خطورة نووي إيران وحقيقة غبار ترامب النووي
Arab
1 week ago
share
استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصطلح "الغبار النووي" Nuclear Dust، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بين السياسيين والعلماء على حد سواء. وهي باختصار "شعبوية لغوية" بارعة، تحول القضايا الوجودية المعقدة إلى مفاهيم بسيطة يمكن تداولها في العناوين الصحافية السريعة. وعندما يبدأ الناس والصحافة بتكرار مصطلح "الغبار النووي"، يكون ترامب قد نجح في جر الجميع إلى "ملعبه اللغوي" الخاص، حيث القواعد بسيطة والنتائج دائماً ما تصب في مصلحة صورته السياسية. الغبار هو مادة ناعمة من التراب، أو الرماد والدخان، أو جزيئات مجهرية دقيقة، أو مواد أخرى، تنتشر في الهواء، وتكون خفيفة بما يكفي لتحملها الرياح. والغبار النووي أو التساقط النووي Nuclear Fallout ، هو الجسيمات المشعة التي تهبط من الجو إلى الأرض بعد وقوع انفجار نووي، سواء كان من قنابل نووية (قنابل هيروشيما وناكازاكي) أو تجارب نووية أو من حادث في مفاعل نووي، كما حدث في كارثتي مفاعل تشرنوبل ومفاعل فوكوشيما. ويتكون الغبار النووي، عندما يمتزج الحطام والتراب الذي يمتصه الانفجار مع المواد المشعة الناتجة عن الانشطار، فيصعد إلى طبقات الجو العليا ثم يعود للسقوط بفعل الجاذبية أو الأمطار.  هناك غبار نووي ناتج عن غاز الرادون المشع، الناتج عن تحلل اليورانيوم الطبيعي في التربة، والذي يخرج من تربة الأرض في أماكن معينة، ويعد سبباً رئيسياً لسرطان الرئة (الثاني بعد التدخين). في أميركا، يتطلب الأمر قياس مستوياته داخل المنازل، لأن الغاز يتسرب عبر الشقوق والأساسات، ويحتجز بتركيزات خطرة، خاصة في الأقبية، حيث توصي وكالة حماية البيئة EPA باتخاذ إجراءات علاجية إذا تجاوزت النسبة 4 بيكو كوري/لتر. نشاط إيران النووي المُعلَن، يتكون من منشآت نووية، وتتركز في نطنز وفوردو وأصفهان وأردكان، وهي منشآت خاصة بدورة تخصيب اليورانيوم، وهناك مفاعل نووي موجود في بوشهر، وهو مفاعل لإنتاج الطاقة الكهربائية، ومفاعلات أبحاث موجودة في مركز طهران للبحوث النووية، و4 مفاعلات بحثية في أصفهان بالإضافة إلى مفاعل آراك البحثي.  إبان عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران 2025، تعرض نشاط إيران النووي في نطنز وفوردو وأصفهان وأردكان ومفاعل آراك البحثي، لضربات شديدة، من أميركا وإسرائيل، وأكدت أميركا وإسرائيل أن الضربات كانت "جراحية" واستهدفت تحييد القدرات التصنيعية من دون التسبب في كارثة بيئية، وذلك لمنع إيران من الوصول إلى "نقطة اللاعودة" في تخصيب اليورانيوم. لذلك، حتى الآن لم يرتفع مستوى الإشعاع في هذه المناطق عن مستوى الإشعاع الخلفي الطبيعي (Background Radiation)، والذي متوسط ما يتعرض له الإنسان عالمياً حوالي 2.4 ملي سيفرت (mSv) سنوياً، وهو ناتج عن مصادر طبيعية مثل الأشعة الكونية، وغاز الرادون، والمواد المشعة في جسم الإنسان. ترامب يرى أن الضربات العسكرية التي تمت في عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو 2025، قد حولت المنشآت والمواد النووية إلى حطام أو "غبار" مدفون تحت الأرض، وهو الآن يسعى لاستعادته لضمان عدم إعادة تدويره أو استخدامه مجدداً. واستخدام مصطلح "الغبار" يهدف إلى تبسيط القضية للجمهور، وتصوير البرنامج النووي الإيراني بأنه شيء "محطم" أو "بقايا" لم تعد تشكل تهديداً استراتيجياً كما كانت قبل الضربات. لكن في حقيقة الأمر، ترامب يستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% التي تمتلكها إيران. يريد ترامب خلق سردية النصر، فعندما يقول إن إيران وافقت على تسليم "الغبار النووي"، فهو يصور الأمر بأنه استسلام كامل وتسليم للمواد الخام، مما يعزز صورته "صانعَ صفقات" قوياً. ومن خلال تصوير اليورانيوم المخصب بأنه بقايا أو "غبار" تحت المنشآت المدمرة، يبرر إرسال فرق "تنقيب" أو قوات خاصة لاستعادته، واصفاً ذلك بعملية "تنظيف" ضرورية للأمن العالمي. ترامب يحاول فرض واقع جديد يسمى "صفر تخصيب وصفر مخزون"، وهو ما يتجاوز بمراحل طموحات إيران النووية، ومن الصعب أن يقبل النظام الإيراني التنازل عن المكتسبات التي حققها في هذا المجال. فالمكتسبات كثيرة، مثل امتلاك دورة وقود نووي كاملة قادرة على إنتاج يورانيوم عالي التخصيب، وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة، وبناء قاعدة علمية وبشرية محلية على مستوى عالمي قادرة علي منافسة الدول النووية الكبرى. كذلك لن يقبل النظام الإيراني التنازل عن التكلفة الباهظة التي تكبدها، من عقوبات اقتصادية خانقة تعرض لها الاقتصاد الإيراني، مما كلف الاقتصاد خسارة تريليونات الدولارات، وانهارت العملة الإيرانية وارتفعت معدلات التضخم. بالإضافة إلى تكاليف البنية التحتية المباشرة (مليارات الدولارات) التي أنفقت في بناء وتشغيل المنشآت والمفاعلات النووية. مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% الذي تمتلكه إيران والذي يقدر بأكثر من 400 كيلوغرام، موجود في صورة مادة كيميائية تسمى "سادس فلوريد اليورانيوم UF6" وهي مادة شديدة التآكل وتتفاعل بعنف مع الماء أو الرطوبة في الهواء، مما ينتج عنها حمض الهيدروفلوريك (HF) السام. وهي ليست خطراً إشعاعياً فقط، بل هي سم كيميائي قاتل إذا استنشق دمر الرئة، وإذا لامس جلد الانسان سبَّب حروقاً شديدة وتآكلاً لجسم الإنسان بسبب طبيعته الحمضية، كما أنه يسبِب تدمير الكلى. وسادس فلوريد اليورانيوم هو مادة صلبة عند درجات حرارة أقل من 56.5 درجة مئوية، وإذا ارتفعت درجة حرارته أعلى من ذلك يتحول إلى بخار. جزء ضئيل من مخزون سادس فلوريد اليورانيوم موجود في أجهزة الطرد المركزي في المنشآت النووية (نطنز وفوردو وأصفهان)، والجزء الأكبر منه، موجود في الصورة الصلبة في أسطوانات محكمة الغلق، هذه الأسطوانات إما أن تكون موجودة في المنشآت النووية المعلَنة، وإما أن تكون مخزنة في مواقع سرية.  هناك أسطوانات بسعات صغيرة (0.45 و2.2 و25 و200 كيلوغرام) تستخدم في أغراض محددة، مثل أخذ العينات والبحث والتطوير، وهي مصنوعة غالباً من النيكل لمقاومة التآكل الشديد الذي يسببه مادة سادس فلوريد اليورانيوم، وتنقل دائماً داخل حقائب حمل واقية مبطنة بمواد تمتص الصدمات. وهناك أسطوانات ضخمة تستوعب حوالي 12.5 طن من مادة سادس فلوريد اليورانيوم قبل عملية التخصيب، وهناك أسطوانات أصغر بكثير، حيث تستوعب حوالي 2.2 طن من مادة سادس فلوريد اليورانيوم بعد عملية التخصيب. والأسطوانات صغيرة الحجم (2.2 طن) ضرورية لتجنب وصول الوقود النووي لحالة "الحروجية النووية"، فاليورانيوم المخصب إذا وجد بكميات ضخمة في مكان واحد فقد يبدأ تفاعلاً نووياً متسلسلاً غير منضبط. تصنع هذه الأسطوانات من فولاذ كربوني سميك جداً لتحمل الصدمات العنيفة أو السقوط من مرتفعات، ويجب أن تتحمل درجات الحرارة المرتفعة، فوق 500 درجة مئوية من دون أن تنصهر أو يحدث تسرب لمادة سادس فلوريد اليورانيوم. للتعامل مع مادة سادس فلوريد اليورانيوم الموجودة في أجهزة الطرد المركزي، لا بد من وجود احتياطيات وقائية كيميائية ونووية شديدة. فعملية سحب سادس فلوريد اليورانيوم من أجهزة الطرد المركزي، تتم من خلال ملء الأسطوانات وهي في الحالة الغازية، ويتم التبريد تماماً حتى تتحول المادة إلى الحالة الصلبة قبل الشحن. وتعتبر عملية نقل أسطوانات سادس فلوريد اليورانيوم من مواقع تعرضت لدمار من أخطر العمليات اللوجستية والنووية، لأن الدمار يضيف مخاطر "عدم الاستقرار الهيكلي" إلى الأسطوانات، وقد يؤدي إلى انفجار الأسطوانات وانتشار الغاز السام في المحيط وتلوث المنطقة الموجود فيها.  إذا تمت عملية شحن الكبسولات جميعها بموافقة إيران، أو بدون علمها من خلال عملية سرية، وكانت تحت إشراف الخبراء الأميركيين المتخصصين، وتمت طبقاً للبروتوكولات الدولية الصارمة، ففي هذه الحالة نستطيع أن نقول إن ترامب قد نجح وتحقق له ما أراد. لكن العملية ليست بهذه السهولة، لرفض إيران نقل اليورانيوم المخصب خارج أراضيها، كما أن هناك استحالة نقله من خلال عملية سرية بحتة، لأن القوات الأميركية المنفذة للعملية سوف تتعرض لهجوم من جانب القوات الإيرانية، ونتيجة ذلك ستحدث كارثة كيميائية نووية مركبة، ويصبح ترامب في خبر كان. أشكك في معرفة التحالف الأميركي الإسرائيلي مواقع تخزين سادس فلوريد اليورانيوم، فمن المؤكد أن إيران نقلت هذه المواد من المنشآت المعروفة في نطنز وفوردو وأصفهان إلى أماكن تتمتع بالسرية التامة وشديدة التحصين، وعصية على الاختراق.  من ضمن مكتسبات إيران النووية، أن هناك مصنع أردكان وهو مصنع للكعكة الصفراء (أكسيد اليورانيوم الصلب U3O8)، في محافظة يزد، الذي تعرض لهجوم جوي في 27 مارس/آذار 2026. ومصنع أردكان أكبر منشأة في إيران لإنتاج "الكعكة الصفراء"، حيث يتم فيه تحويل خام اليورانيوم المستخرج من منجمي "ساجند" و"ناريجان" في محافظة يزد إلى "الكعكة الصفراء" وهي المادة الخام الأساسية التي ترسل لاحقاً إلى منشأة أصفهان لتحويلها إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم، لتغذية أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز ومنشأة فوردو. والكعكة الصفراء لها نشاط إشعاعي ضعيف جداً (جسيمات ألفا) مقارنة بالوقود النووي أو اليورانيوم المخصب. وفي حال حدوث انفجار، يتناثر أكسيد اليورانيوم على صورة غبار ثقيل في المحيط المباشر للمصنع، ولا يسبّب خطراً على المدن البعيدة، بمعنى أن هذا الغبار لا يسبب "سحابة نووية" بالمعنى التقليدي (مثل تشيرنوبيل)، لكنه يشكل تلوثاً بيئياً موضعياً خطيراً إذا تم استنشاقه أو وصل إلى المياه الجوفية. والسلطات الإيرانية فرضت "منطقة عزل كيميائي وإشعاعي" حول المصنع. وأصبحت المنطقة المحيطة بالمصنع مباشرة "منطقة ملوثة" تتطلب عمليات تنظيف معقدة. مفاعل بوشهر لإنتاج الكهرباء، وموقعه على الخليج العربي، من أخطر الأنشطة النووية الإيرانية في حالة استهدافه بضربات مدمرة. لذلك، من الصعب جداً التعامل مع محطة بوشهر النووية بوصفها هدفاً ضمن بنك الأهداف الحيوية، لعدة أسباب، منها وجود خطورة نووية سوف تضر إيران ودول الخليج العربي وهي دول حليفة لأميركا، كما أن المفاعل كان يديره عدد من الخبراء الروس للدعم الفني للمساعدة على تشغيل المفاعل، ولكن روسيا أعلنت إجلاء الغالبية العظمى منهم، كذلك هناك تحصينات شديدة لحماية المفاعل. صحيح أن الضربات الأميركية-الإسرائيلية، أخرت البرنامج النووي الإيراني تقنياً لسنوات، لكنها زادت من مخاطر أن تقوم إيران بنقل ما تبقى من أنشطتها الحساسة إلى مواقع أكثر عمقاً وأصغر حجماً وتشتيتاً جغرافياً، وتحوله إلى برنامج سري بالكامل بعيداً عن أعين المفتشين الدوليين، مما يجعل مراقبتها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) شبه مستحيلة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows