ضد الثقافة
Arab
10 hours ago
share
هل ما يجري في سورية احتقارٌ للثقافة؟ هل هو غُلواء المثقفين والفنانين أنفسهم ضد الثقافة والفن؟ في فترةٍ ما، سمحت لي الحياة أن أكون قريبةً من الوسط السوري الفني. وهذا الوسط لم تأتِ شهرته من السينما، بل من التلفزيون، لأسبابٍ كثيرة يطول شرحها. وجد كتّاب روايةٍ وصحافيون وشعراء ومترجمون سوريون كبار أنفسهم منغمسين في ضخّ موادهم الإبداعية في جسد ما اصطلحنا على تسميتها "الدراما السورية"، وهو مصطلحٌ ثقافيٌّ أيضاً، تجاوزيٌّ استعلائيٌّ، عن الاسم المنبوذ وغير المرحَّب به: المسلسل. بحيث أتى إلى درامانا، من دون اعتذار، ممدوح عدوان، وقدّم لها حنا مينه من رواياته، وأتى هيثم حقي برؤيةٍ مناسبةٍ للتلفزيون، أعلى كثيراً من رؤية المخرجين التلفزيونيين، وأخفض قليلاً من السينما، كونهما بنيتان مختلفتان تماماً، ما بين أن تنفّذ لقطةً وأن تنفّذ مشهداً. وهذا حديثٌ آخر. ما يجري لنا اليوم، إن لم يكن احتقاراً موصوفاً للثقافة، فهو على الأقل إهمالٌ لها، لا بسبب اللامعرفة، بل لأسبابٍ ربما تبدو خفيّةً، لكنها ليست كذلك. إذ تعيش سورية، كما يعرف الجميع، لحظة انحطاطٍ كبرى، تمسّكنا فترةٍ بأملٍ أن يتحسّن هذا، لا رفقاً بجيلي الذي عاش من الأعطاب ما عاش، بل لأن الجيل الذي يلينا لم يرَ من سورية غير خرابها، وبات يظنّ أن هذا هو حالنا دوماً. مع أننا حتى في سنوات رضانا عن ذاتنا، كانت للجميع، مثقفين وكتّاباً ومخرجين، آراء غير غفورةٍ في ما يخصّ سنوات الألق تلك. ربما سأدخل في حكاياتٍ شخصية، لكني أرويها استدعاءً للحقيقة فقط. في بداياتنا، جمعتني الحياة "على عجل" بالممثل تيم الحسن، كان عمله الثاني، وعملي الأول بصفة مساعدة مخرجٍ، لا تفقه شيئاً، تكرّم عندها هيثم حقي وقبِل بتدريبي وأعطاني فوقها أجراً. أتذكّر عندما طلبت مساعدته، قلت له: "أنت قدّمت جمال سليمان وأمل عرفة. أنا بفهم كثير، لازم تساعدني" وفعل. في كواليس ردم الأساطير، في الاستراحات الطويلة، لطالما طُلب من تيم الحسن أن يقلّد الممثلين وأساتذته وغيرهم، لقدرته الهائلة على التقليد، التي يعيها الآن كلّ السوريين والعرب. ما لا يعرفه السوريون أنه حينها، عندما كان يُطلب من تيم أن يُدخل ويستغل ذلك في أعماله، كان يرفض. وعندما سُئل لماذا، بحضوري، تبرّعت أنا وقلت: "لأنه ممثل"، فقال: "بالضبط". لا أدري إن كان تيم الحسن يتذكّر، أنا أفعل. إذاً عندها، ثقافة تيم الحسن أجابت، ورفضت، ودُعمت أيضاً، بعكس الآن، برؤية مخرجين عمل معهم سابقاً، رفضوا أن يلعبوا تلك الورقة السهلة في مستقبل ممثل موهوب كتيم الحسن، ما زال منذ 15 عاما عالقا بدور روبن هود "الحرامي الشريف". هذا أيضاً شأن يخص وعيه بموهبته وثقافته.السؤال الذي يترنح حاضرنا حوله الآن: ما الذي جرى لنا؟  في سياق متصل، تعرّفت إلى جهاد عبدو، الذي لم تنقصه عندها الثقافة أو الرقيّ. ما الذي حصل ليذهب إلى منصبٍ يعلم تماماً أنه معطِّلٌ لكل إبداع، وإن لم يكن، فهو يغطّي بوجوده على هذا التعطيل؟ أعرف شخصيٍّاً غطفان غنوم، أعرف ثقافته وانتماءه وحساسيته، لا أدري كيف استطاع مسامحة نفسه على استلام منصبٍ لم يستطع منذ استلامه إلا أن يكرّس الجهل وقلة الموارد العلمية والفنية والثقافية لجيلٍ متكاملٍ من شباب المعهد العالي للفنون المسرحية وشاباته. كلّ هؤلاء وغيرهم، لا تنقصهم الثقافة ولا الأخلاق ولا الموهبة ولا الوعي. ماذا جرى لهم حتى تجاهلوا كلّ ما يعرفون، ورموه عن وعيهم؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows