Arab
فيلمان روائيان، تركي ويوناني، يقاربان أزمات اقتصادية وأخلاقية يواجهها الغرب، ودول تجاوره، بمنظور نقدي، وحبكات سرد آسرة وحزينة، لكنها مترفّعة عن أن تكون مبتذلة أو مُثيرة للشفقة. حكايات تجسّد واقعاً، لشدّة قسوته تقترح أساليب معالجته سينمائياً، أفكاراً متجدّدة واشتغالات جمالية حداثية. كتابتان سينمائيتان حصيفتان تبحثان عن الساخر القليل، الكامن في متونها الصادمة.
التركي "مكب القطع المجهولة" (Dump of Untitled Pieces)، بحسب العنوان الإنكليزي الدولي، 2026)، لمليك كورو، يتناول الأزمة الاقتصادية، والركود المنسحب على مناحي الحياة الثقافية والإبداعية التركية، عبر قصة المُصوّرة الفوتوغرافية أصلي (مانوليا مايا)، وتصادم طموحاتها مع واقع فني يسوده فساد وشكلانية متأثرة بخطاب ثقافي غربي مسطّح. بينما يأتي اليوناني "حفلات استقبال" (Receptions، 2026)، لفيليبس تْسيتوس، إلى أزمات اليونان الخانقة، عبر قصة انضمام صحافي مُبعَد من عمله إلى طُفيليين، يلجأون إلى تأمين وجبات طعام يومية بالتسلل إلى حفلات استقبال، لا علاقة لهم بها.
البطل مركز أساسي
في الفيلمين، يقف البطل الفرد في مركزهما: المُصوّرة التركية الشابة والصحافي اليوناني ديموس بيرباتاريس (تمثيل بارع لأنتونيس كافيتزوبولوس). الشخصيات القريبة منهما تُشكل إطاراً لحكايتهما، المجسّدة سينمائياً بأسلوب فيه اشتغال جمالي بارع، يراد له نقل المناخات التي يعيشان فيها، والمُقرِّب لحالتهما شخصين مشتغلين في حقل فني ومعرفي. هذا بدوره ينقل التفكير إلى حال الطبقات الوسطى والمثقّفة، التي تعاني تهميشاً متأتياً من سطوة اقتصادية لنخب حاكمة، تتسيّد المشهد الغربي اليوم، وتكرّس من دون حياء قيمها وتفكيرها الأناني.
في "حفلات استقبال"، يجعل تْسيتوس من حالة الصحافي مدخلاً إلى تأمّل مآلات مهنة وقيم أخلاقية، تنحدر بفعل المصالح المنفعية والشكلية الجديدة إلى قاع بائس. من ندرة اختصاصه في جمع الأمثال اليونانية القديمة وتفسيرها، إلى عاطل عن العمل، يصبح حال الصحافي، بعد طرده من مؤسسة إعلامية، لا تجد في اختصاصه ما يكسب جمهوراً عريضاً من القراء، ولا يستجيب لتوجّه متعمَّد إلى تجهيل الناس، وزيادة منسوب التفاهة لديهم. بطالته تسبّب فقرَه وعجزَه عن تسديد تكلفة إيجار شقته. يدفعه العوز إلى قبول العمل في مواقع إعلامية، تعتاش على الفضائح والأكاذيب. إحساسه بالتواطؤ مع أصحابها يدفعه إلى هجر العمل بها. شفيعه الوحيد سُمعته التي كرّسها بجهد مخلص، تنقذه أحياناً من حافة الجوع والتشرد.
في النهاية، يجد نفسه وسط مجموعة تعيش تقريباً حالته نفسها. كل فرد فيها له من قبل مكانة وسُمعة مهنية طيبة. اليوم، يضعون تلك الصفات جانباً، ويزيلون كل ما يُذكّرهم بكلمة "كرامة"، يغيرونها بـ"إذلال" مقبول، يبرّرونه بالذكاء والقدرة على خرق حصانة مواقع حفلات الاستقبال. يأخذون كل ما تقع عليه أعينهم من طعام، خلال اقتحامهم لها، خوفاً من نفاده في يوم آخر.
المُصوّرة التركية، طالبة معهد الفنون، يُريد لها أساتذتها أن تنحدر إلى مستوى بقية الطلبة عديمي الموهبة. اختيارها الأيادي البشرية وحركة الأصابع ثيمة موحدة لصُورها لا يُرضي معارض التصوير، ولا المسؤولين عنها، وبعضهم لا يتردّد في محاولة استغلال طموحها الفني جنسياً. فكرة التركيز على الأيادي، بتنويعات تصوير مذهلة، لا يجد فيه سوق الفن التركي المعاصر ما يلبي طموحاته الربحية. تواجه، بسبب إخلاصها وصدقها الفنيين، صعوبات معيشية، تزيدها شدة حالة الركود الاقتصادي العام الملازم له تضخّماً، يحيل حياة الشباب الأتراك إلى بؤس متستّر بغلاف من رفاهية اجتماعية كاذبة. صلتها بصديقها الوحيد مراد (إكرمجان أرسلانداغ)، الذي يشاركها السكن، تكسر عزلة خانقة تحيطها، وتخفّف من سوء علاقتها بوالدها.
سينمائية الأسود والأبيض
الاشتغال الجمالي في المنجز التركي يرتكز على نقل الفوتوغرافي بأبهى صورة سينمائية. بالأسود والأبيض، كما في أكثر الاشتغالات الفوتوغرافية احترافية، يصوَّر (باريش أيجن) سينمائياً. تحيل الصُّور الفوتوغرافية -الملتَقَطة خلسة للناس المقيمين في مدينتها، والموظّفة ببراعة لخدمة متون الحكاية- إلى منجز بصري - فوتوغرافي بامتياز. ما تتعرّض له أصلي من انتهاك يومي لا يُليّن عزيمتها على تحقيق حلمها بأن تصير مُصوّرة محترفة، تعرف ما تريد، وتُتِمّه بتجاهل المؤسسة الفنية التركية، واختيار التحرر منها سلوكاً إبداعياً.
مقابل خيارها، يجد الصحافي اليوناني نفسه في أزمة أخلاقية مركّبة. من جهة، يقبل خوض تجربة التسلل إلى حفلات الاستقبال، كلص وضيع، ومن جهة أخرى، يواجه تأنيباً داخلياً لفقدانه شيئاً فشيئاً كرامته واعتزازه بقيمه وأفكاره النبيلة. يجد الاثنان نفسيهما في مواجهة واقع مذلّ، يدفعهما عنوة إلى خيارات قاتمة، تنتزع منهما كرامتهما الإنسانية. في النهاية، وللتحرّر منها، تقرّر الشابة المضي في شوارع مدينتها، تلتقط ما تريد من صُور. بينما يختار الصحافي هجر المدينة المذلّة له إلى قرية بعيدة، يمضي ما تبقى له من عمر فيها.
الفيلمان جميلان وصادمان ومؤثّران لقوة اشتغالاتهما الجمالية، وأسلوب سردهما قصصاً تقارب حالة مُصوّرة صحافيين في بلدين مختلفين، تجمعهما السينما بكل ما يحيط بحياتهما المتخيّلة من قسوة وإذلال.
