Arab
في مفارقة مالية تعكس تحولات عميقة في بنية النظام الاقتصادي العالمي، كشفت تقارير حديثة أن إيران باتت تستخدم أدوات مالية مرتبطة بالدولار، عبر العملات المشفرة، للالتفاف على العقوبات وتمويل أنشطتها العسكرية. وتشمل هذه الأدوات العملات المستقرة مثل "تيثر" المدعومة بسندات الخزانة الأميركية، إلى جانب منصات التداول الرقمية وبنية البلوكشين التي تتيح نقل الأموال إلى خارج النظام المصرفي التقليدي. وبحسب تحليل نشره موقع "ياهو فاينناس"، السبت الماضي، فإن طهران تعتمد على العملات المستقرة مثل "تيثر" (USDT)، وهي عملة رقمية مرتبطة بالدولار ومدعومة جزئيا بسندات الخزانة الأميركية، لنقل الأموال وتمويل العمليات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز. وقال المحلل المتخصص في العملات الرقمية ميتشل دوران، إن هذه الآلية تتيح لإيران أو الجهات المرتبطة بها استخدام أدوات قائمة على الدين العام الأميركي، ما يخلق تناقضا داخل النظام المالي الدولي، حيث تتحول أدوات مدعومة بالدولار إلى وسيلة لتجاوز القيود المفروضة عليه.
وأشار التحليل إلى منصة "نوبيتكس"، أكبر منصة إيرانية لتداول العملات المشفرة، باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية التي تمر عبرها مليارات الدولارات من العملات المشفرة، والتي يشتبه بارتباط بعضها بجهات خاضعة للعقوبات. وعبر هذه المنصة، يتم تحويل الريال الإيراني إلى أصول رقمية مثل بيتكوين وإيثريوم، ما يمنح طهران مرونة أكبر في تمويل أنشطتها، في ظل صعوبة تتبع هذه التدفقات عبر شبكات البلوكشين. ولفت التحليل إلى عجز أو بطء السلطات الأميركية في إيقاف تدفقات الأموال الإيرانية الموجهة للأنشطة العسكرية. وأضاف: " تيثر وسيلة مثالية لتجاوز القيود الرقابية بفضل عملها ضمن منطقة رمادية لا تخضع دائما بشكل مباشر لسلطة وزارة الخزانة الأميركية".
"بنك الظل"
وأكد دوران أن إيران طورت نظاما ماليا موازيا يشبه "بنك الظل"، يعمل على مدار الساعة، سريعا وآمنا، ويقلل الاعتماد على البنوك التقليدية، مع قدرة على تحويل مبالغ ضخمة، بل وحتى تحصيل رسوم عبور من ناقلات النفط التي حاولت المرور عبر مضيق هرمز في بداية الأزمة". وأشار المحلل الجيوسياسي ألكسندر ميركوريس، بحسب "ياهو فاينناس" إلى مفارقة واضحة، وهي أنه رغم محاولات واشنطن إقصاء إيران عن النظام المالي القائم على الدولار، فإن طهران تستخدم النسخة الرقمية من الدولار. فبينما تصدر الولايات المتحدة الديون، تقوم شركات العملات المشفرة بشرائها لدعم عملاتها، لتستخدمها إيران لاحقا في تمويل مشتريات عسكرية مثل الطائرات المسيّرة.
وفي يونيو/حزيران 2025، تعرضت منصة "نوبيتكس" لهجوم إلكتروني كبير تسبب في خسائر مالية لإيران، لكنه لم يوقف تدفق التمويل المرتبط بالحرب. وتبقى هذه الواجهة الجديدة للتمويل الموازي مصدر قلق، إذ تعتمد على بنية رقمية تخدم دولا خاضعة للعقوبات باستخدام أدوات مالية تستند في جوهرها إلى الاقتصاد الأميركي. ويرى محللون أن هذا "النظام" بات ينمو بشكل تصعب السيطرة عليه، حيث تحولت العملات المشفرة من مجرد تجربة تقنية إلى أداة جيوسياسية دقيقة، قد تؤدي إلى مفارقة خطيرة تتمثل في أن تمويل الخصوم قد يأتي بشكل غير مباشر من داخل النظام المالي الغربي نفسه.
ووفق الموقع الإيطالي "نوتيتسيه جيوپوليتيكه"، يمثل النموذج الإيراني سابقة تراقبها دول وأطراف دولية أخرى عن كثب، إذ لا يُلغي التمويل الرقمي العقوبات، لكنه يقلل من تأثيرها ويفتح مرحلة جديدة من الصراع الاقتصادي، حيث لم يعد التحكم يمر فقط عبر البنوك والبنية التحتية المادية، بل عبر المنصات والبرمجيات والهياكل الرقمية. ويؤدي ذلك إلى ما يشبه "الدائرة المغلقة" جيوسياسيا. وأضاف الموقع أن المالية الرقمية أصبحت، من الناحية العسكرية، عنصرا حاسما لضمان استمرارية سلاسل التوريد، إذ يتطلب شراء الطائرات المسيّرة والمكونات الإلكترونية وأنظمة الدفاع عمليات دفع سريعة والقدرة على تجاوز القيود، خصوصا في بيئات الصراع غير المتكافئ مثل مضيق هرمز.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار الموقع إلى أن هيمنة الدولار تكشف عن جانبها الأكثر هشاشة، إذ إن مركزيته تجعله ضروريا لكنها في الوقت ذاته تجعله عرضة للاستغلال، مع إمكانية خروج الأدوات الرقمية والمشتقات المالية عن نطاق السيطرة ووصولها إلى أطراف معادية، في وقت تبقى العقوبات فعالة لكنها أقل حسما أمام الشبكات اللامركزية التي يصعب تتبعها.

Related News
«حرب إيران» تزيد متاعب «القطاع الخاص» المصري
aawsat
10 minutes ago
فوائد التمدد الصباحي: كيف يوقظ جسمك بلطف؟
aawsat
12 minutes ago