ردّاً على مقال: الوطن لا يُبنى باستعادة الماضي بلغة الانقسام
Arab
12 hours ago
share
على هامش المقال الذي نشره الكاتب شفان إبراهيم في العدد 50 من ملحق "سورية الجديدة" بتاريخ 10/3/2026 تحت عنوان "الكرد مجدّداً بين ذاكرة الإنكار وسؤال الدولة الجامعة"، تبرز الحاجة لتقديم توضيحات تاريخية وواقعية غابت عن المقال، من باب إثراء النقاش العام، وتقديم وجهة نظر أكثر أصالة علمية حول تاريخ الجزيرة السورية وتركيبتها الاجتماعية، بعيداً عن الإزاحة التي يمارسها انفعال خطابي أو سردية المظلومية. ينطلق المقال من فرضية أساسية مفادها بأن الكرد في سورية عاشوا تاريخاً طويلاً من "الإنكار". ما يدفع إلى التساؤل أي إنكار عاشه الكرد؟ ومنهم قائد المعركة الوحيدة التي خاضها الشعب السوري ضد فرنسا لئلا يقال دخلت دمشق من دون حرب، ومنهم رئيس الجمهورية فوزي سلو، وفيهم وزير المعارف محمد كرد علي، حضر هؤلاء في مرحلة الدولة الوطنية، وانطلاقة الدولة التي أجهضت بالاحتلال. حضر هؤلاء قبل استلام حزب البعث السلطة وسعيه إلى تزيين سلطة الأسد بشذرات متنوعة من عبيده في شتى البيئات الاجتماعية. في تلك المرحلة السابقة للأسد، كان انتماء محمد كرد علي للوطن أعلى من انتمائه الإثني العابر للحدود، ولعلّه من الضروري تذكّر موقفه عندما تزايدت الهجرات الكردية من تركيا إلى الجزيرة السورية، وطالب بضبطها وتحديدها، تلك الممارسة السياسية عبرت عن ثقافة حقيقية قبل قدوم "البعث العربي" وقبل تشكّل "البعث الكردي" المقتفي آثاره في احتكار وتحجير الثقافة وتصليبها قومياً. أكثر نقاط المقال إثارة للجدل تتعلق بمشروع "الحزام العربي"، الذي يُقدَّم كأنه خطة ديموغرافية منظمة لمحو الوجود الكردي في الجزيرة السورية تحضر هنا مقولة الكاتب العراقي سليم مطر في بدايات الثورة السورية: "إلى ثوار سورية، خذوا حذركم من البعث الكردي كما تأخذون حذركم من البعث العربي". لا شك أن التاريخ السوري الحديث شهد سياسات ظالمة، مثل الإحصاء الاستثنائي عام 1962 وما نتج عنه من إشكالات قانونية وإنسانية. غير أن اختزال كل التاريخ في إطار "إنكار كامل" للوجود الكردي يختزل وقائع معقدة، ويغفل عن حضور الكرد في الحياة الاجتماعية والسياسية في عقود طويلة، وعن التحولات القانونية لاحقاً، مثل المرسوم الصادر عام 2011 الذي أعاد الجنسية لعشرات آلاف ممن حرموا منها وقبله مرسوم نهاية عام 1989. ليست هذه المقالة في صدد مناقشة قضية الأكراد في تركيا، لكن مقولة الإنكار في سورية تنهل من مقولة شاعت أن الكرد كانوا ضحية الإمبراطورية العثمانية، وعانوا العسف والتنكيل رغم أنهم كانوا جزءا من الكتلة الصلبة لجيوشها على حدود القوقاز وعلى ثغور الدولة الصفوية؛ حتى أن السليمانية في شمال العراق أخذت اسمها من سليمان القانوني الذي استجلب الكرد ليسكنوها بوجه التقدم الصفوي.  أكثر نقاط المقال إثارة للجدل تتعلق بمشروع "الحزام العربي"، الذي يُقدَّم كأنه خطة ديموغرافية منظمة لمحو الوجود الكردي في الجزيرة السورية. وتتجاهل هذه القراءة سياقاً تاريخياً أساسياً: في سبعينيات القرن الماضي، ومع إنشاء سد الفرات وغمر بحيرة الأسد مساحات واسعة من وادي الفرات، اختفت قرى عربية كاملة واضطرت آلاف الأسر إلى مغادرة أراضيها التي عاشت عليها لأجيال. هؤلاء الذين عُرفوا لاحقاً باسم عرب الغمر كانوا ضحايا مشروع تنموي أعاد رسم الخريطة السكانية، وليسوا طرفاً في مؤامرة قومية ضد الكرد. بلغ عدد الأسر المهجّرة نحو 6400 أسرة، وهي جزء بسيط ممّا غمرته المياه، من دون تعويض أسر عن أرضها أُسكنّت في 41 قرية فقط في محافظة الحسكة، أي أقل من 3% من القرى والبلدات في المحافظة التي تضم نحو 1800 قرية وبلدة. كذلك، الأراضي التي وزعت كانت في الغالب فائض أراضٍ من تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي، استفاد منها فلاحون عرب وكرد. فمثلاً، حصلت 13 قرية كردية على أراضٍ في مناطق عربية من دون اعتراض أو اتهام بسياسة تكريد، بينما يُصرّ المقال على تصوير توزيع الأراضي لعرب الغمر كأنه استهداف للكرد، رغم أن الواقع مشابه من الجهتين. مثلما مارس البعث سياسة التعريب؛ على الجميع مواجهة أنفسهم بالسياسات المقابلة لسياسة البعث وحذت حذوه؛ لدرجة أصبح فيها التكريد مسلَّمة مارستها الأحزاب القومية الكردية من هنا، يبرز سؤال منطقي: إذا كان الهدف بناء دولة مواطنة تتساوى فيها الحقوق، فلماذا يُقدّم وجود قرى عربية بجوار قرى كردية وكأنه خلل طبيعي؟ يقدم الواقع السوري نماذج عدة على التداخل السكاني بين المكونات، مثل الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وتجمعات كردية في دمشق، وحضور كردي واضح في الرقة، دون أن يُثار أي خطاب عن استقدام مكوّن أو تغيير ديموغرافي. تاريخ الجزيرة السورية لم يكن أبداً فضاء قومياً مغلقاً، بل منطقة متعددة المكونات، تشكّلت عبر الهجرات والعمل الزراعي والتحولات الاقتصادية. العرب والكرد والسريان والآشوريون عاشوا ضمن شبكة علاقات اجتماعية واقتصادية متشابكة، ولم تكن الحدود بين المكونات خطوطاً فاصلة كما يُقدّم أحياناً في سرديات أحادية، ومثلما مارس البعث سياسة التعريب؛ على الجميع مواجهة أنفسهم بالسياسات المقابلة لسياسة البعث وحذت حذوه؛ لدرجة أصبح فيها التكريد مسلَّمة مارستها الأحزاب القومية الكردية، وعممتها في ثقافة بعثية بحتة كأن تسمى رأس العين رشعينو بالسريانية الواردة تسميتها في كتب محايدة أرَّخت للطبيب "سرجيوس الرأسعيني" عام 357م، في حين يتم تكريدها بترجمة حرفية لاسمها، لتصبح سري كاني، وأن "البعث" قد عربها، وتكريد بلدة قبور البيض السريانية (القحطانية باسمها الحديث)، والتي سميت كذلك نسبة إلى طلاء المسيحيين قبور موتاهم بالجص، إلى تربي سبي بالكردية. الوطن الذي يتسع للجميع لا يُبنى عبر إعادة كتابة الماضي بلغة الانقسام، بل عبر قراءة متوازنة للتاريخ تعترف بالأخطاء، لكنها ترفض تحويلها إلى سرديات مغلقة تعيق العيش المشترك وبناء المستقبل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows