Arab
لم تسمح "الهدنة"، إن صحّت تسميتها كذلك، والتي مُددت لثلاثة أسابيع إضافية في لبنان، بعودة الحياة الطبيعيّة في الضاحية الجنوبية لبيروت، بينما لا يمكن إطلاق وصف هدنة على الأوضاع في جنوب لبنان.
فور إعلان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، توافد أهالي جنوب لبنان وسكان الضاحية الجنوبية لبيروت عائدين إلى منازلهم. لم ينتظروا، أو يتريّثوا، بل انطلقت آلاف السيارات جنوباً حاملةً النازحين العائدين، وباشر الأهالي فوراً ترميم المنازل المتضررة بحسب الإمكانات المتاحة، ولم يغادروها حتى اقتحمت الحرب مناطقهم مجدداً.
يؤكد العدد الأكبر من سكان الضاحية الجنوبية رغبتهم في العودة إلى منازلهم واستعادة استقرارهم، وبدأ بعضهم استغلال الهدنة لترميم منزله المتضرر وإصلاحه، وآخرون قرّروا البقاء في منازلهم لأيامٍ قليلة، لكن الغالبية ما زالوا ينتظرون أن تتضح الأمور، وأن تصبح العودة آمنة. ليبقى الترقب سيد الموقف، فيما الأهالي يخشون تجدد الحرب، ويعيشون معاناة النزوح الذي يرافق بعضهم منذ نحو سنتين. لم تكن الأمور مماثلةً بعد إعلان الهدنة الحالية 16-17 إبريل/نيسان الماضي، فالخروق الإسرائيلية لم تتوقّف، وإن لم تعد تطاول بيروت وضاحيتها الجنوبية كما في السابق، ما يجعلها غير شبيهة بالهدنة أصلاً، ولا يمكن حتى وصفها بأنها هدنة هشّة، إذ اعتمد العدو الإسرائيلي أساليب مختلفة، من بينها القصف المفاجئ، والتدمير العشوائي من دون تحذير، بعد التراجع عن فكرة تحديد المباني وتحذير سكانها قبل قصفها، واعتماد أسلوب تحديد مناطق بأكملها، ومطالبة سكانها بالمغادرة، ما جعل أهالي الضاحية الجنوبية عاجزين عن اتخاذ قرار العودة.
غادرت اللبنانية هدى الجواد منزلها في الضاحية الجنوبية لبيروت في 2 مارس/آذار الماضي، فجر اليوم الذي أُطلقت فيه الصواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، لتبدأ سلسلة القصف والاغتيالات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية من دون تحذير مُسبق. تقول هدى لـ"العربي الجديد": "بعد إعلان الهدنة، اجتمعت عائلتي لتقرّر ماذا سنفعل، وكانت الآراء حول العودة متباينة، لكننا جميعاً كنا نطرح أسئلة مُتشابهة: هل من الآمن العودة إلى منزلنا في منطقة حي الأبيض؟ هل من الأفضل البقاء في منزل شقيقتي في وسط بيروت ريثما تتضح الأمور؟ هل ستعود الحرب من جديد؟ ماذا سيحصل في حال عدنا إلى منزلنا وقررت إسرائيل قصف المنطقة فجأة؟ كنا في حالة عجز كامل عن إجابة أي من هذه الأسئلة، إذ لا نعلم ما الذي سيحصل في مقبل الأيام، ولا أحد يمكنه أن يقرر إن كانت الحرب ستعود أم إن كانت الأمور ستستقرّ. ما يحصل حالياً لا يشي بأن الأوضاع ستكون جيدة، لذلك لا أعلم إن كنت سأعود إلى منزلي مرة أخرى أم سأظل نازحة، وانعدام اليقين هذا من أصعب الأمور التي يشعر بها المرء. نعيش مرحلة نزوح ولا نزوح، وكأننا نسابق الزمن لزيارة المنزل قبل مغادرته من جديد".
تضيف الجواد: "قررنا زيارة منزلنا كخطوة أولى قبل اتخاذ القرار، لكننا فوجئنا بما رأيناه. هذا الدمار الحاصل لم يكن يوثق بشكل كامل عبر عدسات الكاميرات، والكثير من المباني مُدمرة في محيط منزلنا، وقد تضرر المنزل بشكل كبير، لكنه بقي صامداً. حين صعدنا إلى المبنى، كان الزجاج متناثراً في كل مكان، وبعض الأبواب تطايرت من عصف الصواريخ. قررنا بعدها تنظيف المنزل قليلاً، وأن نؤجل قرار العودة إلى الأسابيع المقبلة. حتى نتمكن من العودة فإننا نحتاج إلى التأكد من توفر المياه وتأمين التيار الكهربائيّ، وتصليح كل الأشياء المدمرة. كل هذه الأمور سنؤجلها قليلاً".
بدورها، غادرت فاطمة عساف منطقة الجاموس في الضاحية الجنوبية في اليوم الأول للحرب، وانتقلت إلى منطقة بشامون حيث تقيم حالياً مع أولادها، وتقول لـ"العربي الجديد": "عُدت إلى منزلي في اليوم الأول للهدنة، كنت أريد المبيت هناك ولو ليومٍ واحد كي أشعر بالراحة التي أتوق إليها منذ نحو شهرين، لكني لم أتمكن من ذلك، لأن الوضع الأمني لم يكن يوحي بأن الأمور مستقرة. كانت المنطقة شبه خالية من السكان، وغالبية أبواب المباني مفتوحة أو مخلوعة بسبب قوة الصواريخ التي أصابت المنطقة، ما يجعل النوم هناك غير آمن إلى حدٍ كبير".
وتوضح عساف: "العديد من الشقق السكنية تعرضت للسرقة خلال فترة الحرب، ومنزلي كمثال كان بابه مفتوحاً طيلة أسابيع مضت، ويبدو أن لصاً دخل إليه، وسرق جرة الغاز. بعض الشقق تعرضت لسرقة الأثاث والأجهزة، وحتى الأسلاك الكهربائية سُرقت. هذا الأمر يتكرر للمرة الثانية، ففي حرب عام 2024 تعرضت المناطق التي أخليت للسرقة أيضاً. لحظة دخول المنزل كانت مخيبة، إذ شعرت بحيرة كبيرة، وبمشاعر مختلفة عن المرة الأولى التي دخلنا فيها المنزل بعد وقف إطلاق النار في 2024. كل شيء كان مختلفاً، والشارع صار غريباً. هدوء غير مسبوق في منطقة كانت تعج بأهلها، وتُعرف بأنها من أكثر مناطق الضاحية اكتظاظاً".
وتضيف: "بعد دخولنا إلى المنزل اتفقت مع أولادي أن نقوم بتنظيفه وترتيبه، على أن نقرر العودة إليه خلال الفترة المقبلة. طوال الأسبوع الماضي كنا نأتي إلى المنزل، ونبقى فيه منذ التاسعة صباحاً حتى الثالثة ظهراً للتنظيف، فالزجاج متناثر في كل مكان، حتى إن ألواح الألومنيوم تطايرت نحو الشارع، وفي اليومين الأخيرين قررنا المبيت هناك، ووضعنا الشوادر كحلٍ مؤقت على الأبواب المكسورة، وهذا الحل الذي نعتمده عادة في حال تكسر الزجاج حتى نقوم بتركيب ألواح زجاج جديدة. قمنا بتنظيف الغرف التي سننام فيها، لكن البيت ما زال يحتاج إلى أيام طويلة من التنظيف كي يعود كما كان".
تتابع عساف: "لم يعد أحد من سكان المبنى الذي نزحنا بعد، وغالبيتهم يأتون بشكل شبه يوميّ لتفقد منازلهم ثم يغادرون إلى الأماكن التي نزحوا إليها من جديد. المسيرات لا تفارق السماء طوال الليل، ونسمع أصواتها بوضوح كون المنطقة ليست مأهولة بشكل كبير. الأصل أن المرء لا يشعر بالراحة إلا في منزله، لذا قررنا أن نعود، فالمنزل رغم الدمار يبقى أفضل من أي مكان نزوح. أصر أفراد عائلتي على البقاء في المنزل، فالجميع يريدون الشعور بإحساس المنزل كما في السابق، ونتمنى أن تعود الحياة إلى المنطقة سريعاً".
لم يعد اللبناني محمد بيلون بعد إلى منزله في الضاحية الجنوبية، لكنه يتفقده كل يومين منذ تفعيل الهدنة. ويقول لـ"العربي الجديد": "أقيم حالياً في منطقة خلدة مع عائلتي، ولم نتخذ قرار العودة إلى المنزل بسبب الأضرار الكبيرة. لم أنظف البيت بالكامل حتى الآن، وقمت فقط بتغيير لوحين من الزجاج. لا يمكننا العودة إلا بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق نار جديّ، فالهدنة غير آمنة، ولا أحد يثق بإسرائيل، والتي يمكن أن تقصف الضاحية الجنوبية فجأة كما فعلت طيلة أيام الحرب الأخيرة".
ويضيف بيلون: "حين أقفلت الطرقات بالسيارات بسبب نزوح آلاف المواطنين فجأة في مارس الماضي، عقب القصف الإسرائيلي، كنا حينها بحاجة إلى أكثر من ست ساعات للخروج من المنطقة، وفي أولى أيام الهدنة، أتيت وزوجتي لأخذ كل الأغراض التي لم يتسن لنا إخراجها من البيت خلال فترة الحرب، كنا نحتاج إلى الثياب الصيفية لأن الطقس تبدل، وحاولنا نقل الأغراض الضرورية إلى البيت البديل في خلدة، فلا نعرف بعد متى سنتمكّن من العودة".
تقيم نور صالح حالياً مع عائلتها في منطقة مار إلياس ببيروت، وتعتبر أن العودة إلى منزلها في منطقة السان تريز بالضاحية الجنوبية شبه مستحيلة في الوقت الحالي بسبب الأوضاع الخطرة. وتقول لـ"العربي الجديد": "عُدنا في أولى أيام الهدنة إلى منزلنا لأننا اشتقنا إليه، وإلى المنطقة. قمنا بترتيبه قليلاً لكن لم نُصلح أي شيء، إذ نخشى من أن تجدد الحرب، ما يجعل الترميم غير ذي جدوى، وقد يتكسر الزجاج مجدداً، أو يتضرر البيت أكثر".
وتضيف صالح: "لا نزور البيت يومياً لأننا نشعر بأن المنطقة ليست آمنة، وفي كل مرة نفتح باب البيت، أتوزّع أنا وإخوتي في غرفنا، ونحاول أن نحصل على قليل من الراحة في منزلنا الذي أجبرنا على مغادرته، علماً أن هذا المنزل ليس بيتنا الأساسيّ، بل هو البديل الذي استأجرناه بعد الحرب الأولى. منزلنا الأصلي في منطقة صفير دُمّر، وهذه المرة الثانية التي نعيش فيها إحساس الخوف من خسارة البيت. قررنا عدم العودة لأن العدو الإسرائيلي يكرر قصف الجنوب، ويواصل خرق الهدنة، ونخاف أن يخرق الهدنة في بيروت وضاحيتها أيضاً، لذا فضلنا أن نبقى في الوقت الراهن في البيت الذي نقيم فيه ريثما تتحسن الظروف".
وتتابع نور: "غالبية أهالي الضاحية الجنوبية يرغبون في العودة إلى منازلهم، لكنهم يفضّلون أن تكون العودة آمنة، لهذا ننتظر مع كثيرين تبدل الأوضاع أو اتضاح الصورة خلال الأسابيع المقبلة، ربما يُبرم اتفاق وقف إطلاق نار واضح. عندها سنعود إلى حياتنا الطبيعية السابقة، بينما استمرار الهدنة بهذه الطريقة لا يمكن أن يسمح بالعودة. إسرائيل تخرق الهدنة في جنوب لبنان يومياً، وتهدد مئات القرى، وتتعمّد تهجير أهلها، ولا يمكن أن نثق بأنها قد لا تلجأ إلى تهديد الضاحية الجنوبية مرة أخرى".

Related News
ساوثهامبتون في قلب قضية "تجسس".. هذه تفاصيلها
alaraby ALjadeed
22 minutes ago
افتتاح مقبرتين أثريتين جديدتين في الأقصر
alaraby ALjadeed
32 minutes ago
فيروس إيبولا يتفشى مجدداً في الكونغو الديمقراطية
alaraby ALjadeed
34 minutes ago