يُفتضح أمر انكسارنا. هي المناديل الورقية الفاخرة التي لا تنفد، تمتصّ ملوحة الدموع وتجفّف عرق القلق من دون أن ترفع في وجهنا تقرير كفاية أو تُعايرنا بضعفنا في الصباح التالي.
نمارس الاستلقاء بقدسيةٍ تضاهي طقوس الصوفية، لا زهداً في الدنيا، بل قرفاً منها
كم تتحمّلنا هذه الوسائد؟ نلقي عليها رؤوسنا المَحشوة بتفاصيل اليوم المُقرفة، وفي أثناء النوم نحضنها بقوّة وكأنّنا نمسك بآخر طوق نجاة في سفينة غارقة. وحتى في لحظات الغضب، يضرب بها بعضنا البعض في معارك منزلية بائسة؛ فنحن لا نملك تلك الرفاهية الأوروبية حيث يتطاير الريش الأبيض كأنّه ندف الثلج.. مخداتنا (يا حسرة) محشوة بـ"قطنٍ" يابس، صامد كإرادتنا المُحطّمة، إذا ضُربتَ به أُصبتَ بـ"ارتجاج"!
علاقة البشر بهذا الكيان القطنيّ ليست على وتيرةٍ واحدة؛ فهي تتدرج من "الارتباط المرضي" إلى "الوفاء الأسطوري":
- المغتربون والرحّالة: أولئك الذين تربطهم بوسادتهم علاقة "وجودية" عابرة للحدود؛ فلا يحلّون ولا يرتحلون إلا وهي تحت آباطهم، وكأنّها جواز سفرهم الوحيد للسكينة. لا يثقون بوسائد الفنادق الغريبة، ولا بكرم ضيافة الأقارب، فالحلم لا ينبت (بالنسبة إليهم) إلا فوق قطنٍ يعرف رائحة أفكارهم جيّداً.
- الأوفياء (على طريقة الأجداد): الذين شاخوا مع وسائدهم حتى صاروا كياناً واحداً. تجدهم كالأوتاد لا يفارقون أماكنهم، مُتمسّكين بتلك "المخدة" التي تهرأت أطرافها، لكنها ملكت أسرارهم. يرفضون أيّ بديل، وكأنّ بينه وبينها "ميثاقاً غليظاً" لا يفصله إلا الموت.
العالم من حولنا يغلي بصياح النذير، بينما لا نزال نحن في وضعيتنا الأبدية؛ مستلقين على وسائدنا، نحدّق في شاشاتنا الباردة
- المحرومون: الذين تطردهم الوسادة ليلاً، فتراهم يقلّبون رؤوسهم فوقها، يميناً وشمالاً، كأنّهم يبحثون عن مخرج طوارئ في حريق.
- المستسلمون: الذين يغادرونها صباحاً وقد تركوا عليها بصماتهم السائلة؛ لعابٌ يحكي قصّة استسلامٍ كامل لغيبوبةٍ لم تكن كافية لغسل تعب الأمس.
- المحظوظون (على طريقة خالتي): تلك الفئة التي تملك قدرةً خارقة على اختصار المسافات؛ فتراها تنجذب للوسادة وهي لا تزال في الطريق إليها! قبل أن يستقرّ مخها وخدّها على مخدتها، ينطلق "شخيرها" ليعلن انتصار الجسد قبل بلوغ الهدف بمترين.
لكن الذروة التراجيدية تكتمل حين يأتيك "عرق النسا". هنا، تفقد الوسادة فاعليتها الرومانسية، وتتحوّل الغرفة إلى ساحة تجهيزات هندسية. الإنسان في هذه الحالة لا يحتاج لمخدّة، بل يحتاج لـ"ترسانة": واحدةٌ تحت الركبة (بزاوية 45 درجة كأنك تبني الهرم الأكبر)، وأخرى تسند الظهر كي لا تتشابك الفقرات، وثالثة بين الساقين لتفصل بين جبهتين من الألم.
الحمد لله أنّ الوسائد "جمادات"، وإلا رفعت علينا جميعاً قضايا "خلع" بسبب سوء الاستخدام الآدمي.
نتابع المجازر والتحوّلات الكبرى ونحن غارقون في نعومة القطن، لا نملك إلا التمرير لأسفل، بانتظار الخبر التالي، ونحن لا نزال مستلقين
وها قد اندلعت شرارة الحرب في إيران، والعالم من حولنا يغلي بصياح النذير، بينما لا نزال نحن في وضعيتنا الأبدية؛ مُستلقين على وسائدنا، نحدّق في شاشاتنا الباردة. لقد عبرنا من فوق جسور الحروب السابقة والثورات والأوبئة حتى وهنت قلوبنا عن الدهشة، حتى أصبحت أشلاء المدن تظهر أمامنا ونحن في قمّة استرخائنا الجسدي، نراقب انهيار العالم بقلوب مُتعبة. وسائدنا لم تعد مكانًا للراحة، بل أصبحت "خندقنا الأخير" الذي نختبئ خلفه من عجزنا، ومقعدنا في الصفوف الأولى لمشاهدة نهاية العالم، نتابع المجازر والتحوّلات الكبرى ونحن غارقون في نعومة القطن، لا نملك إلا التمرير لأسفل، بانتظار الخبر التالي، ونحن لا نزال مستلقين.
لقد صدقتِ يا أستاذة صافي ناز؛ نحن بلا وسائدنا "عرايا" أمام قسوة الحاضر. المخدّة هي "الوطن البديل"، والحيّز الوحيد الذي نمارس فيه حقّ "الإلغاء" المُطلق لكلّ ما يزعجنا.. شرط ألا يوقظنا "عرق النسا" لنكتشف أنّنا ما زلنا عالقين في نفس الكابوس.
أما العزاء الوحيد في انتمائنا إلى هذه الجمهورية القطنية، فهو أنّنا لا نحتاج لتأشيرة دخول، ولا نخشى فيها من انقلاب عسكري؛ ففي نهاية المطاف، نحن جيلٌ يُمارس أقصى درجات نضاله بـ"تعديل وضعية الرأس"، وينتظر "يوم القيامة" بشرط واحد: أن ياتي في موعدٍ لا يتعارض مع القيلولة.
Related News
المشي حافياً في المنزل... هل مفيد أم مضر؟
aawsat
6 minutes ago
تركيا: تأجيل نظر دعوى تهدد زعيم المعارضة
aawsat
13 minutes ago