Arab
ينتمي دلير يوسف إلى جيل الكتّاب السوريين الذين تشكّل وعيهم الأدبي في ظل التحولات العنيفة التي شهدتها سورية منذ التسعينيات وما بعدها، ثم جاءت تجربة اللجوء لتمنح كتاباته بُعداً وجودياً وفلسفياً واضحاً. يمزج في نصوصه بين السرد الروائي واللغة التسجيلية الصحافية وملامح السينما.
يُعدّ الكاتب السوري دلير يوسف من الأصوات السردية التي تشتغل على تقاطعات الذاكرة والهجرة والهوية، مستفيداً من خبرته في الصحافة والإخراج السينمائي لبناء نصوص تجمع بين الحسّ التوثيقي والبعد الفني.
أصدر عدة أعمال أدبية تنوّعت بين القصة والرواية، واشتغلت على أسئلة الإنسان في مواجهة التحوّلات القاسية، حيثُ يبرز في أعماله اهتمام واضح بتفاصيل الحياة اليومية، وبمصائر الشخصيات التي تعيش على هامش الأحداث الكبرى. يركّز على الإنسان المقتلَع من سياقه، وبحضور قوي لموضوع الهوية الكردية السورية من دون خطاب مباشر.
يكتب بلغة مكثفة، تميل إلى الشعرية الهادئة، وبناء سردي يعتمد على التقطيع السينمائي وتعدّد الأزمنة. ويمكن تصنيف كتاباته بأنها مساءلة مستمرة لمعنى الوطن والانتماء والذاكرة.
صدرت له أخيراً روايته "حكاية آدم بيرغمان أو كيف أصبح الرجل ريحاً"، وبالمناسبة التقاه ملحق سورية الجديدة في الحوار التالي:
* كيف بدأت فكرة رواية "حكاية آدم بيرغمان أو كيف أصبح الرجل ريحاً"، وما الدافع الذي قادك إلى كتابتها؟
كنت أريد أن أكتب عن الظلم والقهر وعدم الانتماء إلى العالم ورغبة المظلومين في الانتقام، رغم أنّني أقف بالضد المطلق ضد قيمة الانتقام. أردتُ أن أكتب قصة شاكر، الرجل الذي ظلمته الدنيا منذ ولادته حتى مماته. هكذا بدأت الفكرة. ولاحقاً فكّرت أنّ أكبر ظلم لحق بشاكر فقدانه للحب، فصار أن كتبت عن قصة حب بين شاكر وجيهان، قصة حب لم تكتمل لأنّ العالم ظلمها.
* لماذا اخترت التسعينيات إطاراً زمنياً للأحداث... هل لأن وعيك تشكّل فيها، أم لأنها مرحلة لها خصوصية في سياق التاريخ السوري المعاصر؟ وبالإضافة إلى تأثيرها على وعيك الشخصي، ما الذي تمثّله هذه المرحلة في وعيك السردي؟
أولى ذكرياتي الشخصية هي التسعينيات، حين كنتُ طفلاً في مدينة القامشلي. كان المكان آنذاك، وما زال، ساحراً. ربّما لأنّ عائلتي عاشت لاحقاً في دمشق التي تبعد حوالي 900 كيلومتر، ولأنني حالياً أقيم في برلين. بدت القامشلي بعيدة دائماً، حتى حين كنت أعيش فيها.
لا ذكريات حديثة لدي عن المدينة، آخر مرّة زرتها كانت في عام 2010. ذكرياتي مرتبطة بفترة التسعينيات، ربّما من أجل هذا بدأت الحكاية من تلك الحقبة وامتدت حوالي 30 سنة لاحقة.
أتذكر أصدقاء إخوتي الأكبر، وأقرباءنا وجيراننا، أتذكّر حكاياتهم كما لو حدثت في الأمس. ربّما كان الأمر بالنسبة للطفل الذي كنته سحراً، وربّما حين كبرت، أردت نقل هذا السحر إلى كتابتي.
يبدو لي أن الناس يولدون في بلادنا، أو في بلاد تشبهها، وهم ينتظرون شيئاً ما لا يأتي. أحسّ بذلك في كل حديث وفي كل مناسبة
* إلى أي مدى تستند شخصية شاكر إلى تجارب واقعية أو شخصيات عايشتها، أو مشاهدات قريبة منك؟
شاكر شخصية خيالية بالمطلق، لكن مثله مثل كل الشخصيات الروائية ينطلق من الواقع، يأخذ منه ما يريد، ليصير بالشكل الذي يريد. هو مزيج من شخصيات وتجارب وقراءات ومشاهدات كثيرة لا حصر لها.
إن سمحت لي سأقتبس من إلياس خوري الذي يقول بما معناه إن الرواية تأخذ من الواقع وتعيد تمثيله، وإن كانت خيالاً، ليأتي القرّاء والقارئات ويأخذوا من هذه الرواية شيئاً يصير جزءاً من حياتهم الواقعية، ليأتي بعدها كاتب آخر ويقتبس شيئاً من حياتهم في روايته الجديدة. وهكذا تدور الدائرة.
* تمثّل جيهان محوراً أساسياً في الرواية، كيف بنيت هذه الشخصية، وكيف استطعت ان تُنطقها وتعبّر عنها، أو تعبّر من خلالها عن أفكار تريد إيصالها. وما موقعها في بنية النص؟
شكراً على هذا السؤال. لم يسألني أحد عن جيهان، رغم أنّها أكثر الشخصيات التي تعبت في بنائها. هي محور الرواية وأساسها، لا رواية من دونها، هي المركز وإن كان شاكر هو الطاغي. وإن بدا ما أقوله غريباً، لكنّني كنتُ متخوفاً من كتابة شخصية نسائية لها هذا الثقل في الرواية. أنا رجل وأفكر كرجل، فكيف يمكنني أن أفكر كامرأة، وأن أتحدّث كامرأة، وأن أشعر كامرأة؟ حاولت قراءة ما أمكنني لكاتبات نساء (معظم قراءاتي في السنوات الأخيرة لكاتبات نساء. وهذا حديث آخر)، وتحدثت كثيراً مع صديقات أثق بهنّ، فقط كي أستطيع أن أشعر كما تشعر امرأة هجرها زوجها، امرأة تلد ابنتها في بيت والديها، امرأة خائفة، عشيقة تنتظر.
كيف يمكن أن أشعر بكل هذا كي أستطيع أن أكتبه بصدق؟ هذا كان التحدّي الأكبر الذي واجهني. لا أعرف إن استطعت التغلب على هذا التحدّي، هذا رأي القارئات، لكنني حاولت بكل ما أستطيع ألّا أرسم الشخصية من وجهة نظر ذكورية.
* يظهر الانتظار عنصراً مركزياً في العمل، وهو موضوع غاص الأدب كثيراً في عمقه، محاولاً معرفة القاع الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان في حالة الانتظار؟ كيف تعاملت معه بوصفه تجربة إنسانية داخل السرد؟ ألا توافقني أنّنا نقضي معظم حياتنا في الانتظار؟
في الرواية عدة طبقات، الانتظار واحدة منها بالطبع، انتظار الفرج وانتظار الحب وانتظار اللقاء… إلخ. يبدو لي أن الناس يولدون في بلادنا، أو في بلاد تشبهها، وهم ينتظرون شيئاً ما لا يأتي. أحسّ بذلك في كل حديث وفي كل مناسبة. ننتظر وننتظر وننتظر. لذلك أرى أن من الطبيعي أن ينعكس هذا الانتظار على شخصيات الرواية وعلى سياقها، سيما وأنّ الهجرة ومن ثمّ اللجوء من محاور الرواية الأساسية، والوجه الآخر للهجرة واللجوء هو الانتظار.
* كيف عالجت فكرة الهجرة في الرواية، بوصفها تجربة فردية وتجربة جماعية في الوقت نفسه؟ خصوصاً أنك من الكتّاب السوريين الذين عاشوا تجربة الهجرة والمنفى، وكنت من الجيل الذي شهد أكبر هجرة في تاريخ سورية؟
وُلدت وترعرعت في بيئة كردية. لم يكن هناك أفق للأكراد في سورية. كان حلم الجميع هو الهجرة والسفر بحثاً عن أفق جديد. في كلّ حين تسمع أن ابن العائلة الفلانية، أو أحد أقاربنا، هاجر مسافراً إلى ألمانيا أو فرنسا أو هولندا. هكذا كنّا نسمع أخبار الهجرات، لكنها كانت هجرات فردية، حتى وإن هاجرت العائلة بأكملها مثل عائلة عمّتي، لكن وبشكل عام كان معظم أفراد العائلة يبقى في سورية.
بعد عام 2011، بدأ الخروج السوري الكبير، تشعر وكأن سورية صارت كلّها في الخارج. عائلات عاشت على هذه الأرض لمئات السنوات، خرجت بأكملها لتبحث لنفسها عن حياة تشبه الحياة. صارت الهجرة أو اللجوء، سمّها ما شئت (رغم اختلاف الدلالات السياسية لاستخدام هذه المفردات)، هي محور حياة السوريين والسوريات. صار الخارجون من سورية وقوداً لحروب سياسية في دول مختلفة، وصاروا عوْناً للسوريين والسوريات الذين بقوا في سورية. ... كيف يمكن أن يكتب المرء رواية سورية واقعية معاصرة من دون أن يكون للهجرة/ اللجوء جانب فيها؟!
البحر هو البرزخ، هو المكان الذي يفصلنا عن المستقبل، قد يكون مستقبلنا أوروبا وأفق جديد لحياتنا، وقد يكون قاع البحر المظلم
* ما الدور الذي تؤدّيه شخصية جوان في توسيع أفق الرواية، خصوصاً في ما يتعلق بسؤال الهوية؟
أظن، وقد أكون على خطأ، أن لكلّ إنسان صديق أو صديقة يساعدونه على تخطي الحياة. قد يتغير الأصدقاء مع مرور الوقت، فالصداقة مثل كل شيء تنتهي. لكن يبدو لي أن لكل إنسان في كل مرحلة صديق أو صديقة (وأحياناً مجموعة صغيرة من الأصدقاء) أقرب إليه من أي شخص آخر. كان جوان هذا الشخص في تلك المرحلة من حياة شاكر، وكذلك كان شاكر بالنسبة إلى جوان.
للهوية أشكال متعدّدة، وصداقتهما كانت جزء من هويتهما، أمّا هوية جوان الجنسية فقد كانت موجودة منذ البداية. لم أقحمها على الرواية برغبة مني. مذ عرفتُ الدنيا عرفت أن هويات الناس الجنسية مختلفة، ورغباتهم مختلفة، وآراؤهم مختلفة، مثلما ألوانهم واعتقاداتهم وقومياتهم مختلفة.
أسألك السؤال معكوساً: لماذا يجب أن نستغرب وجود شخصية مثلية في مكان مثل القامشلي؟ ألا يوجد مثليون في القامشلي؟ أو مثلاً أبو جيهان شخص حساس يحبّ الشعر ويبكي لأنه يحبّ ابنته. ألا يوجد رجال حسّاسون في القامشلي؟ هل تفرض بيئة المكان على رجالها القسوة؟ لا أظن ذلك.
أظن في نفسي أنّني أكتب حكايات الناس من دون تدخل كبير لآرائي ومعتقداتي، وأظن أنّني كتبت حكايات أناس مختلفين في هذه الرواية، وإن كانت الرواية وشخصياتها من وحي الخيال، ولكي أكون أميناً في نقل حكايات الناس، يجب أن أكون أميناً لعواطفهم ومشاعرهم وهوياتهم المختلفة.
* تتداخل في الرواية ثيمتا الحب والفقد، كيف ترى العلاقة بينهما داخل هذا العمل؟
النهايات السعيدة هي حكايات لم تنته بعد، وأصل الأشياء زوالها. هكذا أعتقد. أرى الناس مقسّمين إلى ثلاثة أنواع: نوع يعيش في الماضي وكلّ همّه أن يعيد اختراع الماضي، ونوع يعيش في المستقبل وكل ما يفعله في الحاضر هو بناء من أجل المستقبل، ونوع ثالث قليل العدد يعيش في الحاضر دون اهتمام بماضي أو مستقبل. شخصيات الرواية من النوعين الأولين، جيهان مثلاً تنتظر المستقبل ولا تستطيع العيش في الحاضر فتفقده، وأدم يعيش الحاضر محاولاً استعادة الماضي الذي لا يعرفه. ولأنّ شخصيات الرواية تبحث عن الماضي أو تنتظر المستقبل فهي لا ترى الحاضر. من هذا المنطلق، أرى أن الذين عاشوا في هذه الرواية لم يستطيعوا أن يحافظوا على الحب، كانوا دائمي البحث عن شيء آخر، شيء لا نعرفه، ففقدوا ما كانوا يملكون.
* كيف تعاملت مع المكان، من القامشلي إلى قبرص، في بناء الدلالة السردية؟
لا أحداث من دون مكان. يحتاج الحدث إلى أشخاص وأفعال وزمان ومكان ليحدث. لم أختر الأمكنة كما أريد، بل كما كان يجب أن تحدُث، باستثناء القامشلي ربما. بدأت الأحداث، إذن، في القامشلي، وماذا يفعل المرء حين تصغر عليه المدينة؟ يذهب إلى العاصمة، هكذا فعلت جيهان. وأين توجّه السوريون والسوريات بأعداد كبيرة هرباً من البلاد في عام 2015؟ إلى ألمانيا، وهكذا فعلت نسرين.
أين كان يهرب شبان الأكراد في التسعينيات؟ إلى ألمانيا وهولندا وفرنسا، وهكذا فعل جوان وشاكر، فمرّا بلبنان وقبرص تهريباً، والتي كان فيها أعداد كبيرة من الأكراد والفلسطينيين آنذاك. أشعر وأنا أجيب على أسئلتك بأنّني لم أكتب الرواية، بل ترجمت أحداثاً حقيقية حدثت لتظهر في هذا الكتاب.
* ما الذي يمثّله البحر في الرواية، ضمن سياق الرحلة والمصير؟
في بداية الرواية، يصل أحدهم إلى قبرص ويشير إلى البحر قائلاً لأصحابه: هذه هي الحدود، وراء البحر من هنا بلادنا، ووراء البحر من هناك مستقبلنا، ونحن الآن في برزخ بين هذا وذاك، لا نحن هنا ولا نحن هناك.
البحر هو البرزخ، هو المكان الذي يفصلنا عن المستقبل، قد يكون مستقبلنا أوروبا وأفق جديد لحياتنا، وقد يكون قاع البحر المظلم. هذا البحر كان طريق مئات الآلاف، إن لم نقل الملايين، من السوريين والعراقيين واللبنانيين والفلسطينيين والأفغان والأفارقة، ومن ضمنهم شاكر وجوان ونسرين.
كل رواية وكل فيلم وكل أغنية وكل لوحة هي محاولة لحفظ ذاكرة ما في مواجهة النسيان
* تجمع لغتك بين السرد الواقعي والنبرة الشِعرية، كيف تحافظ على هذا التوازن في أثناء الكتابة؟
لغة المرء تشبه المرء، أظن. لغتي التي أكتب بها تشبه طريقة تفكيري، كثيراً ما أقول لأصدقائي إنني أحياناً لا أعرف كيف أحكي فكرة ما، لكنني أعرف كيف أكتبها.
أحاول عند بناء الجملة، أن تكون جملتي بسيطة، ولا أقصد هنا بالبساطة السهولة، بل أقصد أن تكون جملتي بسيطة وسلسة للقراءة ومترابطة مع ما يليها وما قبلها بشكل لا يشعر به القرّاء بالتعب. كذلك أتنقل بين صيغتي المتكلم والمخاطب، وخاصة في هذه الرواية، لأني أعتقد أن البشر يفكرون ويحكون هكذا، ومثلما قلت فالرواية واقعية، فتكون الكتابة انعكاساً لطريقة تفكير الشخصيات.
ربّما أتت النبرة الشعرية لأن جيهان شاعرة بالفطرة. أتمنى لو كنتُ شاعراً مثلها، لكنني لم أولد حساساً بما فيه الكفاية.
* هل أثّرت تجربتك في الإخراج السينمائي في بناء المشاهد السردية؟
ربّما. كثيراً ما قلت إنّني أشعر بأنّني ولدت لأحكي الحكايات، أما كيف أحكيها وكيف أوصلها للناس، فتلك هي الأدوات، الرواية أداة والفيلم السينمائي أداة والنصوص المفتوحة التي أحبّ أن أكتبها أداة، وهكذا. كلّ ما في الأمر أن يستطيع المرء امتلاك أدواته. أقرأ كثيراً وأشاهد الكثير من الأفلام، لا أتوقف عن التعلم في شتى المجالات، حتى أستطيع امتلاك أدواتي، حتى أستطيع أن أكون صادقاً حين أحكي حكاية.
* إلى أي حد يمكن قراءة الرواية بوصفها تعبيراً عن تجربة جيل كامل عاش الهجرة؟
لا يمكن. ذلك ثقلٌ لا أحب تحميله لهذه الرواية ولا لأي رواية أخرى. هذه الرواية تحكي عن نفسها وعن شخصياتها فقط.
* هل ترى في الرواية محاولة لحفظ الذاكرة في مواجهة النسيان؟
كل رواية وكل فيلم وكل أغنية وكل لوحة هي محاولة لحفظ ذاكرة ما في مواجهة النسيان.
بطاقة:
ـ مخرج وروائي وصحافي ولد في دمشق ويقيم في برلين.
ـ صدر له: حكايات من هذا الزمن (2014) – شهادات سردية عن المجتمع السوري.
صباح الخير يا أحبّة – سيرة ناقصة (2020) – نصّ هجين بين السيرة الذاتية وأدب الذاكرة والمنفى.
ـ قاعدة الخوف الذهبية (2022) – عمل تأملي وسردي حول الخوف بوصفه بنية اجتماعية وسياسية.
ـ حكاية آدم بيرغمان، أو كيف أصبح الرجل ريحاً (2024) – رواية عن الهجرة، فقدان الهوية، والاغتراب الكردي-السوري.
ـ أخرج عدة أفلام وثائقية وروائية قصيرة منها: منفى. بانياس: البدايات. أمراء النحل.

Related News
«حرب إيران» تزيد متاعب «القطاع الخاص» المصري
aawsat
13 minutes ago
فوائد التمدد الصباحي: كيف يوقظ جسمك بلطف؟
aawsat
15 minutes ago