الخبز أم الحزب؟
Arab
10 hours ago
share
منذ استقلال سورية تعاقب على الحكم رؤساء حمل كل منهم سرديته، فمنهم من رفع شعارات الوحدة العربية، ومنهم من جعل الصراع الإقليمي عنواناً دائماً، إلى من قدّم الأمن والاستقرار بوصفهما الأولوية المطلقة. وفي معظم تلك المراحل، تقدّمت القضايا الكبرى والأيديولوجيات العابرة للحدود على الشأن السوري الداخلي. أما اليوم، فيبدو الرئيس أحمد الشرع مختلفاً، بوصفه أول رئيس سوري يطغى على خطابه حديث التنمية وإعادة الإعمار، ويركز على سورية نفسها، لا على الملفات العربية الخارجية ولا على السجالات العقائدية التي استهلكت المنطقة طويلاً. لا يخفى هنا أن هذا ربما يكون مردّه أن ظروف سورية الخارجة من الحرب والانهيارات، قد جعلت سلّم الأولويات يتبدل بصورة جذرية. فبعد سنوات الدم والتهجير والتفكك المؤسّسي، لا يعود السؤال الأول عند الناس متعلقاً بشكل النظام السياسي، ولا بطبيعة الدستور، ولا بعدد الأحزاب المتنافسة، بل يصبح سؤالاً أكثر بساطة وإلحاحاً: الخبز أولاً أم الحزب والديمقراطية وصندوق الاقتراع؟  السوري الذي عاش سنوات القصف والنزوح والانهيار الاقتصادي، لا يستيقظ صباحاً منشغلاً بالنظم البرلمانية والرئاسية، ولا بصراعات الأيديولوجيا التي استنزفت المنطقة لعقود. ما يشغله هو الكهرباء التي تنقطع، والشارع المحفّر، والماء المنقطعة، والمدرسة التي تحتاج ترميماً، والمستشفى الذي يفتقر إلى الدواء، وفرصة العمل التي تحفظ الكرامة. هذه ليست مطالب متواضعة، بل هي جوهر السياسة الحقيقي حين تنهار الدول. لنكن واضحين أكثر، سورية المدمّرة ليست أولويتها اليوم الحياة الحزبية، ولا يمكن أن تنهض عبر الخطب السياسية والنظريات العقائدية، بل عبر مشاريع الإسكان، وشبكات الطاقة، وإصلاح الطرق، وتشغيل المصانع، وإعادة بناء التعليم والصحة. التنمية هنا ليست بنداً فنياً منفصلاً، بل المدخل الواقعي للاستقرار الاجتماعي، وهي أيضاً الشرط الضروري لأي حياة سياسية سليمة لاحقاً. فمن الصعب الحديث عن تنافس حزبي ناضج في بلد يعيش ملايين من سكانه تحت ضغط الفقر والبطالة. وفي سورية تحديداً، تبدو فكرة العمل الحزبي التقليدي أقرب إلى نموذج من زمن آخر. فالأحزاب العربية، قومية أم يسارية أم دينية أم ليبرالية، فقدت منذ زمن طويل قدرتها على تمثيل المجتمع أو إلهام الجمهور. كما أن العالم نفسه يتغير بسرعة هائلة، حيث تتراجع البنى الحزبية الصلبة لصالح أشكال أكثر مرونة من التنظيم والتأثير تقوم على المبادرات المحلية والشبكات المهنية والبرامج العملية. الناس في سورية اليوم لا يسألون: من الحزب الأقوى؟ بل يسألون، هل يمكن أن يأتي يوم من دون أن ننقطع فيه الكهرباء؟ متى تعود لليرة السورية قيمتها ومتى يتوقف ارتفاع الأسعار؟ وهل تستطيع الحكومة إيجاد فرص عمل جديدة؟ قد تبدو هذه الأسئلة معيشية، لكنها في الحقيقة أسئلة سياسية من الدرجة الأولى، لأنها تمسّ معنى الدولة ووظيفتها المباشرة في حياة المواطنين. من هذه الزاوية، يمكن ملاحظة أن الشرع يركز في معظم خطاباته وتصريحاته على أولوية التنمية وإعادة الإعمار، وعلى استعادة الخدمات وتحسين الاقتصاد وجذب الاستثمارات. وهذه نقطة تُسجَّل له، بصرف النظر عن المواقف المختلفة منه أو من خلفيته السابقة. فالرجل، رغم قدومه من ماضٍ عقائدي، لا يبدو ميالاً في خطابه الحالي إلى الغرق في السجالات الأيديولوجية، بل يتجه أكثر نحو خطاب براغماتي يتحدث عن الدولة والإدارة والبناء. ربما تحتاج سورية اليوم إلى دولة تعمل، قبل أن تحتاج صندوق اقتراع وطبقة سياسية تتجادل. وإذا نجحت في استعادة الحد الأدنى من التنمية والخدمات، يمكن عندها أن تنمو السياسة بصورة أكثر صحة وواقعية، وعلى أرض صلبة. 

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows