Arab
بخلاف الجملة المكرّرة (والمجترّة) التي نسمعها عادةً: العرب مبدعون في التنظير أكثر من العمل، فإنّ الواقع أنّنا، عربياً، ضعفاء جدّاً في مجال التنظير، بخاصّة إذا كنّا نتحدّث عن المعرفة، ومساهمتنا في النظرية المعرفية عالمياً محدودة للغاية، خصوصاً إذا انتقلنا إلى الحديث عن العلوم الاجتماعية والسياسية، ففي معظم الوقت نحن مستهلِكون وناقلون ما تنتجه الثقافة الغربية من نظريات معرفية تفسّر الظواهر السياسية والاجتماعية، بما فيها ما يقع في مجالنا العربي نفسه.
من هنا تبرز أهمية أن ينقل عزمي بشارة كتابه "الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2020) من العربية إلى الإنكليزية (مع إضافات وتعديلات)، ليصدر عن مطبعة جامعة أكسفورد (2026) بعنوان: "مسارات شاقّة: في نظرية وممارسة الانتقال الديمقراطي" (Arduous Paths: On the Theory and Practice of Democratic Transition)، فالكتاب مساهمة عربية أصيلة ومهمّة من المساهمات القليلة جدّاً (للأسف) للعلماء والباحثين العرب في مجال نظريات التحوّل أو الانتقال الديمقراطي، إذ غالباً ما يقتصر دورهم على ترجمة (واستهلاك) النظريات الغربية، في هذا المجال، من دون محاولة تحليل (وتفكيك) تلك النظريات ومدى صلاحيتها لفهم تجارب خارج إطار المركزية الثقافية الأوروبية.
تتمثّل قيمة كتاب "الانتقال الديمقراطي..." في أنّه يغوص بعمق شديد، وبرؤية نقدية تفكيكية، في أعماق نظريات التحوّل والانتقال الديمقراطيَّين، وأسسهما الفلسفية والمعرفية
لم يكتفِ بشارة بتحليل نظرية التحديث السياسي، وهي النظرية الرئيسة التي أنتجتها المركزية الأوروبية في عملية التحوّل السياسي أو الديمقراطي، استناداً إلى التجربة الغربية في التحوّل، ولم يقف أيضاً عند تسليط الضوء على نظريات الانتقال الديمقراطي التي ظهرت في جنوبي أوروبا وأميركا الجنوبية، من خلال حلقة من الباحثين المهمّين، مثل غوليرمو أودونيل وفيليب شميتر ووايتهيد وغيرهم، بل تبحّر في داخل تلك النظريات، وقدّم رؤىً نقديةً وتحليليةً مهمّةً أولاً، ثمّ (وهذا هو الأكثر أهميةً) درس حالات عربية عدّة بعد حقبة "الربيع العربي"، وقارنها بما تقدّمه نظريتا التحديث والانتقال الديمقراطي، المتعلّقة بقضايا جوهرية ورئيسة، مثل دور العامل الخارجي في الانتقال السياسي، والعلاقة بين الدين والدولة، وآليات السلطوية العربية في الدفاع عن النفس... وهكذا.
تتمثّل الفكرة الرئيسة الثاوية في مقاربة بشارة في أنّنا قادرون في العالم العربي على إنتاج معرفة علمية في العلوم الاجتماعية والسياسية: نظريات الانتقال الديمقراطي على سبيل المثال، ولسنا عاجزين عن هذا، كما فعلت حلقة الباحثين في مركز ولسون الذين درسوا (في نهاية السبعينيّات وبداية الثمانينيّات) تجارب الانتقال السياسي في أميركا الجنوبية، وحتى في جنوبي أوروبا، وقدّموا تصوّرات نظرية، ومقاربات، تنقد نظرية التحديث السياسي التي هيمنت في مجال العلوم السياسية حقبةً من الزمن، وكأنّ ما ينتجه الغربيون أمر مقدّس من الناحية العلمية، بينما أظهر "الانتقاليون" بصورة جليّة نقاط ضعف كبيرة في نظرية التحديث السياسي، ومحاولات عولمتها لتكون النموذج المعرفي الوحيد. وإذا استعرنا هنا مفهوم "الهيمنة الثقافية" من أنطونيو غرامشي، فإنّ عزمي بشارة يكسر، في هذا الكتاب، هيمنة الثقافة والمعرفة الغربيتَين، ويبني معرفةً علميةً عربيةً، لا لفهم الحالة العربية فقط، وكأنّها حالة خاصّة، بل للولوج إلى عملية إنتاج المعرفة العالمية، وتقديم بديل معرفي ونظري، أي يتحوّل دور الباحثين من مستهلكين للمعرفة إلى منتجين، وهي مهمة عظيمة ورئيسة، لأنّها ترتبط بتحرير التفكير العلمي من قيود عديدة، وبإطلاق التفكير بحرّية أكبر في واقعنا العربي، وفي العالم من حولنا، وكيف يمكن أن نقرأه بعيداً من نموذج معيّن يريد تأطير تفكيرنا أو سجنه في داخله.
من باب الأمانة والإنصاف، لا تقف هذه المهمة، التي يضعها بشارة على كاهله، عند حدود جهوده الشخصية مفكّراً وباحثاً عربياً مرموقاً ومميّزاً، بل تمسّ أيضاً فلسفة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي أنجز في هذا المجال كتباً ومساهمات نظرية عديدة سعت إلى الأصالة المعرفية، من خلال تفكيك (وتحليل) النظريات السائدة في حقول عديدة، مع عدم الركون إليها وكأنّها مُنزَّلة أو غير قابلة للنقد، بل إلى بناء أطر نظرية عربية بديلة. وإذا نظرنا إلى حقل الانتقال السياسي والديمقراطي وحده، سنجد أدبيات عديدة أصدرها المركز وتناولت الانتقال السياسي ومرحلة "الربيع العربي" ودور الشباب في الثورات السياسية، ولو نظرنا إلى حقول أخرى عديدة مثل المساهمة في فهم نظريات الدولة، لوجدنا الأمر نفسه، فأصبح المركز معملاً أساسياً في مجال الإنتاج المعرفي اليوم.
يكسر عزمي بشارة هيمنة الثقافة والمعرفة الغربيتين، ويبني معرفة علمية عربية، لا لفهم الحالة العربية فقط، وكأنّها حالة خاصة، بل للولوج إلى إنتاج المعرفة العالمية
لا تتوقّف أهمية كتاب بشارة عند الجانب النظري أو المعرفي، بل تتجاوزه إلى الجانب العملي، فقيمة الكتاب تتمثّل في أنّه يغوص بعمق شديد، وبرؤية نقدية تفكيكية، في أعماق نظريات التحوّل والانتقال الديمقراطيَّين، وأسسهما الفلسفية والمعرفية، ولا يقف عند حدود العرض الأكاديمي السطحي، ما يوفّر إمكانات كبيرة في إعادة قراءة الحالة السياسية العربية، اليوم، بناءً على هذه النماذج المتضاربة والمتصارعة (نظرياً) في الإجابة عن سؤال: ما الذي حدث في مرحلة "الربيع العربي" (2011)، ولماذا لم تنجح تجربة الانتقال أو التحوّل السياسي – الديمقراطي، مقارنةً بما تقدّمه النظريات الرئيسة في هذا المجال؟ ما يخرجنا، خصوصاً في الأوساط السياسية العربية، سواء من المعارضة أو الحكومات، من حالة السذاجة السياسية في التعامل مع هذا الحقل المهمّ (السلطوية والانتقال من الأنظمة السلطوية والتحوّل الديمقراطي...)، والمفاهيم الرئيسية المرتبطة به، إذ من الواضح أنّ هنالك محدودية وسطحية عربيَّتَين في التعامل مع مسألة الدمقرطة، ومع التحوّلات المرتبطة بها، وعدم إدراكٍ للمنعرجات والمسارات التي وصفها عنوان الكتاب بـ"الشاقّة" التي تمرّ بها مثل هذه العمليات، خصوصاً في مراحل معيَّنة تجعل من فهم ما يحدث فيها مسألةً في غاية الأهمية لنجاح تلك التجارب وإدراكها.
الكتاب، إذاً، يضعنا أمام صورة موسّعة وتحليلية للنظريات والأفكار والمدارس المهمّة في عمليات الانتقال الديمقراطي، بداية من مدرسة التحديث السياسي وروّادها الكبار أمثال سيمور ليبست ودانيال ليرنر، التي تضع شروطاً ومتطلّباتٍ اقتصادية واجتماعية وثقافية لأيّ عملية ناجحة للانتقال الديمقراطي، تبدأ بالتصنيع والإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد وصعود الطبقة البرجوازية بما تحمله من ثقافة مدنية وعلمانية وتزايد مستوى التعليم، وصولاً إلى التحوّل نحو الديمقراطية، وخالف دانكوارت روستو ذلك في مقالته الشهيرة (في بداية السبعينيّات) "نحو نموذج ديناميكي في الانتقال الديمقراطي" التي وضع فيها شرطاً رئيساً واحداً، الوحدة الوطنية، مروراً بما قدّمه صموئيل هنتنغتون من مساهمات كبيرة، خصوصاً في كتابَيه "الموجة الثالثة من الديمقراطية"، و"الأنظمة السياسية في مجتمعات متغيّرة"، ثمّ مدرسة الانتقال السياسي التي قدّمت النقد الأكثر وضوحاً وعمقاً وتأثيراً في نظرية التحديث (من دون أن تدّعي أنّها تقدّم نظريةً عالميةً بديلةً)، من خلال التركيز على "الخيارات الاستراتيجية" للنُّخب السياسية في الحكم والمعارَضة.
يمكن القول إنّ المناظرة المهمّة (العميقة)، بين مدرستَي التحديث والانتقال السياسي، تمنحنا، عربياً، فرصةً مهمّةً للتحليل والمقاربة والمقارنة للحالة العربية بهذه النماذج المطروحة نظرياً، وممارسة في عملية الانتقال السياسي، وتسلّط الضوء على مفاهيم وقضايا أساسية تمنحنا قدرةً ومساحة أوسع لفهم هذه العمليات أو المسارات، ولا سيّما في ما يتعلّق بالاستبداد والانتقال نحو الديمقراطية أو الخروج من نفق السلطوية العربية. وإذا كانت مدرسة التحديث السياسي، كما يقرّ بشارة نفسه، قد نجحت في تسليط الضوء على أهمية البنية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية التي (بالضرورة) تمثّل عاملاً مهمّاً في استقرار الديمقراطية، فإنّ مدرسة الانتقال السياسي قدّمت نماذج وأطروحات مهمّة، خاصّةً على صعيد التمييز بين الانتقال والاستقرار الديمقراطي، وطبيعة المسارات التي تمرّ بها عملية الانتقال، وما يطلق عليه منظّرو هذه المدرسة مصطلح "الميثاقية" بين القوى السياسية الرئيسة والمختلفة، ثمّ مراجعة دور الثقافة ونقلها، خلال عملية الانتقال، من وصفها شرطاً مسبقاً، كما جادل منظّرو التحديث السياسي الكبار، إلى عملية تتجذّر (وترتبط) بعملية الانتقال السياسي نفسها.
في ثنايا هذه النظريات نقاشات وأسئلة عديدة مهمة ورئيسية في فهم التحوّل والانتقال، منها ما يتعلّق بسؤال الشرعية السياسية، خصوصاً في الانتقال من الأنظمة التقليدية إلى الأنظمة الديمقراطية، وما يشكّله هذا من تغيّر أو تبدّل في مصادر الشرعية والقاعدة الاجتماعية التي تحملها، وهذه لحظة حسّاسة ودقيقة في الانتقال، ولا سيّما عندما تكون هنالك سقوف توقّعات عالية من الشارع في ما يتعلّق بالحرّية والاقتصاد، ما يدفع ويضاعف حجم الاعتصامات والاحتجاجات، والمطالبات بتحسين الظروف الاقتصادية، وهي ظاهرة حدثت بالفعل في الدول العربية حيث وقعت ثورات، وهو ما يطلق عليه دارسون لعملية الانتقال السياسي بـ"نزع السحر عن الديمقراطية"، بمعنى وضعها في سياقها التاريخي والواقعي، بعيداً من الهالة الرومانسية التي ترتديها في عيون الشعوب المقموعة.
تتمثّل الفكرة الرئيسة الثاوية في مقاربة عزمي بشارة بشأن الانتقال الديمقراطي في أنّنا قادرون في العالم العربي على إنتاج معرفة علمية في العلوم الاجتماعية والسياسية
ومن القضايا الجدلية في مسألة الانتقال ثلاثة موضوعات مهمّة ورئيسة: العلاقة بين الدين والدولة، وكيف يمكن تأطير هذه العلاقة مقارنةً بما تقوله النظريات المتعدّدة في هذا المجال ضمن مدرستَي التحديث والانتقال. والعلاقة بين المؤسّسات المدنية والعسكرية. والعامل الخارجي وتأثيراته بين الجوانب الإيجابية والسلبية، كما يدخل في بؤرة النقاش سؤال العلاقة بين الطبقتَين البرجوازية والعمّالية، والجدل التاريخي: أيّ منهما بالفعل قاد عملية التحوّل والانتقال الديمقراطي. فبينما يجعل التحديثيون البرجوازية بمثابة القوة الرئيسة الحاملة للتحوّل الديمقراطي، يجادل بعض المنظّرين الانتقاليين بأنّه لولا الطبقة العمّالية لما وصلت الديمقراطية إلى ما وصلت إليه، خاصّةً نضالات العمّال والاتحادات العمّالية في الدفاع عن حقوق الأغلبية في مواجهة تغوّل الأنظمة الرأسمالية.
في الخلاصة، نحن أمام كتاب مهمّ بنسختَيه العربية والإنكليزية. عربياً، علمياً وعملياً، يمثّل إضافةً نوعيةً إلى المكتبة العربية، ومرجعاً للسياسيين العرب في ما يفترض أن يدركوه حول الانتقال السياسي. وإنكليزياً، يمثّل مساهمةً عربيةً نوعيةً في النقاش العالمي حول مسألة الانتقال السياسي ونقد النظريات المتعلّقة به، وتسليط الضوء على ما تقدّمه الحالات العربية من إضاءات مهمّة في الإضافة إلى المعرفة العالمية في هذا المجال.

Related News
«دوري أبطال أوروبا»: لويس دياز مبدع وسط الفوضى
aawsat
10 minutes ago