Arab
حظيت ظاهرة ترشيح فنانين مغاربة لانتخابات مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر/ أيلول المقبل، باهتمام متزايد، مع تسابق الأحزاب على ترشيح أسماء فنية شهيرة، وسط تساؤلات بشأن مدى انعكاس استثمار رأس المال الرمزي الذي يتيحه الحضور الفني والشعبي لتلك الأسماء، على المشهد السياسي والحزبي في البلاد.
ومع بدء العد العكسي للسباق الانتخابي المقبل، كان لافتاً استعانة أحزاب مغربية بفنانين لهم رصيد من الشعبية في وجدان المغاربة، والرهان على "رأسمالهم الرمزي" للظفر بمقعد برلماني. وتأتي الممثلة فاطمة وشاي في مقدمة هذه الأسماء، بعد أن أعلن أمين عام حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، تزكيتها لرئاسة لائحة الحزب في جهة الدار البيضاء- سطات. وتعتبر وشاي واحدةً من أشهر الممثلات في المغرب، إن كان بسبب أدوارها التي رسخت في الذاكرة أو بسبب انتقاداتها اللاذعة للوسط الفني من منطلق محافظ.
كذلك، دخلت المغنية سيليا الزياني على خط المشاركة في الانتخابات المقبلة، بعد أن أعلن الأمين العام للحزب المغربي الحر المعارض، إسحاق شارية، عن انضمامها إلى صفوف الحزب. وتعدّ الزياني من أبرز وجوه حراك الريف، فقد سبق واعتُقلت في يونيو/ حزيران 2017، قبل أن تغادر السجن بعد استفادتها من عفو ملكي في يوليو/ تموز من السنة نفسها.
من جهته، يجري حزب الأصالة والمعاصرة، المشارك في الائتلاف الحكومي الحالي، مفاوضات مع ممثلة شهيرة ومؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي لترشيحها في مدينة مراكش، سعياً لاستمالة فئات الشباب والنساء. فيما فتح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض قنوات اتصال مع وجوه إعلامية وفنية، لترشيحها في مدينة سلا المجاورة للرباط أو ضمن اللوائح النسائية.
وليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها شخصيات شهيرة في الساحة الفنية تجربة الانتخابات في المغرب، حيث سبق للفنانة الأمازيغية، فاطمة تابعمرانت، أن ظفرت في انتخابات 2011 بمقعد في البرلمان وكيلة لقائمة النساء عن حزب التجمع الوطني للأحرار. كما خاض الممثل ياسين أحجام تجربة في البرلمان المغربي بين عامي 2011 و2016 نائباً عن حزب العدالة والتنمية الإسلامي.
وفي انتخابات السابع من سبتمبر/ أيلول 2021 انضمت الممثلتان فاطمة خير وكليلة بونعيلات إلى قائمة الفنانين المغاربة الذين مثلوا الشعب تحت قبة البرلمان، بعد أن فازت الأولى، بمقعد برلماني باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، وكيلةً للائحة النسائية الجهوية في دائرة أنفا في الدار البيضاء. في حين ظفرت بونعيلات بمقعد برلماني ضمن اللائحة الجهوية في جهة سوس ماسة.
وقال رئيس المرصد المغربي للمشاركة السياسية، جواد الشفدي، لـ"العربي الجديد"، إنه يمكن إدراج انفتاح الأحزاب السياسية على الطاقات الإبداعية، بما في ذلك الوجوه الفنية، في سياق دينامية تجديد النخب وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وهو توجه لا يخلو من دلالات إيجابية من حيث المبدأ، باعتبار أن العمل السياسي يظل مجالاً مفتوحاً أمام جميع المواطنات والمواطنين، كل من موقعه وخبرته، حسب رأيه.
لكن جوهر الإشكال، وفق الشفدي، لا يرتبط بالانتماء المهني أو الخلفية الفنية بقدر ما يتصل بطبيعة المقاربة المعتمدة في استقطاب هذه الكفاءات. وأشار إلى أن توظيف الحضور الرمزي والشعبية الجماهيرية آلية لتعزيز الحظوظ الانتخابية دون الارتكاز على معايير الكفاءة والالتزام الحزبي ووضوح التصور السياسي، يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مساهمة هذه الاختيارات في ترسيخ الممارسة الديمقراطية.
ورأى أنه على مستوى الأثر، يمكن اعتبار هذه الظاهرة ذات انعكاس إيجابي على المشهد السياسي والحزبي الوطني، فقد تساهم في إضفاء قدر من الحيوية على الفعل السياسي، وتقريب الشأن العام من فئات أوسع من المجتمع، لا سيما فئة الشباب.
بالمقابل، أكّد الشفدي أن الرهان الحقيقي أمام الفاعل الحزبي اليوم، لا يكمن فقط في استقطاب أسماء ذات إشعاع فني، بل في الاستثمار في بناء نخب سياسية مؤهلة، تجمع بين المصداقية المجتمعية، والكفاءة التدبيرية، والالتزام الصادق بقضايا الصالح العام.
من جهته، اعتبر الأستاذ الزائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق - جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مصطفى عنترة، أن ظاهرة فتح الأحزاب السياسية المغربية أبوابها أمام الفنانين لخوض غمار المنافسة الانتخابية، ووضع بعضهم على رأس اللوائح، تشكّل أحد أبرز التحولات التي تشهدها الممارسة الحزبية المعاصرة، حيث تتقاطع فيها رهانات التواصل السياسي مع تحديات التمثيلية الديمقراطية وجودة النخب.
وأوضح عنترة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الأحزاب تنظر إلى الفنانين باعتبارهم رأسمالاً رمزياً جاهزاً للاستثمار، إذ تضمن شهرتهم حضوراً إعلامياً واسعاً، وقدرةً كبيرةً على استقطاب انتباه الناخبين في زمن أصبحت فيه الصورة والتأثير السريع عنصرين حاسمين في الفعل السياسي. وضمن هذا المنطق، قد يتحول الفنان إلى "واجهة انتخابية" توظّف لتحقيق مكاسب دعائية آنية، أكثر مما يُنظر إليه بأنه فاعل سياسي مؤهل يمتلك رؤية وبرنامجاً. وهو ما يعكس، في جانب منه، تحول السياسة نحو منطق التسويق والفرجة، بدل الارتكاز على النقاش العمومي الرصين، حسب رأيه.
وبيّن عنترة أن بعض الأحزاب السياسية تلجأ إلى استقطاب الفنانين في إطار استراتيجية "تلميع الواجهة" أو "تجميل الصورة"، خاصةً حين تكون صورتها مثقلة بتمثلات سلبية أو تعاني من تآكل في المصداقية. وأضاف: "الشعبية التي يتمتع بها الفنان تستثمر لإعادة بناء الثقة مع عموم الرأي العام، لكن هذا التوظيف قد يتحول إلى آلية لإخفاء اختلالات بنيوية، مما يطرح إشكالاً أخلاقياً وسياسياً يتعلق بمدى شفافية العرض السياسي، وقد يؤدي إلى توجيه اختيارات الناخبين بناء على الانطباع لا على الوعي والاقتناع".
في المقابل، رأى عنترة أنه "لا يمكن إنكار ما تحمله هذه الظاهرة من إمكانات إيجابية، إذ يتمتع بعض الفنانين بقدرة تواصلية استثنائية تخول لهم اختراق فضاءات اجتماعية يصعب على الأحزاب التقليدية بلوغها، خصوصاً في أوساط الشباب والفئات التي تعيش نوعاً من العزوف السياسي". ولفت إلى أنّ "توظيف هذا الرصيد بشكل واعٍ ومسؤول قد يساهم في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز الثقافة المدنية، شريطة أن تتحول الشهرة إلى وسيلة للتأطير والتوعية، لا مجرد أداة للتأثير العاطفي".
لكن التحدي الأبرز في هذا الإطار يظل، بحسب عنترة، مرتبطاً بمخاطر "تسطيح" الفعل السياسي، فقد تنزلق العملية الانتخابية نحو منطق قائم على الشعبية بدل البرامج، فيُصوّت للمرشح بناء على حضوره الفني لا على كفاءته وقدرته على التشريع أو التدبير. فالعمل البرلماني، بما يتطلبه من إلمام قانوني وتكوين معرفي عال، وقدرة على التحليل واتخاذ القرار، لا يمكن اختزاله في الجاذبية الجماهيرية، وهو ما قد ينعكس سلباً على جودة الأداء داخل المؤسسات المنتخبة، وعلى فعالية السياسات العمومية.
وأكّد عنترة أن تقييم هذه الظاهرة لا ينبغي أن يكون بمنطق القبول أو الرفض المطلق، بل يكون انطلاقاً من معايير موضوعية قوامها الكفاءة، والنزاهة، والاستعداد الجدي لتحمّل المسؤولية العمومية، معتبراً أن الفنان، كغيره من المواطنين، يملك الحق الكامل في المشاركة السياسية، إلا أن الرهان الحقيقي يظل في قدرة الأحزاب السياسية على تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح على كفاءات جديدة من خارج الحقل السياسي، والحفاظ على منطق الاستحقاق والتأهيل.
وأشار عنترة إلى أن مستقبل هذه الظاهرة سيظل رهيناً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز منطق "تسليع السياسة"، والانتقال نحو ترسيخ ممارسة ديمقراطية قائمة على البرامج والرؤى، بما يعزّز ثقة المواطنين في المؤسسات، ويضمن تمثيلية سياسية تعكس فعلاً تطلعات المجتمع لا مجرد انفعالاته الآنية.

Related News
انخفاض أعداد الحشرات يعرض صحتنا للخطر
aawsat
3 minutes ago
تراجع مخزونات النفط الأميركية بأقل من التوقعات
aawsat
4 minutes ago
ما أفضل وقت لشرب الماء الساخن؟
aawsat
4 minutes ago